لبنان والساحة.
قرار مؤجل أم سيادة ناقصةفي كل مرة يقال إن لبنان مقبل على مرحلة جديدة، يبدو كأن قرار تلك المرحلة لا يُصنع في بيروت.
يُصاغ تارة في تل أبيب، وتارة في طهران، وتارة في واشنطن، وأحيانا في عواصم عربية تحمل للبنان مودةً صادقة، لكنها لا تملك دائما القدرة على تحويل المودة إلى فعل سياسي مؤثر.
وهكذا طال مَقام لبنان في مأزق دولة تملك الاسم والعلم والنشيد والحدود، لكنها لا تملك قرارها كاملا.
الدولة حاضرة في الشكل، لكنها تغيب عند لحظة الحسم، حين تصبح قرارات الحرب والسلم أكبر من مؤسساتها، وأقرب إلى إرادات الخارج منها إلى إرادة الداخل.
وليست علة لبنان أنه بلد صغير.
فالصغر في السياسة لا يكون ضعفا إذا عرفت الدولة حدود قدرتها، وحمت مؤسساتها، وصانت إرادتها.
دول صغيرة كثيرة استطاعت أن تجعل من محدودية المساحة وضوحا في السياسة، ومن ضيق الجغرافيا اتساعا في الدور.
علة لبنان أن حقه الطبيعي في أن يكون دولة مكتملة القرار ظل منقوصا، ومؤجلا، ومعلقا على حسابات لا تصنع في الداخل اللبناني وحده.
على أرض لبنان تزاحمت - عبر سنوات طويلة - المخاوف الإسرائيلية، والنفوذ الإيراني، والحسابات الأميركية، والانقسامات العربية، حتى كاد السؤال الأول يغيب عن المشهد.
ماذا يريد اللبنانيون لأنفسهم؟ وهو سؤال يفترض أن يكون بداية كل مشروع وطني، لكنه في الحالة اللبنانية تحول إلى ترف سياسي، لأن الآخرين اعتادوا أن يسبقوا اللبنانيين إلى الإجابة عنه.
لا يصح اختزال المأساة اللبنانية في سلاح حزب الله وحده، وإن صار هذا السِّلاح عنوانا ظاهرا لأزمة السيادة.
ولا يصح اختزالها في الاعتداءات الإسرائيلية وحدها، وإن كانت إسرائيل قد تعاملت مرارا مع الجنوب اللبناني كمساحة أمنية مفتوحة، لا كأرض دولة لها حدود وناس وكرامة.
الخطر الأعمق يبدأ حين تصبح السيادة موضع تفاوض بين الخارج والخارج، لا حقا أصيلا لأصحاب الأرض.
وأي اتفاق يطلب من لبنان أن يفعل ما لا تملك دولته القدرة على فعله، ثم يجعل انسحاب قوة أجنبية مشروطا بتحقق المستحيل، لا يصنع سلاما.
إنه يؤجل الانفجار، وربما ينقله من الحدود إلى الداخل.
فالجيش اللبناني لا يستطيع أن يكون، في لحظة واحدة، أداة إنقاذ ووقودا لحرب أهلية جديدة.
والدولة التي يراد لها أن تستعيد احتكار السلاح تحتاج إلى إجماع وطني، ورعاية عربية جادة، وضمانات دولية واضحة، لا إلى ورقة شروط تُلقى فوق طاولة منهكة.
لبنان لا يحتاج إلى وصاية جديدة باسم الإنقاذ.
يحتاج إلى ترتيب سياسي وأمني يعيد إلى الدولة معناها.
وهذا يقتضي أن يخرج النفوذ الخارجي من صلب القرار اللبناني، لا أن يستبدل نفوذ بنفوذ.
ويقتضي كذلك أن يدرك العرب أن لبنان ليس ملفا إنسانيا يفتح عند الكوارث، ولا ذكرى جميلة تُستدعى عند الأزمات، بل اختبار سياسي لمبدأ طالما تكرر في الخطاب العربي، وهو أن الدولة، مهما ضعفت، لا يجوز أن تتحول إلى ساحة.
لقد دفع لبنان ثمنا باهظا لأنه كان دائما أوسع من حجمه في حسابات الآخرين، وأضيق من حقه في أيدي أبنائه.
أراده البعض جبهة، وأراده البعض منصة، وأراده البعض الآخر ورقة تفاوض.
أما هو، فيريد ببساطة أن يكون بلدا عاديا، وتلك في حالته أمنية كبرى.
مؤسسات تعمل، وحدود تحترم، ومواطن لا يطلب منه أن يختار بين سيادة ناقصة وحرب دائمة.
والطريق إلى ذلك لا يبدأ من نزع بندقية فقط، ولا من وقف غارة فقط، بل من استعادة المعنى الأول للدولة.
جيش واحد، وقرار واحد، وحدود لا تُستباح.
ويبدأ قبل ذلك من مصالحة اللبنانيين مع فكرة أن الدولة ليست غنيمة فريق، ولا رهينة محور، ولا تفصيلا صغيرا في صراع أكبر منها، فلبنان ليس ساحة بالوكالة، إنه وطن لا يستعيد سلامه إلا حين يستعيد قراره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك