منذ استعادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقاليد الحكم في البيت الأبيض لولايته الثانية في يناير/كانون الثاني 2025، يتلقى الحلف التقليدي بين واشنطن والقارة العجوز ضربات عنيفة تقوض أركان استمراريته، جراء السياسات المبنية على التهميش والازدراء التي ينتهجها ترمب ضد الدول الأوروبية.
وتتبنى إدارة ترمب رؤية مفادها أن القارة باتت في طريقها إلى الأفول بفعل ما تعانيه من تراجع عسكري، وانكماش اقتصادي، وعقم سياسي، وضمور ثقافي.
وشكلت المساعي التي بذلها ترمب لإرغام الدنمارك على التنازل عن جزيرة غرينلاند عام 2025 التعبير الأكثر وضوحًا عن استخفاف إدارته بمكانة أوروبا.
وفي قراءة تحليلية مشتركة أوردتها مجلة فورين أفيرز الأميركية، أفادت مارينا هنكه، أستاذة العلاقات الدولية في كلية هارته ومديرة مركز هارته للأمن الدولي، رفقة إيرين مارينوفا وتيل كونبلوش، زميلي ما بعد الدكتوراه في مركز هنري كيسنجر للشؤون العالمية بكلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز الأميركية، بأن القارة تشهد تحولات جذرية استجابة لتوجهات ترمب منذ حقبته الرئاسية الأولى الممتدة من يناير/كانون الثاني 2017 إلى يناير/كانون الثاني 2021.
فللمرة الأولى منذ عقود، يستشعر الأوروبيون طبيعة الأخطار المحدقة بهم، مبدين جاهزية غير مسبوقة لتخصيص موازنات ضخمة للتسليح والدفاع، مما يمهد لولادة إستراتيجية أوروبية كبرى تتشكل بتؤدة لرسم مسار جيوسياسي وإستراتيجي جديد.
واستقرت القناعة لدى عواصم أوروبا بأن صيغتها القديمة التي ترتكز على مراكمة الثروات دون امتلاك أنياب عسكرية، وممارسة النفوذ بلا تضحيات، والتمتع بالحماية دون تقديم التزامات، غدت غير قابلة للحياة.
وفي المقابل، فإن نظر الولايات المتحدة إلى أوروبا بوصفها ساحة فاقدة للأهمية بشكل دائم يمثل تغافلًا عن عمق المتغيرات الحالية، والتي ستلقي بظلالها الخطيرة على المصالح الأميركية ذاتها.
وعلى مر العقود الماضية، تماهت المواقف الأوروبية تلقائيًّا مع أولويات واشنطن، ووصل الأمر إلى إرسال قواتها للمشاركة في معارك تقودها الولايات المتحدة، رغم أن قطاعات واسعة من الشعوب الأوروبية، وحكوماتها أحيانًا، كانت تراها حروبًا مضللة أو هامشية أو ذات كلفة إستراتيجية باهظة، غير أن أوروبا التي توجه استثماراتها اليوم بجدية صوب قدراتها الدفاعية لن تنتهج السلوك ذاته مستقبلاً، ما يحتم على واشنطن التأهب للتعاطي مع هذه المعطيات المستجدة.
وعقب سنوات من التراخي، أيقن الأوروبيون أنهم يتموضعون في بيئة دولية شديدة الخطورة، وطبقًا لاستطلاع آراء أجرته المفوضية الأوروبية، يرى 77% من مواطني القارة أن الحرب الروسية على أوكرانيا تشكل تهديدًا مباشرًا لوجودهم، مع تركز هذا القلق في الدول الشرقية والشمالية، في حين يصنف 59% من المشاركين في ألمانيا، و50% في فرنسا، و49% في بريطانيا روسيا باعتبارها الخطر الأكبر على أمنهم القومي، وهو ما يبرهن على أن الهواجس من التهديد الروسي تغلغلت من الأطراف إلى العمق الأوروبي.
وفي المقابل، باتت شريحة واسعة من الأوروبيين تنظر إلى الولايات المتحدة بوصفها حليفًا لا يمكن الارتهان إليه، ووفقًا لنتائج استطلاع أنجزته مؤسسة يوغوف بطلب من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في مايو/أيار الماضي، فإن 11% فقط من المستطلعين في 15 دولة أوروبية يجدون واشنطن حليفًا موثوقًا، تراجعًا من 16% قبل ستة أشهر و22% في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وشمل هذا الاستطلاع مواطني كل من النمسا، وبلغاريا، والدنمارك، وإستونيا، وفرنسا، وألمانيا، والمجر، وإيطاليا، وهولندا، وبولندة، والبرتغال، وإسبانيا، والسويد، وسويسرا، وبريطانيا.
وتحت وطأة الهواجس من روسيا والتشكيك في الموثوقية الأميركية، يبدي قطاع عريض من الأوروبيين تأييدهم لتعزيز الترسانات العسكرية لبلدانهم، حيث تحظى خيارات رفع الإنفاق الدفاعي بموافقة الأغلبية في الدنمارك، وإستونيا، وفرنسا، وألمانيا، وبولندة، والبرتغال، وبريطانيا، بينما تفردت إيطاليا بوجود معارضة أغلبية لزيادة الإنفاق العسكري.
وتتجه الأغلبية حاليًّا نحو خفض الاعتماد على التجهيزات العسكرية الأميركية واستبدالها بمنتجات أوروبية، ويتصاعد هذا التوجه بوضوح في الدنمارك، وهولندا، والسويد.
وفي المضمار عينه، تؤيد الأغلبية في فرنسا، وألمانيا، وبولندا إعادة تفعيل التجنيد العسكري الإلزامي، والمعمول به فعليًّا في الدنمارك، وإستونيا، وسويسرا.
وكانت بولندا وألمانيا قد أوقفتا العمل بالتجنيد الإجباري عامي 2010 و2011 على التوالي، في حين ألغته فرنسا تدريجيًّا أواخر تسعينيات القرن الماضي.
ورغم تراجع القبول الشعبي للفكرة طيلة العقود الثلاثة الماضية، إلا أنها استعادت زخمها بشكل ملحوظ في الأعوام الأخيرة.
وللانفكاك من التبعية للمعدات الأميركية، تسعى القارة إلى تقوية بِنْيتها الصناعية العسكرية، ففي برلين، تتسابق شركات ناشئة كـ «هيلسينغ» و«ستارك ديفنس» للفوز بعقود طائرات مسيرة بمليارات اليورو.
وبالتوازي، دشنت شركة «كوانتوم فرونت لاين إندستريز»، وهي مشروع دفاعي ألماني أوكراني مشترك، إنتاج طائرات مسيرة على نطاق تجاري واسع بالقرب من ميونيخ مطلع العام الجاري.
ورغم أن برلين لا تزال في طور البدايات لتطوير منظومات ذاتية التشغيل، إلا أنها تتكئ على خبرات عريقة في الصناعات الثقيلة، حيث تنسق شركة «راينميتال»، كبرى شركات المقاولات الدفاعية في ألمانيا، مع شركة «ليوناردو» الإيطالية للصناعات الدفاعية لتصنيع ما يزيد على 1000 مركبة قتال مشاة مدرعة ونحو 350 دبابة قتال رئيسية من طراز بانثر KF51 لصالح الجيش الإيطالي.
ولم تقف التحولات عند حدود العتاد، بل تعدتها إلى العنصر البشري، حيث أعادت كرواتيا، وليتوانيا، ولاتفيا، والسويد العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية لمواجهة التحركات الروسية.
أما ألمانيا، فقررت إعادة إحياء الخدمة العسكرية عقب تعليقها عام 2011.
وبسبب اتكالها الأولي على التطوع، ثارت شكوك لدى صناع القرار، ومن بينهم الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، حول مدى إقبال الشباب على الانخراط في القوات المسلحة، غير أن تلك المخاوف تلاشت، إذ بحلول نهاية مارس/آذار 2026، انضم 12,700 فرد للخدمة التطوعية بزيادة بلغت 13.
5% عن العام المنصرم، وتلقى الجيش 22,700 طلب تحاق بزيادة قوامها 20%.
هذا التدفق يضع القوات المسلحة الألمانية على مسار تحقيق المستهدف متوسط المدى بالوصول إلى 260 ألف جندي عامل و200 ألف جندي احتياط بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، ليدعم تطلعات المستشار فريدريش ميرتس في جعل الجيش الألماني «أقوى جيش نظامي في أوروبا».
ويبدو المشهد في السويد أكثر تمايزًا، حيث تفوق أعداد المتقدمين المؤهلين طاقة الاستيعاب العسكرية، مما يضطرها لقبول أقل من 10% من طالبي الالتحاق.
وفي المقابل، يواجه هذا الانسجام الإستراتيجي تحديات قد تعصف به، نتيجة لبقاء التباينات في التفضيلات الوطنية بين العواصم، فضلًا عن صعود التيارات اليمينية المناهضة للاتحاد الأوروبي والتي تهدد تماسك القارة.
وترجح التقديرات الحالية إمكانية وصول حزب التجمع الوطني الفرنسي اليميني المتطرف إلى سدة الرئاسة في انتخابات العام المقبل، ورغم تخفيف الحزب لخطابه الداعي للانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، إلا أنه ينطلق من برنامج يستهدف تحجيم الدعم الفرنسي للتكامل الأوروبي وتجميد التعاون الأمني المشترك.
وعلى النحو ذاته، برز حزب البديل من أجل ألمانيا المناهض للاتحاد الأوروبي كلاعب رئيس على الساحة الألمانية، مسجلاً نسبة تأييد تناهز 28% على المستوى الوطني.
وسيعمل تنامي نفوذ الحزب في الولايات على كبح التزامات برلين تجاه مشاريع إعادة التسلح المشتركة.
تأسيسًا على ذلك، يستبعد المراقبون قدرة الاتحاد الأوروبي، المكون من 27 دولة، على صياغة مظلة إستراتيجية موحدة أو إدخال التعديلات المؤسسية اللازمة لتطبيقها، ليصبح السيناريو الأكثر واقعية هو تشكل كيانات أمنية أوروبية متداخلة، مع بقاء حلف الناتو المظلة الأساسية، بالتزامن مع تحرك الأوروبيين التدريجي لتسلم زمام التخطيط والقيادة وبناء القوة البشرية داخل الحلف.
ويشير المحللون الثلاثة مارينا هنكه، وإيرين مارينوفا، وتيل كونبلوش إلى خطأ مراهنة أوروبا على انقضاء عهد ترمب بانتظار قدوم إدارة أميركية أكثر مرونة، مؤكدين أن رحيله لن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
ويتوقع قطاع واسع من الأوروبيين أن تندفع أي إدارة ديمقراطية مستقبلية في واشنطن صوب منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمجابهة الصعود الصيني، وذلك على حساب الشراكة التقليدية مع أوروبا، وفي الوقت نفسه، فإن ممارسات ترمب تجاه البنية الديمقراطية وتراجع كفاءة الحكم في واشنطن يذكيان الشكوك حول مدى وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها وقت الأزمات.
وفي المحصلة، وعقب رفض إسبانيا السماح للطائرات الحربية الأميركية المشاركة في حرب إيران بعبور أجوائها، ورفض بريطانيا استغلال القوات الأميركية لقاعدة دييغو غارسيا في النزاع ذاته، وتوجيه المستشار الألماني فريدريش ميرتس انتقادات علنية للحرب أثارت حنق ترمب، يمكن القول إن أوروبا تشهد تشكل تكتلات اقتصادية وسياسية واجتماعية جديدة ستمنع ارتداد العلاقات عبر الأطلسي إلى قوالبها التي سبقت حقبة ترمب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك