تعدّ الفضاءات الشعبية فضاء تخييليا ثريّا، يتيح للروائي تصوير الواقع والولوج إلى أعماقه المسكوت عنها، فمنها تستمد الرواية المعاصرة المتحررة كرنفاليتها، مقابل الرواية التي تميل إلى الخطاب الرسمي، خطاب السلطة والعائلة والثقافة المتسترة.
فالغوص في هذه الفضاءات اليومية مثل الحانات والمقاهي، يتيح للروائي أن يسمع أنين الشعب وضحكاته، في الوقت نفسه، عكس الفضاءات الرسمية التي تنتج خطابات مألوفة ورتيبة.
من هذه الفضاءات تنطلق الروائية العراقية منى الصراف، في روايتها التي جعلتها رواية يرفرف عليها الفضاء المكاني، فهذا العنوان يسيطر عليه فضاء كبير، يظل دوما فضاء يميل القارئ العربي إلى اكتشافه.
إنه فضاء بغداد التي ظلت دوما مسرحا للحكي الخيالي والواقعي، العجائبي والتاريخي، فقد مارست عتبة العنوان دورا إغرائيّا، باثة لهفة في القارئ، هي اللهفة نفسها على كل عمل بغدادي، أو يحمل بغداد بين ضلوعه…كنت أقرأ وربما لا أتابع تفاصيل الحكاية بدقة، بل أتشمّم رائحة بغداد، أبحث عن بغداد التي عاشها بعض الأصدقاء وحدثونا عنها، ولكني لم أجد بغداد المرجعية.
لا أسماء أماكن ولا أسماء شوارع وأنهج ومحلات اعتادت أن تحدث رنينا في الذاكرة، فالكاتبة لم تغرم بتعميق الوهم المرجعي بكثرة الإحالات على بغداد الأرض، ولكنها رسمت بغداد التي ترتسم في الذهن، بغداد البسطاء، الذين يبحثون عن ساعات متعة أو يسارعون للوصول إلى جهاتهم البعيدة، بغداد الحياة والليالي والأيام الجميلة.
ويمكن القول إنّ منى الصراف نجحت في إغراء القارئ بعنوان عملها الروائي.
«بتوقيت بغداد…»، وتلك واحدة من أهم وظائف عتبة العنوان في النص الأدبي.
فهي تعتبر دوما عتبة إغراء للقارئ.
ألقت الروائية بقرائها وسط بغداد، من دون إشارات، أو علامات دقيقة.
فهي بغداد وكفى، ملاحقة شخصياتها في فضاءات شعبية عامة، انخراطا في اليومي بتفاصيله المختلفة، مستدعية نماذج بشرية مختلفة، أهل البلد والغرباء، المتفتحين والإرهابيين، المثقفين والجهلة، المحترمات والمومسات، متيحة لها أن تتحاور وتبوح بما يخالجها وتدخل الرواية بملابسها ومشاعرها وهواجسها ولهجتها المحلية، وهكذا تلاحق الروائية في نهاية الأمر أنين الشعب وهذيانه وأحلامه، فإذا نحن أحيانا في فضاءات الكرنفال المتحرّر وأحيانا أخرى في فضاءات الواقع الضيق، واقع المعاناة.
تلتقي الشخصيات الرئيسية في فضاءات شعبية جماعية مختلفة مثل، بيت العزاب والحمام والمقهى والحانة أو العرس، باحثة عن الحياة واللذة والمتعة، متداولة أحاديث خمر وحب وجنس وشعر وحكايات مختلفة، متجادلة في الحياة والتاريخ والموت وغير ذلك من المواضيع، وهو ما يرسم صورة بغداد الحياة الناصعة، فإذا نحن أمام جلسات المثقفين في الحانة وهم يخوضون في شأن الشعر ويتحدثون عن أبي نواس وغيره ويتبارون في قول الشعر: «ضحك الجميع من مداخلته معهم ثم تصاعدت الحناجر بقصائد مختلفة وكلها كانت تصب في حب الخمر ما زاد من تشجيع وعزم أحمد في شرب الأقداح أسوة بالآخرين».
وإذا نحن أمام مغامرات حب أو متعة جسدية تخوضها بعض الشخصيات.
لكن الكاتبة تقطع هذه المناخات في النصف الثاني من الرواية وتفاجئنا باختيار فضاء شعبي آخر يلتقي فيه الناس ويتدافعون، ولكنه يتسم هذه المرة ببعد محزن، فهذه الحافلة البطيئة التي لم تصل إلى مكان الحلم تصبح فضاء مهددا بالإرهاب والتفجيرات.
ولعل الكاتبة هنا ترسم تلك الصورة لتلك المرحلة البغدادية المرة.
«هز المكان صوت الانفجار وارتفعت سحابة من نار ودخان وعصف مع قطع متشظية، خلعت من الحافلة تطاير زجاجها في الفضاء ليعود كما الرمل إلى أصله.
تناثرت أشلاء الجثث على الأرض وأخرى طارت بجناحين مشتعلين لتحط فوق أسلاك الكهرباء القريبة وسطوح الدور المجاورة».
بهذا نجد أنفسنا أمام ثقافتين تتجاذبان الرواية، تعبيرا عن لحظة عراقية خاصة: ثقافة الحياة والأحلام وثقافة الموت التي يدعو لها البعض ويمارسها بدعاوى دينية، وهو ما يظهر في مواقف الشخصيات وجدلهم، والكاتبة تنتصر في هذا لثقافة الحياة والسلم ضد ثقافة الموت والاغتيال وهو ما نفهمه من خلال جوانب مختلفة أهمها ذلك التصدير الوارد على لسان إحدى شخصيات الرواية: «أنا أدافع عن الحياة قبل الدخول في متاهات القيامة ونفيها».
بهذا الهاجس الكبير، هاجس الدفاع عن الحياة وبغداد الحياة، تكتب منى الصراف روايتها، مستنفرة ضد تاريخ القتل والدم والخلافات، حالمة، مرددة في فاتحة عملها «هلم نصنع وطنا آخر بقليل من الطين وكثير من الحب»، جامعة منذ بداية السرد بين شخصيتين غريبتين بينهما اختلاف فكري عميق، متيحة للقارئ جولة واسعة في فضاءات بغداد وهوامشها، مضيفة عملها إلى سلسلة من الروايات التي تكتب جراح بغداد وتعيش محنها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك