يوم طويل للسلطة في الجزائر، بمناسبة إجراء سابع انتخابات نيابية تعددية في تاريخ البلاد اليوم، والثانية بعد الحراك الشعبي عام 2019، وأطول منه للأحزاب السياسية واللوائح المستقلة التي تتنافس على 407 مقاعد في البرلمان، والتي أنهت الأحد الماضي حملتها في الانتخابات النيابية في الجزائر.
ما يفاقم الترقب أن الإعلان عن النتائج الأولية لن يكون قبل السادس من يوليو/تموز 2026.
وتشير التوقعات المحتملة لنتائج الانتخابات النيابية في الجزائر إلى أن الخريطة السياسية لن تتغير كثيراً، مقارنة مع انتخابات يونيو/حزيران 2021، عدا تغير طفيف في ترتيب القوى السياسية داخل كتلة الموالاة، مع تسجيل عودة قوى الكتلة الديمقراطية للمنافسة على البرلمان، بعد مقاطعتها الانتخابات السابقة.
وتتنافس الأحزاب واللوائح المستقلة في الانتخابات النيابية في الجزائر على 407 مقاعد في البرلمان، موزعة على 69 ولاية في الداخل، وثماني دوائر انتخابية خاصة بالجالية الجزائرية في الخارج.
وبرغم أنه تمت إضافة 11 ولاية جديدة إلى التقسيم الإداري للبلاد مقارنة بانتخابات 2021، إلا أن عدد المقاعد في البرلمان ظل هو نفسه، بعد رفع معدل تمثيل السكان إلى مقعد واحد لكل 150 ألف نسمة.
ومن بين 407 مقاعد، يوجد 12 مقعداً خاصاً بالجالية في الخارج، ستة منها خاصة بفرنسا وحدها.
لا شيء محسوماً في الانتخابات النيابية في الجزائرحتى وقت قصير قبل بدء التصويت العام، كانت المترشحة في لائحة حزب التجمع الوطني الديمقراطي في العاصمة الجزائر، مريم شحيح، ما زالت ترسل رسائل قصيرة على حساب" واتسآب" لدعوة الناخبين إلى التصويت لصالحها.
كثير من المرشحين استمروا في الدعاية، عبر الإرسالات الهاتفية وعلى حسابات" فيسبوك" و" واتسآب" والتطبيقات الأخرى، مثل" تليغرام".
بالنسبة لهؤلاء، صوت واحد أو صوتان، قد يصنعان الفارق في انتخابات لا شيء يبدو محسوما فيها، ويسيطر عليها الغموض والترقب بصورة غير مسبوقة، خاصة بعدما خلطت" مجزرة اقصاءات الترشيحات" الأوراق والحسابات جميعها.
تتركز المنافسة في الانتخابات النيابية في الجزائر أساساً بين ستة أحزاب سياسية رئيسية مرشحة لتقاسم متفاوت لمقاعد البرلمان.
خمسة من هذه الأحزاب من قوى الحزام الحكومي، وهي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وجبهة المستقبل المرشح لإحداث مفاجأة وتقدم انتخابي، وحزب صوت الشعب، وحركة البناء الوطني (إسلامي موالي)، والتي تلقت ضربة مؤثرة بعد إسقاط لائحتها في العاصمة ذات الـ31 مقعداً.
ويضاف إليها حركة مجتمع السلم، كبرى الأحزاب الإسلامية المعارضة، والمرشحة للحفاظ على حصتها من المقاعد بالنظر إلى أداء كتلتها النيابية في البرلمان السابق وخوضها حملة انتخابية.
يضاف إلى ذلك حزبان من الكتلة الديمقراطية، ينافسان في ثلث الدوائر الانتخابية، وهما جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال اليساري.
أما باقي الأحزاب الـ 25، فهي تنافس في دوائر محدودة، بين واحدة إلى 10 دوائر انتخابية.
عدد اللوائح في الانتخابات النيابية في الجزائركما تتنافس في الانتخابات النيابية في الجزائر التي تجرى اليوم الخميس 739 لائحة.
وقدمت الأحزاب السياسية 613 لائحة، بالإضافة إلى 125 لائحة مستقلة، ولائحة واحدة لتحالف بين حزبين سياسيين.
وتسجل هذه الانتخابات تراجعاً كبيراً في عدد اللوائح مقارنة مع الانتخابات السابقة التي كانت قد بلغت فيها 2200 لائحة.
وتتنافس 54 لائحة في الخارج على المقاعد الـ12 المخصصة للجالية الجزائرية.
ويبلغ مجموع المرشحين 9854، بينهم 2032 مترشحة، بما يمثل 21% من إجمالي المترشحين، وأكثر من خمسة آلاف مترشح تقل أعمارهم عن 40 عاماً، بنسبة 54%، فيما يبلغ عدد المترشحين من حملة الشهادات الجامعية 4673، بما يمثل 47% من إجمالي المترشحين.
ما هي الآلية المعتمدة في الانتخابات النيابية في الجزائر؟اعتُمدت في هذه الانتخابات آلية اللائحة المفتوحة التي تسمح للناخب بالتصويت الاختياري على المرشحين الذين يختارهم من قائمة واحدة فقط، ويجب أن يختار عدداً من المرشحين بحسب عدد المقاعد المخصصة لدائرته الانتخابية، لأنه في حال تجاوز ذلك ستصبح الورقة الانتخابية ملغاة.
غير أنه يمكنه أن يصوّت بورقة واحدة من دون اختيار أي مترشح، حيث تُحتسب الورقة لصالح الحزب.
وبعد عملية الفرز الأولية بُحدَّد عدد المقاعد التي فاز بها كل حزب، ثم تجرى عملية فرز ثانية لأوراق كل حزب لمعرفة مَن حاز من مرشحي اللائحة بالترتيب على أكبر عدد من الأصوات لشغل المقعد النيابي، وهو ما فرض منح سلطة الانتخابات 72 ساعة لإعلان النتائج الأولية.
وبخلاف الانتخابات النيابية في الجزائر في العام 2021، التي جرت تحت ضغط الشارع والحراك الشعبي، تجرى هذه الانتخابات في ظرف سياسي أكثر هدوءا، عادت فيه الدولة إلى التحكم بشكل أكبر في المشهد السياسي والشعبي.
وما يميزها هو تخلي أحزاب معارضة عن خيار المقاطعة، وعلى رأسها جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية.
كما أن ما يميزها هو تراجع السلطة عن تشجيع اللوائح المستقلة، وهو ما يفسر تبخر اللوائح المستقلة مقارنة بالانتخابات السابقة (من أكثر من ألف لائحة إلى 125 لائحة).
لكن الانتخابات النيابية في الجزائر الحالية تأتي في ظل نظام انتخابي جديد، أعاد للمرة الأولى منذ العام 2019، وزارة الداخلية إلى المشاركة في تسيير الانتخابات، عبر تولي الصلاحيات اللوجستية، بينما تشرف السلطة المستقلة للانتخابات على الإشراف والرقابة وما يليها، وذلك بعد الارتباك الذي تسببت فيه سلطة الانتخابات في رئاسيات سبتمبر/ أيلول 2024 (بشأن طريقة إعلان النتائج المؤقتة ونسب المشاركة) ما أدى إلى إجراء مراجعة لدورها وصلاحياتها.
لكن عودة الداخلية أثارت مخاوف القوى السياسية مما وصفه رئيس حركة مجتمع السلم عبد العالي حساني شريف، السبت الماضي، هندسة محتملة لنتائج الانتخابات، قد تفقد هذا الاستحقاق النيابي مصداقيته.
وتظل منطقة القبائل، التي تضم بعض الولايات كبجاية وتيزي وزو، ذات الغالبية من المواطنين الأمازيغ، تحتفظ بخصوصياتها السياسية.
وهذه المرة، تبدو المنطقة في حالة هدوء سياسي مقارنة بالاستحقاقات التي جرت منذ العام 2019، خاصة مع مشاركة أكبر حزبين يتمركزان في المنطقة، جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية في هذه الانتخابات.
لكن خريطة اللوائح المرشحة في ولايات منطقة القبائل تثير الانتباه بشكل لافت مقارنة بباقي الولايات والدوائر الانتخابية، في علاقة باللوائح المستقلة.
ففيما تكاد اللوائح المستقلة تغيب في جل الولايات، أو توجد لائحة واحدة على الأكثر، تنفرد ولاية تيزي وزو بوجود 11 لائحة مستقلة منافسة بالإضافة إلى 11 لائحة أخرى تتبع الأحزاب السياسية، ففي ولاية بجاية، سبع لوائح مستقلة منافسة لسبع قوائم حزبية.
ما هو ملاحظ أن غالبية القائمين على اللوائح المستقلة، هم من الكوادر والإطارات المنشقة أصلاً من الحزبين، جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، اذ كان هذان الحزبان قد تعرضا لانشقاقات لافتة في الفترة الماضية، بسبب خلافات داخلية.
وهذا الأمر دفع بعض الكوادر إلى الخروج من الإطار الحزبي إلى الإطار المستقل، والترشح بصفتهم مستقلين في هذه الانتخابات.
يعتقد مراقبون أن وجود هذا الاستثناء من اللوائح المستقلة في ولايات منطقة القبائل، سيتسبب في توزيع الكتلة الناخبة وخفض هيمنة محتملة للحزبين البارزين في المنطقة، إن لم يكن الهدف منه هو هذا بالفعل، إذ سيجعل الكتلة الناخبة تتوزع بصورة كبيرة وتتوزع معها مقاعد ولاية تيزي وزو، 11 مقعداً، والسبع مقاعد الخاصة بولاية بجاية.
الإكثار من القوائم يعني تشتيت الأصواتمحمد ايوانوغان: هناك قراءة تفيد بأن منطقة القبائل لم يعد فيها مركز قوة واضح مثل السابقيفسر الكاتب والمحلل السياسي المهتم بشؤون المنطقة محمد ايوانوغان، في تصريح لـ" العربي الجديد" هذا الأمر، ويقول: " المعروف أن القوائم المستقلة هي قوائم الإطارات السياسية المقصية من أحزابها.
وهم يعتقدون أن رفع عدد القوائم، الحزبية والمستقلة، سيرفع نسبة المشاركة، وثانياً فإن الإكثار من القوائم المستقلة يعني تشتيت الأصوات، ومن ثم منع جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية من حصد أغلبية المقاعد في هذه الولايات.
وهناك قراءة أخرى تفيد بأن منطقة القبائل لم يعد فيها مركز قوة واضح مثل السابق، وبالتالي كثُر الطامحون لاستعادة المبادرة السياسية في منطقة القبائل، عبر التموقع في هذه الانتخابات".
ويبلغ تعداد الناخبين في السجل الانتخابي أكثر من 24 مليون ناخب، بينهم أكثر من 800 ألف ناخب في الجالية في الخارج.
وعين السلطة في انتخابات اليوم الخميس على مؤشر التصويت بالأساس، اذ ما زال العزوف الانتخابي يمثل الهاجس الأكبر في هذه الانتخابات بالنسبة لها بالدرجة الأولى، وللأحزاب ولوائح المستقلين بالدرجة الثانية.
كل قيادات الأحزاب السياسية، الذين تحدثت إليهم" العربي الجديد" خلال الحملة الانتخابية كان يشغلهم بشكل كبير هاجس العزوف الانتخابي.
ففي كل الاستحقاقات الانتخابية التي جرت منذ العام 2019، لم تتجاوز معدلات التصويت ثلث الكتلة الناخبة، حتى مع اختلاف طبيعة كل استحقاق وتغير الظروف.
فخلال الانتخابات الرئاسية في ديسمبر/ كانون الأول 2019، بلغت نسبة التصويت 39%.
وشهد استفتاء تعديل الدستور في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 أدنى نسبة مشاركة في تاريخ الاستحقاقات الانتخابية في تاريخ الجزائر بـ23.
7%، تلته الانتخابات النيابية في يونيو 2021، حيث بلغت نسبة المشاركة 30.
20%، و34% في الانتخابات المحلية نهاية العام 2021.
وفي الانتخابات الرئاسية في سبتمبر 2024، حصل لغط بشأن معدل التصويت، اذ اعتمدت سلطة الانتخابات نسبة 24%، ورفعت المحكمة الدستورية النسبة إلى 46%.
عبد الحكيم صايم: مشكلة تدني نسبة التصويت تعبر عن موقف احتجاجي إزاء الظروف الاقتصادية والاجتماعيةومع ذلك، لا تبدي كثير من التقديرات السياسية تفاؤلاً كبيراً بإمكانية تحقيق نسبة تصويت أعلى في انتخابات اليوم الخميس، قياساً بالسابق، خاصة بالنظر إلى معطيات الحملة الانتخابية التي لم تشهد تفاعلاً استثنائياً مع الأحزاب والمرشحين.
وبالنسبة إلى الأستاذ في جامعة وهران غربي الجزائر، عبد الحكيم صايم، فإن مشكلة تدني نسبة التصويت في الانتخابات النيابية في الجزائر لا تعبر عن موقف سياسي بالضرورة مضاد للانتخابات أو للسلطة والأحزاب، لكنها تعبر عن موقف احتجاجي إزاء الظروف الاقتصادية والاجتماعية، كما تعبر في جزء منها عن لامبالاة شعبية نتيجة عدم تكريس تغيير جدي.
ويقول صايم، في تصريح لـ" العربي الجديد"، إن" العزوف الانتخابي له تاريخ طويل في الجزائر وأسبابه عديدة، بينها ضعف التنشئة والثقافة السياسية.
تتحمل الأحزاب جزءا من المسؤولية بشأنه بسبب إفلاس خطابها السياسي وعجزها عن تأطير الشعب، وغياب عمل حزبي قاعدي على مدار السنة.
كما تتحمل السلطة جزءا من المسؤولية أيضاً في عدم إعطاء قراءة صحيحة لظاهرة العزوف عن التصويت حتى الآن".
لكن جمال خذيري، المرشح في هذه الانتخابات، يرفض تحميل الأحزاب مسؤولية العزوف الانتخابي.
ويؤكد، لـ" العربي الجديد"، أن" القوى السياسية أنجزت حملة انتخابية بالأدوات والوسائل المتاحة.
هناك ظروف ضاغطة تتجاوز الأحزاب نفسها، وتراكم لمشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية تلعب دوراً في عزوف الناخبين عن التصويت".
ويضيف: " لقد بذلنا جهداً كبيراً خلال 21 يوماً من الحملة الانتخابية لإقناع الناس بالتصويت والمساهمة في اختيار نواب البرلمان، ونأمل ألا تذهب جهودنا سدى".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك