<< العدوان جعلنى في حالة غضب شديدة من الفن نفسه والفنانين والوسط بأكمله<< إذا طلب منى تلخيص الحرب في لوحة ستتضمن خلفية بنفسجية مائلة إلى الحمرة يجاورها عدد من الأنسجة اللحمية<< مشروع" البطارية تموت.
أرجو الشحن" رمزا لحالة الاستنزاف الشامل في غزةفي غزة، لا تتوقف الحرب عند حدود القصف والدمار، ولا تقاس المأساة بعدد المنازل المهدمة أو الضحايا الذين سقطوا، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة الصغيرة التي كانت تمنح الناس شعورا بالطمأنينة، والأحلام التي كانت تنمو بهدوء قبل أن تبتلعها ألسنة النار والدخان، هناك، حيث تحولت المدن إلى خرائط من الركام، وأصبح النزوح أسلوب حياة، وفقدان الأحبة خبرا يوميا يتكرر بلا توقف، وجد الفنانون أنفسهم في مواجهة أسئلة وجودية قاسية: ما جدوى الفن وسط كل هذا الموت؟ وهل تستطيع لوحة أن تحمل وجع مدينة بأكملها؟ وهل يمكن للألوان أن تروي ما تعجز الكلمات عن وصفه؟لم تكن الفنانة التشكيلية الفلسطينية مريم صلاح بعيدة عن هذه الأسئلة، فمنذ اندلاع الحرب، عاشت مثل ملايين الفلسطينيين تجربة الخوف والقصف والنزوح والفقد، وشهدت بأم عينيها كيف تتهاوى البيوت والأحياء والذكريات، وتتبدل ملامح الحياة التي عرفتها لسنوات طويلة، خسرت أقارب وأصدقاء، وعاشت شهورا طويلة من القلق والحرمان والانقطاع عن أبسط مقومات الحياة، حتى وجدت نفسها في لحظة ما غاضبة من الفن ذاته، متسائلة عن قدرته على إحداث أي فرق في مواجهة هذا الكم الهائل من الألم.
وسط هذا الخراب، لم تتوقف الأسئلة عند حدود اليأس، بل تحولت تدريجيا إلى محاولة للبحث عن معنى جديد للفن ودوره، فالفن الذي كان بالنسبة لها مساحة للإبداع والتعبير الشخصي، أصبح مع مرور الوقت شهادة إنسانية على ما يعيشه الفلسطينيون، ووسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية من الضياع، وتوثيق الحكايات التي قد لا تجد طريقها إلى نشرات الأخبار أو التقارير السياسية.
في هذا الحوار، تفتح مريم صلاح أبواب ذاكرتها على مصراعيها، وتروي تفاصيل الحياة في غزة قبل الحرب وبعدها، وتتحدث عن النزوح والفقد والخوف، وعلاقتها المتقلبة بالفن خلال شهور العدوان الطويلة، وكيف تحولت اللوحة إلى مساحة للبقاء النفسي ومقاومة الانكسار، كما تكشف كيف انعكست مشاهد الدمار والجوع والحرمان على أعمالها الفنية، ولماذا اختارت أن تركز على الإنسان ومعاناته أكثر من تركيزها على المكان، مؤكدة أن وراء كل صورة من صور الدمار حكاية بشرية تستحق أن تُروى، حوار لا يتناول الفن بوصفه ممارسة جمالية فحسب، بل وثيقة إنسانية حية، وشهادة بصرية على واحدة من أكثر التجارب قسوة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، حيث يحاول الفنان أن ينقذ باللون والذاكرة ما تبقى من ملامح الحياة وسط الحرب.
كيف كانت حياتك كفنانة بصرية في مدينة غزة قبل اندلاع الحرب؟كانت حياتي طبيعية للغاية، ولم تكن هناك أي مشكلات استثنائية تعكر صفوها، فكل مقومات الحياة الأساسية كانت متوافرة، وحتى في الفترات التي شهدت بعض الحروب أو أعمال القصف، كانت تلك الأحداث تدور غالبا في مناطق بعيدة عن المنطقة التي كنت أقيم فيها، لذلك كنا نعيش قدرا من الأمان النسبي، وإن لم يكن دائما، كنت أمارس حياتي كفنانة بشكل طبيعي، أمتلك مرسما خاصا، وبيتا، ودائرة من الأصدقاء، كنا نخرج ونتجول في الشوارع، ونرتاد المطاعم والمقاهي، ونجتمع بالأصدقاء في لقاءات اجتماعية وثقافية، وكانت الحياة تسير بشكل اعتيادي ومريح.
كيف استقبلتم الأيام الأولى للحرب؟استقبلنا الأيام الأولى للحرب بقلق وتوتر شديدين، لأننا كنا ندرك أن هذه الحرب لن تمر مرورا عابرا كما حدث في مرات سابقة، ورغم أننا لم نكن منخرطين في السياسة بشكل مباشر، فإننا كنا ندرك أن ما يحدث سيترتب عليه نتائج خطيرة، لذلك سيطرت علينا مشاعر الخوف والرعب منذ اللحظات الأولى، خاصة مع القصف العنيف الذي استهدف الأبراج السكنية والمباني الكبيرة، وكانت أصوات الانفجارات تتردد في مختلف أنحاء غزة، كانت الأيام الأولى قاسية للغاية، لا سيما أن منطقتنا كانت من أوائل المناطق التي دخلتها القوات البرية، الأمر الذي ضاعف من شعورنا بالخطر وعدم الأمان.
كيف تشكل وعيك بالحروب والصراعات في غزة؟عشت معظم حياتي في مدينة غزة، أنا من مواليد عام 1995 في مصر، وانتقلت مع عائلتي إلى غزة عام 2000، ومنذ طفولتي كنت أسمع عن الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، وعن الاقتحامات والمواجهات التي كانت تحدث آنذاك، لكنني كنت صغيرة السن ولم أكن أعي تفاصيل تلك الأحداث بشكل كامل، بعد انسحاب الاحتلال من القطاع، بدأ شكل آخر من الصراع، تمثل في الحصار والحروب المتكررة والقصف الجوي المكثف، في تلك المرحلة بدأ الوعي الحقيقي بهذه الأحداث، ومع مرور السنوات، كانت الأسلحة المستخدمة تزداد تطورا وتدميرا، وأصبحت أصوات الطائرات الحربية والانفجارات جزءا من المشهد اليومي، كنا نكبر عاما بعد عام، وفي الوقت نفسه كانت أدوات الحرب تتطور وتزداد فتكا، وكأننا نشهد معا نموا متوازيا؛ نحن ننضج، والحروب من حولنا تزداد قسوة وتعقيدا.
ما أصعب المواقف التي واجهتك أنتِ وعائلتك خلال الحرب؟من الصعب اختزال المعاناة في موقف واحد، فالحرب كانت سلسلة متواصلة من الأحداث المؤلمة، كان النزوح من أصعب التجارب التي مررنا بها، إذ اضطررنا إلى ترك منزلنا وكل ما نملك خلفنا، لم يكن لدينا الوقت الكافي لاتخاذ قرارات واضحة بشأن ما يمكن حمله أو تركه، وكنا نعيش حالة من الارتباك والضياع الكامل، تركنا أدواتنا وأعمالنا وذكرياتنا وأثاث منزلنا وملابسنا وكل ما يمثل تفاصيل حياتنا اليومية، وغادرنا بأيد شبه فارغة، كل محطة كانت أشد قسوة من سابقتها، لكن الأصعب من كل ذلك كان التحمل والصبر على هذا الكم الهائل من الصدمات المتلاحقة، لم تكن الأحداث تقع منفصلة عن بعضها، بل كانت تأتي تباعا دون أن تمنحنا فرصة لالتقاط الأنفاس أو استيعاب ما حدث، كان الشعور أشبه بضربات متواصلة فوق الرأس على مدار الساعة، ضغط نفسي وعاطفي لا يتوقف، ومع ذلك كنا نحاول الصمود والاستمرار رغم كل شيء.
كيف أثرت عمليات النزوح المتكرر والحصار على حياتك اليومية؟سلبت مني هذه التجارب الكثير من الأشياء، سلبت مني الصبر، والراحة النفسية، والنوم، وحتى الإحساس بالأمان، في كثير من الأحيان، بل في معظمها، أصبحنا نشعر بحالة من البلادة العاطفية نتيجة هول ما نعيشه، تمر أمامنا أخبار وفاة أشخاص نعرفهم جيدا، من أصدقاء وأقارب وجيران، لكننا لم نعد قادرين على استيعاب حجم الفاجعة كما ينبغي، من شدة ما تراكم علينا من صدمات وآلام متلاحقة.
هل فقدتِ أشخاصا مقربين خلال الحرب؟نعم، فقدت ابن أختي الأكبر، وكان يبلغ من العمر 18 عاما فقط، كما فقدت أكثر من 15 صديقا وصديقة، إضافة إلى عدد من أفراد العائلة، كانت خسائر مؤلمة تركت أثرا عميقا في نفسي، لكنها للأسف أصبحت جزءا من الواقع اليومي الذي نعيشه، لكن تظل المأساة الأكبر في فقدان ابن أختي الأكبر، كانت وفاته من أكثر اللحظات إيلاما في حياتنا، كما تعرض المنزل الذي كنا نقيم فيه للتدمير، وأصيبت شقيقاتي وأزواجهن خلال الحرب، ما زاد من حجم المعاناة التي عشناها.
كيف انعكست هذه الخسائر على تجربتك الإنسانية والفنية؟رغم أنني أشعر أحيانا بأن قدرتي على الإحساس قد استنزفت بفعل كثرة المآسي، فإن ذلك زاد من تعاطفي مع الآخرين، أصبحت أكثر قربا من معاناة الناس، وأكثر إحساسا بآلام من هم أضعف مني أو أشد معاناة، أما على المستوى الفني، فقد تغيرت نظرتي إلى الفن بشكل كبير.
لم يعد الفن بالنسبة لي مجرد وسيلة للإبداع أو الترفيه أو إنتاج أعمال جمالية فحسب، بل أصبح مسؤولية ورسالة إنسانية، صرت أتعامل معه بوصفه أداة لنقل معاناة الناس وقصصهم إلى العالم، وجسرا يربط بين الشعوب والمجتمعات، حتى تصل حقيقة ما نعيشه إلى الآخرين.
كيف كانت تفاصيل الحياة اليومية في ظل انقطاع الكهرباء والمياه والاتصالات؟الحديث عن الحياة اليومية في ظل انقطاع الكهرباء والمياه والاتصالات يحتاج إلى صفحات طويلة، فالمعاناة كانت مركبة ومعقدة للغاية، وانقطاع الكهرباء لم يكن يعني فقدان الإنارة فقط، بل كان يعني أيضا انقطاع المياه، لأن تشغيل الآبار ومضخات المياه يعتمد أساسا على الكهرباء، ومع توقف إمدادات الوقود والبنزين منذ الأسابيع الأولى للحرب، تعطلت المولدات الكهربائية، ودخلنا في أزمة طويلة استمرت لأشهر.
كيف تعاملتم مع هذه المتغيرات من انقطاع الكهرباء والإنترنت والمياه خلال الحرب؟كنا نعتمد في شحن الهواتف المحمولة على الطاقة الشمسية لدى بعض الأشخاص الذين يمتلكون ألواحا وبطاريات خاصة، وكنا نترك هواتفنا لديهم لساعات طويلة مقابل مبالغ مالية بسيطة حتى نتمكن من شحنها والبقاء على تواصل مع العالم أو الاطمئنان على أقاربنا، أما المياه فكانت أزمة لا تقل قسوة، ففي البداية، لجأ كثيرون إلى حفر الآبار واستخراج المياه بوسائل بدائية تشبه الطرق القديمة التي تعتمد على الدلو والحبال، ومع مرور الوقت، بدأت بعض المحاولات لاستخدام المولدات لتشغيل الآبار عندما توفرت كميات محدودة من الوقود، لكن ذلك لم يكن متاحا دائما، وكانت عملية الحصول على المياه مرهقة وشاقة للغاية، خاصة للعائلات الكبيرة، فكميات المياه المتاحة لم تكن تكفي الاحتياجات الأساسية لعدة أفراد، كما أن نقلها لمسافات طويلة وسط الحر الشديد وأوضاع النزوح المتكررة كان مهمة شاقة ومؤلمة يوميا، لقد كانت معاناة مستمرة يصعب وصف تفاصيلها كاملة بالكلمات، وربما كانت الصور والمشاهد التي تناقلتها وسائل الإعلام ومواقع الإنترنت أصدق تعبيرا عن حجم ما عشناه من مشقة وإرهاق خلال تلك الفترة.
كيف استطعتِ الاستمرار في الرسم والإبداع وسط القصف والخوف؟في الحقيقة، خلال الأشهر العشرة الأولى من الحرب لم أمارس أي شكل من أشكال الفن، كنت في حالة غضب شديدة من الفن نفسه، ومن الفنانين، ومن الوسط الفني بأكمله، وكنت أتساءل بمرارة عن جدوى الفن في مواجهة كل هذا الدمار، وكنت أطرح على نفسي أسئلة مؤلمة: لماذا أصبحت فنانة من الأساس؟ وما قيمة ما أقدمه في ظل كل هذا الموت والمعاناة؟ بل كنت أفكر أحيانا أنه ربما كان من الأفضل لو اخترت طريقا آخر، كأن أكون طبيبة أو ممرضة أو أي شخص قادر على تقديم مساعدة مباشرة للناس في هذه الظروف القاسية، فكانت هذه الأسئلة تسيطر على تفكيري في بداية الحرب، ولم أجد لها إجابات واضحة، شعرت بالعجز والحيرة، ولم أكن أعرف ما الذي يمكن أن أفعله أو كيف يمكن للفن أن يكون ذا معنى وسط كل ما يحدث.
متى قررتِ العودة للفن خلال الحرب؟بعد أن هدأت الأوضاع نسبيا، بدأ نوع آخر من الصراع الداخلي، خاصة بعد استشهاد ابن أختي، الذي كنت أعتبره بمنزلة ابني، حينها وجدت نفسي أعود للتساؤل: هل أنا مضطرة للاستمرار في الرسم؟ وهل ما أقدمه له قيمة فعلية؟ لم تكن تلك مجرد تساؤلات عقلية، بل كانت مشاعر عاصفة من الحزن والبكاء والغضب والانكسار، أعتقد أن أي إنسان عاش ظروفا مشابهة كان سيمر بالمشاعر نفسها، ومع مرور الوقت، وبعد لحظات طويلة من التأمل ومصارحة النفس، أدركت أن المشروع الفني الذي أنجزته لاحقا خرج من رحم هذا الألم، ومن أثر الفقد الذي تركه رحيل ابن أختي في داخلي.
هل شعرتِ يوما أن الفن أصبح وسيلة للبقاء النفسي في مواجهة الحرب؟إلى حد ما، نعم، شعرت بأن الفن يمكن أن يكون وسيلة للعلاج النفسي أكثر من كونه وسيلة لمواجهة الحرب ذاتها، لم أشعر أن الفن قادر على إيقاف الحرب أو تغيير واقعها، لكنه كان قادرا على مساعدتي في الاستمرار والتعافي الداخلي، وعلى منح النفس مساحة للتنفيس والتوازن وسط كل هذا الخراب.
ما أول عمل فني أنجزته بعد أشهر من اندلاع الحرب؟أول عمل أنجزته بعد أشهر من الحرب لم يكن يحمل رسالة مباشرة أو رموزا محددة، بل كان أقرب إلى عملية تفريغ نفسي وعلاج ذاتي، كان محاولة للتخلص من تراكم المشاعر والضغوط التي عشتها خلال تلك الفترة، أما أول مشروع فني متكامل نفذته بعد فترة من الاستقرار النسبي ووقف إطلاق النار المؤقت، فكان بعنوان: " البطارية تموت.
أرجو الشحن".
حديثنا عن هذا المشروع الفني؟جاء هذا المشروع بعد مرحلة طويلة من النزوح والجري المستمر والبحث عن النجاة، وكانت فكرته تقوم على استخدام مؤشر البطارية بوصفه رمزا لحالة الاستنزاف الشامل التي عشناها، فكما تشير البطارية المنخفضة إلى اقتراب نفاد الطاقة، كانت حياتنا كلها تعيش حالة من النقص المستمر، حيث نقص في الموارد والإمكانات، ونقص في البشر الذين فقدناهم خلال الحرب، لذلك حمل المشروع رسالة واضحة مفادها" أرجو الشحن قبل أن ينفد كل شيء".
هل تغيرت موضوعات أعمالك الفنية بعد الحرب؟في الواقع، لم تتغير موضوعات أعمالي الفنية بعد الحرب، لأنها كانت تتناول هذه القضايا منذ البداية، فنحن نعيش في هذه الظروف منذ عقود طويلة، وأجيال متعاقبة من الفلسطينيين عاشت تجارب مشابهة بأشكال مختلفة، صحيح أن أدوات الحرب وأساليبها أصبحت أكثر تطورا وقسوة، لكن جوهر المعاناة لم يتغير، فمنذ بداية مسيرتي الفنية، كنت أتناول في أعمالي الواقع الإنساني وتداعيات الأوضاع السياسية على حياة الناس، لطالما انشغلت بتوثيق الآثار الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية التي تفرضها الصراعات والحروب على المجتمع، لذلك لم أجد سببا يدفعني لتغيير موضوعاتي الفنية بعد الحرب، لأنني كنت أتناول هذه القضايا قبلها، ما تغير فقط هو حجم المأساة وعمقها، أما اهتمامي الإنساني والفني بهذه الموضوعات فقد ظل ثابتا، لأنني أؤمن بأن الفن يجب أن يعكس واقع الناس ويمنح صوتا لمعاناتهم وقصصهم الإنسانية.
هل فرضت الحرب ألوانا جديدة على أعمالك الفنية؟نعم، إلى حد كبير، فعلى سبيل المثال، في مشروع" البطارية تموت.
أرجو الشحن" يمكن ملاحظة أن الألوان أصبحت أكثر قتامة وسوداوية مقارنة بأعمالي السابقة، قبل الحرب كنت أتناول القضايا الإنسانية وظروف الحصار التي كنا نعيشها، لكنني كنت أمتلك مساحة أوسع للتعبير النفسي واستخدام ألوان أكثر إشراقا وحيوية، أما بعد الحرب، فقد أصبحت الأعمال أكثر واقعية وقتامة، ليس فقط على مستوى الموضوعات، بل حتى في اختيار الألوان نفسها، كنت سابقا أستخدم الألوان الزاهية للتعبير عن التأثيرات النفسية والاجتماعية للحروب والسياسات المختلفة، لكن حجم المأساة التي عشناها خلال هذه الحرب انعكس بوضوح على أعمالي الفنية، فباتت أكثر قربا من الواقع وأكثر تعبيرا عن الألم والفقد والمعاناة.
ما أبرز المشاهد التي حرصتِ على توثيقها فنيا خلال العدوان؟ركزت في أعمالي على المشاهد المرتبطة بحرمان الإنسان من حقوقه الأساسية، وعلى مظاهر النقص التي طالت كل جوانب الحياة، تناولت معاناة الناس في ظل فقدان أبسط مقومات العيش الكريم، كما وثقت آثار العنف والدمار والجوع والخسارات البشرية التي عشناها خلال الحرب، جميع هذه التفاصيل كانت حاضرة بصورة أو بأخرى في لوحاتي وأعمالي الفنية، لأنها تمثل الواقع الذي عشناه يوميا، كما أن هناك عملا فنيا أنتجته قبل الحرب وما زال يُعرض حتى اليوم، وهو عمل بعنوان" النطف المهربة من سجون الاحتلال الإسرائيلي"، ويتناول الوسائل التي استخدمت لتهريب النطف من داخل السجون الإسرائيلية، وقد حظي هذا العمل باهتمام واسع خلال فترة الحرب، وشارك في عدد من المعارض الدولية التي أقيمت خلال العامين الماضيين، وظل حاضرا بشكل دائم في العديد من الفعاليات الفنية والثقافية التي تناولت القضية الفلسطينية.
هل كنتِ ترسمين من الذاكرة أم من واقع ما تعيشينه؟بعض الأعمال استند إلى الذاكرة، لكن الغالبية العظمى جاءت من مشاهد وتجارب عشتها بنفسي، لم تكن هناك مساحة كبيرة للخيال أو الابتعاد عن الواقع، لأن ما كنا نعيشه كان أقسى من أي تصور، كل لوحة أو رسم أو حتى اسكتش سريع أنجزته خلال هذه الفترة كان مستمدا من مشاهد يومية عايشتها بشكل مباشر، حاولت قدر الإمكان أن أنقل حجم المعاناة والألم الذي يرافق هذه المشاهد، وإن كنت أؤمن بأن الفنان مهما بذل من جهد قد لا يتمكن من إيصال كامل ما يشعر به أو ما يراه من مآس، لكنني سعيت إلى تقديم صورة صادقة قدر المستطاع عن الواقع الذي عشناه.
كيف تنظرين إلى دور الفن في توثيق الجرائم والانتهاكات؟أؤمن بأن للفن دورا كبيرا ومهما في توثيق الجرائم والانتهاكات الإنسانية، ومن وجهة نظري، تعد الدراما من أكثر الفنون قدرة على توثيق هذه الأحداث وإيصالها إلى الجمهور، وربما تكون أكثر تأثيرا في بعض الأحيان من الفنون التشكيلية، لكن على المستوى العام، يظل الفن بكل أشكاله وسيلة مهمة لحفظ الذاكرة الإنسانية وتوثيق الأحداث الكبرى، فالتاريخ مليء بأعمال فنية أصبحت شاهدًا على الحروب والمآسي التي مرت بها الشعوب، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك لوحة" جرنيكا" للفنان العالمي بابلو بيكاسو، التي تحولت إلى واحدة من أشهر الأعمال الفنية المناهضة للحروب، ووثقت المأساة الإنسانية التي عاشها المدنيون خلال الحرب الأهلية الإسبانية، وما زالت هذه اللوحة حتى اليوم حاضرة في الوعي العالمي باعتبارها شهادة فنية وتاريخية على تلك الحقبة، وهو ما يؤكد قدرة الفن على حفظ الذاكرة ونقل الحقيقة للأجيال المتعاقبة.
كيف أثرت رؤية أحياء مدينة غزة التى تتعرض للدمار على مشاعرك كفنانة؟إنه شعور بالغ الصعوبة، يصعب التعبير عنه بالكلمات، حين ترى أحلامك وذكرياتك وجيرانك وأهلك والأماكن التي عشت فيها تتحول إلى ركام، فإنك تشعر بغصة وقهر يفوقان الوصف، كان الغضب هو الشعور الأكثر حضورا، لكنني لم أكن أعرف إلى من أوجه هذا الغضب، هل إلى العدو؟ أم إلى العالم؟ أم إلى وسائل الإعلام؟ أم حتى إلى الفن نفسه؟ كانت المشاعر متداخلة وعنيفة إلى درجة أنني لم أعد قادرة على فهم ما يحدث داخلي، ومع تراكم الصدمات والمشاهد المؤلمة، يصل الإنسان إلى مرحلة من الإرهاق العاطفي الكامل، فيضطر إلى إغلاق أبواب مشاعره وكأنه يدفنها تحت طبقات من الإسمنت، فقط ليستطيع الاستمرار، يصبح الإنسان في حالة من التيه الدائم؛ يعيش جسديا لكنه يشعر بأنه ضائع، بلا أحلام واضحة أو تطلعات للمستقبل.
هل تعودتِ على تلك المشاهد مع كثرة الدمار خلال الحرب المستمرة على مدار أكثر من عامين؟كنت أمر يوميا بالشوارع المدمرة، وأشاهد البيوت التي تهدمت، ومنازل الجيران التي اختفت، وحتى منزلي الذي طالته الحرب، وفي البداية كانت هذه المشاهد مؤلمة للغاية، لكن مع تكرارها يومًا بعد يوم يبدأ الإحساس بالتآكل تدريجيا، وكأن المشاعر تفقد قدرتها على الاستجابة، عندما تقضي عشرين أو ثلاثين عاما من عمرك في بناء بيت أو تكوين حياة مستقرة، ثم يضيع كل ذلك في لحظة واحدة، يصبح من الصعب أن تظل تشعر بالأشياء بالطريقة ذاتها، وكأن الإنسان يتجرد من جزء كبير من مشاعره، ويستمر في السير فقط لأنه مضطر إلى ذلك، أحيانا أشعر وكأننا أصبحنا أشباحا تمشي في الشوارع، نحاول العيش بأي طريقة ممكنة رغم كل ما فقدناه.
هل رسمتِ معالم أو أماكن اختفت بفعل القصف؟حتى الآن لم أتجه إلى توثيق المعالم أو الأماكن التي دمرها القصف في أعمالي الفنية، رغم أن بعض الفنانين الآخرين حاولوا القيام بذلك من أجل حفظ ذاكرة الأماكن التاريخية وتوثيق ما تعرضت له من دمار، في الحقيقة، لم يكن هذا الجانب ضمن أولوياتي الفنية حتى الآن، رغم أنه قد يكون من الأفكار التي يمكن تناولها مستقبلا، كما أن عدد المعالم التاريخية المتبقية في غزة محدود، ومن بينها المسجد العمري الكبير وغيره من المواقع التراثية المعروفة، لكن اهتمامي الأساسي لا ينصب على المكان بقدر ما ينصب على الإنسان نفسه، ما يشغلني أكثر هو مصير البشر وتجاربهم ومعاناتهم، لأنني أرى أن الإنسان هو جوهر الحكاية وأساسها.
كيف انعكس صمود سكان المدينة على أعمالك الفنية؟في الحقيقة، لا أرى أن أعمالي الفنية ركزت على فكرة الصمود بقدر ما ركزت على توثيق المعاناة الإنسانية، فأنا لا أحاول تقديم صورة مثالية عن الصمود بقدر ما أحاول نقل حقيقة ما يعيشه الناس، لقد واجه المدنيون في غزة مستويات غير مسبوقة من العنف والدمار والأسلحة، ولم يكن ذلك أمرا سهلا على الإطلاق، لذلك أعتقد أن التركيز المستمر على مفهوم الصمود وحده قد يحجب جانبا مهما من الحقيقة، وهو حجم التعب والإنهاك الذي أصاب الناس، فنحن بشر قبل كل شيء، ومن الطبيعي أن نتعب ونخاف ونشعر بالانكسار أحيانا، لكن كثيرا من الروايات التي تُنقل عن غزة تركز فقط على الصمود، بينما لا تعطي المساحة الكافية للحديث عن حجم المعاناة الإنسانية التي يعيشها الناس يوميا، وأتساءل أحيانا: لماذا يُطلب من الفلسطينيين دائما أن يكونوا رمزا للصمود فقط بينما يقف العالم في موقع المتفرج؟ لماذا يتمسك الجميع بهذه الصورة وحدها وكأنها تعفي الآخرين من مسؤولياتهم الإنسانية؟لذلك ركزتِ في لوحاتك على المعاناة ذاتها؟في أعمالي الفنية لم أحاول تمجيد الصمود بقدر ما حاولت إطلاق نداء استغاثة، ففي مشروع" البطارية تموت.
أرجو الشحن" كانت رسالتي واضحة: نحن نستنزف ونقترب من حدود قدرتنا على الاحتمال، ونحتاج إلى من ينقذنا قبل فوات الأوان، كانت الرسالة تقول ببساطة: نحن نقترب من النهاية، فإما أن يتحرك العالم لإنقاذ ما تبقى، أو أن يواصل مشاهدة هذا الاستنزاف حتى النهاية.
ما المشهد الذي ترين أنه يلخص معاناة مدينة غزة وأهلها؟من وجهة نظري، لا يوجد مشهد واحد في العالم يمكنه أن يلخص حجم المعاناة التي عشناها أو يختصرها، ما مررنا به يتجاوز قدرة أي صورة أو مشهد أو حتى عمل فني على الإحاطة به بشكل كامل، لقد شاهدت بعض المقتطفات من أحد الأعمال الدرامية التي تناولت القضية الفلسطينية، وكان عملا فنيا جميلا ومؤثرا من الناحية الفنية والإنسانية، ولا يمكن إنكار الجهد المبذول فيه، لكن، رغم ذلك، شعرت أنه لا يستطيع أن ينقل الحقيقة كاملة كما عشناها على أرض الواقع، أنا لا أنتقد هذه الأعمال، بل أقدر محاولاتها الصادقة لتوثيق المأساة ونقلها إلى الآخرين، لكنني أؤمن أن الفن، مهما بلغت قوته وتأثيره، يظل عاجزا عن نقل كل ما يشعر به الإنسان عندما يعيش التجربة بنفسه، وقد ينجح العمل الفني في الاقتراب من الحقيقة أو ملامسة جزء منها، لكنه لا يستطيع أن يحمل كامل المشاعر والأوجاع والتفاصيل التي عاشها الناس خلال الحرب، ورغم أن بعض المشاهد التي شاهدتها أثرت في وأبكتني، فإنني لم أتمكن من متابعة العمل كاملا، لأنني شعرت أنني لست بحاجة إلى مشاهدة قصة عشت تفاصيلها بالفعل، فما هو أشد قسوة من مشاهدة فيلم عن الحرب؟ أن تكون أنت أحد أبطال تلك الحرب، وأن تكون قد عشت بنفسك كل ما يحاول الفيلم أن يرويه، بل وربما أكثر مما يستطيع أن يقدمه.
ماذا تمثل غزة بالنسبة لكِ بعد كل ما مررتِ به؟في الحقيقة، أشعر بمشاعر متداخلة ومعقدة تجاه غزة بعد كل ما حدث، فإذا تحدثت عن الناس، فسأقول إنهم مثل أي مجتمع آخر، فيهم الطيب وفيهم من يخطئ، وفيهم نماذج مختلفة ومتنوعة من البشر، أما إذا تحدثت عن الأرض نفسها، فهي باقية ودائمة، لكنها ظلت طوال الوقت محاطة بصراع لم يتوقف، وهو ما جعل العلاقة معها أكثر تعقيدا مما تبدو عليه، لذلك أجد صعوبة كبيرة في الإجابة عن هذا السؤال بشكل حاسم، وربما يعود ذلك إلى أنني ما زلت أخوض صراعا داخليا مع نفسي لفهم هذه العلاقة وإعادة تعريفها بعد كل ما مررت به من تجارب وخسارات وتحولات قاسية، وحتى الآن، لا أملك إجابة نهائية، وما زلت أحاول أن أجدها لنفسي قبل أن أقدمها للآخرين.
هل واجهتِ صعوبة في التعبير عن حجم الألم الذي شهدته؟نعم، واجهت صعوبة بالغة في التعبير عن حجم الألم الذي عايشته وشهدته خلال الحرب، إلى درجة أنني فقدت إيماني أحيانا بقدرة الفن على أداء رسالته الإنسانية وإيصال الحقيقة إلى الشعوب الأخرى، كان حجم المأساة أكبر من الكلمات والألوان، وشعرت في كثير من اللحظات أن ما نعيشه يفوق قدرة أي عمل فني على تجسيده بالكامل.
ما العمل الفني الأقرب إلى قلبك من بين الأعمال التي أنجزتها خلال الحرب؟يعد مشروعا" من رحم الأثداء" و" نطف مهربة" الأقرب إلى قلبي من بين الأعمال التي أنجزتها خلال الحرب، لما يحملانه من دلالات إنسانية عميقة تتعلق بالحياة والصمود والأمل في مواجهة القهر والمعاناة.
عندما تنظرين إلى لوحاتكِ بعد انتهاء الحرب.
ماذا ترين فيها؟عندما أنظر إلى لوحاتي أرى فيها تاريخا كاملا مُسجلا بصريا، ومعاناة تُرجمت إلى صور وألوان، كما أرى مشاعر صادقة خرجت من قلب التجربة نفسها، هذه الأعمال بالنسبة لي ليست مجرد لوحات، بل وثائق بصرية تحفظ تفاصيل الألم والنجاة والإنسانية في زمن الحرب.
ما المشروع الفني الذي تتمنين تنفيذه عندما تستقر الأوضاع؟أتمنى أن أتمكن من تنفيذ مشاريع ترتبط بالفن الأدائي ورسم الجسد، وأن أقدم عروضا حية ومباشرة أمام الجمهور، إلى جانب إنجاز أعمال تركيبية كبيرة تُعرض في صالات فنية وجاليرهات معروفة وقادرة على إيصال الرسالة إلى جمهور أوسع حول العالم.
إذا طُلب منك تلخيص تجربة الحرب في لوحة واحدة.
ماذا ستتضمن؟إذا كان علي تلخيص تجربة الحرب في لوحة واحدة، فلن تتضمن سوى خلفية بنفسجية مائلة إلى الحمرة، تتوسطها أو يجاورها عدد من الأنسجة اللحمية في الزاوية اليسرى السفلية من اللوحة، مشهد بصري مكثف يختزل الألم والفقد والجرح الإنساني الذي خلفته الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك