العربي الجديد - الولايات المتحدة تتوقع قمة "ناجحة للغاية" لحلف ناتو روسيا اليوم - عضوان في الكونغرس الأمريكي يحذران "قوات الدعم السريع" في السودان من مغبة الهجوم على الأبيض روسيا اليوم - روته يعترف بـ"خيبة أمل أمريكية" من موقف أوروبا تجاه إيران العربي الجديد - لبنان | تأكيد لبناني على انسحاب إسرائيل ونتنياهو يرفضه روسيا اليوم - مكمل غذائي طبيعي يساعد في محاربة ضعف الإدراك العربي الجديد - ناصيف زيتون ومحمد الدايخ... "هدية" في حي شعبي روسيا اليوم - مصدر لـ"رويترز": دول الناتو عاجزة عن تعويض القاذفات الاستراتيجية الأمريكية قناة التليفزيون العربي - بعد اكتمال تشكيله.. كيف سيؤثر مجلس الشعب الجديد في المشهد السوري؟ العربي الجديد - اقتصاد الإمارات يدفع فاتورة الحرب قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة | مباحثات الدوحة وهندسة التفاوض بين أمريكا وإيران
عامة

«الزمان طويل»… أغنية الحزن والزهو في صحراء الجزائر

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

تعتبر الفرقة الموسيقية أوركسترا الساورة من أكبر الفرق في الجنوب الغربي الجزائري، تقدّم وصلات نغمية وطنية وعربية، مُحْيِيَةً التراث الغنائي الوطني، يقودها المايسترو عمار عمرون، ومن بين ما قامت به مؤخّر...

تعتبر الفرقة الموسيقية أوركسترا الساورة من أكبر الفرق في الجنوب الغربي الجزائري، تقدّم وصلات نغمية وطنية وعربية، مُحْيِيَةً التراث الغنائي الوطني، يقودها المايسترو عمار عمرون، ومن بين ما قامت به مؤخّرا هو اشتغالها على كلمات أغنية شعبية: «الزْمَانْ طْوِيلْ» – يعرف الشعر الشعبي في مصر بالعامي، وفي الجزيرة العربية بالنّبطي – تنسب إلى الفنان محمد كيريتي أحد الأصوات الفنّية التي رافقت عازف العود العالمي «علاّ» وخصوصا في جانب الإيقاع، حيث كان هذا الأخير في بداياته الأولى ينطلق عفويا في ارتجالات عزفية، وفي غفلة منه تنطلق مجموعة من أصدقائه بمرافقته نقرا على علبة كبريت أو عبوة زجاجية أو أي أداة تصدر إيقاعا.

انتشرت الأغنية على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وسمعتها عديد المرات، إلى أن وجدت ذات صبحية بعلبة الرسائل رابطا للأغنية بعثه لي الشاعر عبد القادر رابحي، استمعت إلى الأغنية، وعلّقت بإجابة موجزة على رسالته، ثم اتصل بي هاتفيا، وذكّرني بفيديو الأغنية متأثّرا بالكلمات التي وصفها بأنّها تبعث حزنا وكآبة قاسيين على غرار ما وصفه بودلير بمصطلحه الشهير spleen خاصة في مجموعته الشّعرية «أزهار الشر».

أدرت الفيديو وأنصتّ إلى الكلمات بعناية فائقة، فوجدتني على خلاف المرّات السابقة، أنفتح على كون من العلامات الدالة على شعرية نابعة من عمق الصحراء المنفتحة على الاتساع والروح، وعلاقات اجتماعية ناتجة من خصوصية المكان.

تنقسم الفرقة الموسيقية المصاحبة للمطرب إلى قسمين: المجموعة الموسيقية «التخت»، وتضم العازفين الجالسين على الكراسي، وفي الأمام منها تجلس على الأرض مجموعة الأداء وعلى رأسها المطرب، بما يحيل إلى هيئة الأداء التراثي أو السّماع، وتُنعت الجلسة محلّيا بـ»الْڨَعْدَة».

بعد الافتتاحية الموسيقية ومع كل وصلة غنائية، تنخرط «الڨعدة» في نوبة تصفيق خفيف، غير متسارع ثلاثي الإيقاع، يسمى في المنطقة بـ»التَثْلاَتْ» وهو ما يضفي على مجلس الغناء نوعا من التسامي؛ لأنّ اليد أداة التشكيل، والتصفيق يترجم حالة الرّفرفة الروحية تحليقا في فضاء غير مرئي.

تبدأ قصيدة «الزْمَانْ طْوِيلْ» باللازمة: «يِجُو لِيلاَتْ مْلاَحْ اِلَى حْيِينَا/رَاهْ الزْمَانْ طْوِيلْ أَسِيدِي/نْدِيرُو زَهْوَاتْ كَنْطَبُو الْقَلْبْ الْعَلِيلْ» (ستأتي ليالٍ ملاح إذا كنّا أحياء/فالزمان طويل ياسيّدي/نقيم جلسات زهو تداوي القلب العليل».

تجمع هذه الافتتاحية معاني الإنسان، الحياة والزمن، وفي تواصل النّاس هناك إخبار بأنّ الآتي أفضل، بما يجعل الحاضر ليس على ما يرام، وأيضا بما يوحي بفكرة «الحزن» التي أشار إليها الشاعر عبد القادر رابحي، وهي المحور الذي تقوم عليه القصيدة بغية تجاوزه، فبشارات الأمل/الفرح كلها تقع في الماضي ويقع عليها أمل الشاعر في الاستعادة مستقبلا.

إنّ «جلسات الزّهو» المؤمَّلة وفقا للسياق قد تحتمل جلسات الرّوح تلك التي ينشدها الصوفية، والتي تقام ليلا في خلواتِ توجّهٍ نحو السماء، حيث الحدوث الروحي المتوافق والمعنى في «الحال الصوفي».

كما أنّها قد تعني، جلسات الطرب والسماع إلى صوت الإنسان حينما يغدو صدّاحا في ممشى الوحدة والاتساع في فضاء الصّحراء.

بعد الأمل في زهو الأيّام المقبلة، ينخرط الشاعر في رسم حالة الوجد التي تعتصر القلب المخطوف، والخطف مفردة روحية: «قَلْبِي بْالَهْوَى مَخْطُوفْ/وُغَابْ نُومِي وَبْقِيتْ نْشُوفْ»، فالقلب العليل ينكشف في هذا البيت مخطوفا بالهوى الذي منع الشاعر النوم فأصبح ساهدا؛ وهنا تطرح أسئلة التمازج المفهوماتي في الوجد الصّوفي بين الهوى السائر بين الناس والهوى العالق في الحب الإلهي، لأنّ التعليل بالقلب المخطوف إحالة إلى مستوى ظاهر يخفي حالة لا تتحقق إلا في مستوى ذاتي لا نراه ولا نشعره إلا بمقدار ما يبوح به صاحبه، وهو ما ينكشف في حالات الأداء الصوتي الذي يندمج فيها المطرب معبرا عمّا كانَهُ، شاعرا باللوعة مؤمِّلا في مستقبل يعمّه «الزّهو»، وهو ما يتحقّق في غياب النّوم والبقاء مستفيقا يرى، وهو ما يفيد حالة السُّكْر الصوفي التي تنتقل بالعابد من الرؤية في الشهود إلى الرؤية في الغياب: «غَابْ نُومِي وَبْقِيتْ نْشُوفْ»، ومن معاني الشوف في الفصحى: «أشرف ونظر من مكانٍ عالٍ»، وفي الدّارجة أو اللهجة: أرى وأنظر.

«الزيارة» والبحث عن «الزهو» الروحي:في هذا المناخ من محاولات عيش اللحظة الأسيانة و»الحزينة»، تتحرّر حالة أخرى من محاولات استرجاع الأمل متمثلة في «الرحيل» أو ما يمكن تسميته في مقاربات روحية بـ»الهجرة» المرتبطة في الوعي والوجدان الدينين بانتقال في المكان لدواعي استجلاب الأمن والطمأنينة المؤدّيين إلى الله، كما حدث في هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم.

«زُرْنَا مُولَى بَشَّارْ»، أي صاحب المكان، «بشار مدينة الشاعر، ولكل مكان في الوعي الشّعبي الديني صاحبه من رجالات الأولياء، والقصد هنا ليس المكان بعينه ولكن من يعمّره ويكون جالبا لمعنى الفرح المفقود في حينه ومكانه، ولهذا تنطلق هذه الزيارات للأمكنة المتعدّدة بقدر من الله عزّ وجلّ المتحكم في المصائر والآجال.

يزور الشاعر إلى مدينة في عمق الجنوب تشتهر بزاويتها الرڨانية (التّكيّة): «زُرْنَا مُولَى رَڨَّانْ/يَاكْ بُرْهَانوُ ظَاهَرْ بَانْ/فْتَحْ لِينَا بِيبَانْ/تَحْتْ مُولاَنَا دَلْجَلِيلْ».

تتكرّر فكرة صاحب المكان باعتبار ما سيحقّقه أهل المكان من فرح مؤمَّل، والاعتقاد في رجالات الله الصالحين يكمن في تحقيق «الخارق» الذي تشير إليه القصيدة بـ»البرهان» أي الدليل، وهو ما يؤكد جنوحهم نحو السماوي حيث «المطلق» وزهدهم في الأرضي، لكن كل ذلك يحدث وفق الإرادة الإلهية، وهو ما يعود بوعي القراءة في القصيدة إلى مفهومي «الإنسان والزمان»، فالقصد من الحركة في المكان معايشة ما يتمنّاه الشاعر من مجلبة للفرح ومسح للحزن، والفاعل فيه هو «الإنسان»، وهو ما يجعل مفهوم صاحب المكان أو رجال المكان يتسع المعنى فيه ليشمل النّاس الذين يضفون على المكان حلّة الحياة، أمّا الزّمان فهو في المصطلح الصوفي «وقت»، و»الوقت ما أنت فيه.

وإن كنت بالسرور فوقتك السرور، وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن» كما يقول أبو علي الدقاق، والشاهد أنّ الزّمن المؤمَّل شعريا هو حال من السموّ بين الفرح والحزن، فرح الروح وهي تخلو بالمحبوب وحزن على ما سيكون من فراق هذا التجلي حال الموت.

ستستمر رحلة الشاعر عبر فضاء الجنوب المكثف بالرّوح وأولياء الله الصالحين: «زُرْنَا رْجَالْ تْوَاتْ/تْقُولْ تَمَّ نَڨْعُدْ سَنَاتْ»؛ وفي بلاد تْوَاتْ، حيث زاوية الشيخ الجليل سيدي محمد بلكبير، ستعبّر القصيدة عن هذا الشّغف بالمكان من خلال رجالاته بالتمنّي بالمكوث لسنين.

الزهو الاجتماعي وصحراء تحتفل:يعود الشاعر إلى استجلاب الفرح في مظهره العام، وهو ما يكثّف من دلالة «الزّهو» في المستوى الإنساني العام المتواشج مع الطبيعة البشرية، إذ الحزن كحالة نفسية يتطلب مزاجا من المستوى النّفسي ذاته لإقامة نوع من التوازن فيه: «زُرْنَا في تِيمِيمُونْ/الْفَرْحَة وَالْمْلاَيَكْ وَجْنُونْ/سْبُوعْ قْبَلْ الَفْنُونْ/زَاهِيَة بَالنْهَارْ وُبَاللِيلْ».

يبتعد الشاعر عمّا يحيل على الانتقال الصوفي في الروح والمكان بعدم نسبة المكان إلى رجاله، ولكنّه يُبقي على مفردة «زيارة»، والمعنى فيه شيء من النفَس الديني، فنقول زيارة البيت الحرام، أو زيارة الولي الصالح أو زيارة المراقد، ولا شك في أنّ الشاعر لم يستطع أن ينفلت من الوهج الرّوحي العميق الذي يجعل من «الحزن» حالة من التدافع بين ما هو دنيوي، وما هو باعث على الأخروي حتى في أشدّ الحالات ممارسة لـ»الزّهو» الدنيوي.

زيارة تيميمون في أسبوعها المتعلّق بالمولد النبوي، حالة من الفرح لها أصولها التّاريخية المتعلّقة بانطلاق أفواج الحجيج قديما من إحدى ساحاتها، فارتبطت زيارة الأماكن المقدّسة بمولد الرسول، وأسبوع تيميمون مهرجان للفرح والتذكار، فرح باللحظة المدمجة كليا في ما هو ابتهاج انساني واحتفالي، وتذكير في الوقت ذاته بجلال إحياء لحظة المولد النّبوي التي ربطت بين الترابي والسماوي، وهو ما يجمع بين الإنسان الآمل في إجلاء الحزن بمستويه: النّفسي المتعلّق بما هو دنيوي والرّوحي المتعلّق بما هو أخروي، والحزن النّفسي يعكس هشاشة الإنسان بوصفه كائنا تحت سماوي قابل لكل الاهتزازات والانكسارات والكبوات.

العطاء من الأرض إلى الخصب:يستمر الشّاعر في زياراته إذ يختمها بـ»بني عبّاس»، مدينة جنوبية صحراوية، لكن يقفل هذه الزيارات بتوصيف الفضاء الذي يجمع هذه الأمكنة وهو الصّحراء، واصفا إياها بـ»أرض الله/ورب العباد ما ننساه»، والتي يقول عنها علي شريعتي في كتابه «الصحراء»: «هذه الفسحة المكتنفة بالألغاز، التي تتقابل فيها الدنيا والآخرة، أرضها الجحيم وسماؤها الجنّة»، ولا ينفك الشاعر من التقلّب بين حزنين أو فرحين، نفسي/اجتماعي وروحي.

وفي غمرة الفرح يذكر الشاعر أنّه حضر عرسا: «دَرْنَا فَرْحَةْ عَرْسَانْ»، أي شاركنا كموسيقيين في حفلة عرس، ليبرّر الدخول في طقس جمالي لا يمكن للقصيدة العربية أن تهمله، وهو البعد الغزليّ: «بَنْتْ الْهَمَّة وَالْجُودْ/وَالزِّينْ وَالْمْلاَحَة دَارْ حْدُودْ/الَعْيُونْ كُحْلْ بَارُودْ.

»، ثم يغلق القصيدة باللازمة: يجو ليلات ملاح إلى حيينا/راه الزمان طويل.

».

تنتهي القصيدة بمقطع غزليّ في إطار الانتقال في المكان، فبعد التعلّق بالجمال الجغرافي للأرض ينتقل إلى جمال يتأمل تضاريس الجسد الأنثوي، والربط بين جمالين من طبيعتين مختلفتين، يؤسّس للتواصل بين عطائين، عطاء الأرض الذي لا يمكن أن ينضب وهو مصدر العمران، وعطاء الإنسان المتمثل في عنصره الأكثر جمالا وخصبا وهو الأنثى، وبالتالي، يمكن تكثيف حالتي الحزن النفسي الاجتماعي والروحي في عنصري «الخراب والعقم» ليس بمعنييهما المباشرين، ولكن في إحالاتهما على الرمز في التحوّل اللامكتمل أو التشوّه في بنية الإنسان، وانفصاله عن أوقاته التي عاش فيها فرحه الوجودي البدئي الآيل إلى نهايات حزينة بفعل ما يشمل الحياة الوجودية من تحوّل وانكسار.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك