من يستطيع رسم “الخط الأخضر”؟ هذا السؤال طرح على الطلاب في محاضرة حول الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، التي ألقيت قبل بضع سنوات في كلية “سبير”.
ظهرت عيونهم الشاردة وكأنها تشهد على حيرة، ليس فقط من طلب رسم “الخط”، بل المفهوم نفسه ظهر كلغز محير.
طالبة واحدة فقط عرفت كيفية شرح ماهية الخط الأخضر.
وسُئلت: كيف تعرفين هذه المعلومة؟ أجابت: أعيش في “يهودا والسامرة”، وهناك نعرف من نحارب.
الخط الأخضر هو العدو.
لا يمكن لمن يقرأ مقال متان غولان الصادم (“هآرتس”، 30-6) الذي يفصل بدقة مثيرة للقلق الطريقة التي تمزق فيها الحكومة الإسرائيلية الحدود المعترف بها لدولة إسرائيل، وتغرق الضفة الغربية بمئات “النقاط” المصممة لطمس هوية الفلسطينيين وانتمائهم الوطني، إلا ويصاب بالصدمة من الخطر المحدق بمستقبل الهوية الإسرائيلية.
ولا يقتصر الأمر على الضفة الغربية وحدها، حيث يدرب المواطنون الإسرائيليون على العيش في وضع متقلب، مؤقت – دائم، لا يسمح لهم بترسيخ أفقهم السياسي.
وعندما لا تكون لإسرائيل حدود في قطاع غزة، وعندما تتمدد إلى سوريا ولبنان، يجبر مواطنوها على الانغماس يومياً في وهم الأمن؛ فالحدود الجديدة ضرورية لحمايتهم.
في الواقع، يعيشون في واقع التعود على عدم الاستقرار الدائم، وهذا يتطور إلى أيديولوجيا تقرر أنه يمكن، بل ومناسب ومجد، العيش دون حدود واضحة.
في ظل هذا التحول الخطير، من دولة قومية تسعى إلى تشكيل هويتها وقيمها داخل حدود معترف بها إلى دولة حدودها غير ثابتة، تتشكل “دولة إسبرطة”، التي تنمي مجتمعاً محصناً ويقظاً وحذراً ومسلحاً، لكن دون أفق.
ليس مجتمعاً يسأل إلى أين يريد الذهاب، بل إلى تجاوز الأسبوع القادم.
وسيتم استمداد قيمه من ذلك.
في الماضي القريب، حتى الذين عارضوا التنازلات الإقليمية ولم يؤمنوا باتفاق مع الفلسطينيين أو مع سوريا أو مع لبنان، كانوا ما زالوا يعملون في عالم مفاهيم يتمحور حول السؤال الأهم: ما هو الترتيب المأمول؟ الآن، يتبلور إطار مختلف لم يعد يسعى إلى ترتيب دائم، بل يتكيف مع وضع لا يوجد فيه ترتيب، ولا يتبقى إلا إدارة نتائجه.
من الدلائل على ذلك، السؤال عن الفائدة العسكرية من البقاء في لبنان أو السيطرة على بضعة آلاف دونمات في سوريا أو تعميق الاحتلال في قطاع غزة بنسبة مئوية إضافية.
لدى الجيش الإسرائيلي إجابات جاهزة على هذا السؤال: بنية تحتية أخرى مدمرة، نفق آخر منفجر، إرهابي آخر تم قتله، وفوق كل ذلك شعار “7 أكتوبر لن يتكرر أبداً”، الذي يسكت أي شك.
ولكن السؤال الرئيسي ليس إذا كان لهذا الاحتلال فوائد عسكرية، بل ماذا سيحدث لمجتمع تعود على قياس مستقبله بمدى فعالية وسائل السيطرة؛ مجتمع لم يعد يسأل إلى أي مدى تسعى الدولة للتوسع، بل إلى أي مدى هي قادرة على الوصول؛ مجتمع لم تعد فيه الحدود، حسب رأيه، هدفاً سياسياً.
كان هذا هو المنحدر الحاد الذي تدهورت إليه إسرائيل وتحولت إلى دولة استيطان، دولة نسي الكثير من مواطنيها الذين يعيشون داخل حدودها المعترف بها ما هو الخط الأخضر.
هذا هو المسار الذي انطلق منه الانقلاب، وعلى أطرافه بقايا الديمقراطية الإسرائيلية المحتضرة.
والآن، يشعر المواطنون الجيدون بالرعب من مشاهد العصابات الإجرامية التي ترتكب بصلاحية وسلطات مذابح ضد السكان الفلسطينيين، ولكن حتى الذين يقدمون أنفسهم كقادة للمستقبل وكبديل لمقاولي الهدم الذين يحكمون البلاد، فقدوا اهتمامهم بهذا الترتيب.
فهم يتجنبون ذكر مصطلح “دولتين”، ولا يرون أي أمل لغزة أو لبنان أو سوريا.
ومثلما وصف الفيلسوف الماركسي أنطونيو غرامشي الوضع بقوله: “لقد مات القديم، أما الجديد فلان يولد”.
وحذر من أن أعراض كارثة تتطور بينهما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك