لليوم الثالث على التوالي، تتواصل أزمة البنزين في سوريا، بعدما توقفت أعداد كبيرة من محطات الوقود عن بيع المادة، مقابل استمرار عدد محدود منها في الخدمة، ما أدى إلى ازدحام غير مسبوق وطوابير امتدت لساعات أمام المحطات العاملة، في وقت تؤكد فيه الجهات الرسمية أن المشكلة لا تعود إلى نقص في التوريدات، بل إلى اختناقات في التوزيع وتغير في سلوك السوق.
وأظهرت جولة ميدانية أجراها موقع تلفزيون سوريا على عدد من محطات الوقود في دمشق، أن كثيرا من المحطات الخاصة كانت مغلقة، بينما واصلت المحطات الحكومية العمل وسط إقبال كثيف وازدحام كبير من المركبات الراغبة في الحصول على البنزين.
وتحدث موقع تلفزيون سوريا مع عدد من سائقي السيارات في دمشق، الذين أكدوا اضطرارهم للانتظار لفترات طويلة للحصول على البنزين.
وقال حسام الأحمد، وهو أحد السائقين، إنه انتظر نحو 45 دقيقة أمام محطة وقود المجتهد قبل أن يتمكن من تعبئة سيارته بالبنزين.
في المقابل، أفاد سائق سيارة أجرة تواصل معه الموقع، بأن تعبئة خزان الوقود استغرقت نحو ساعتين ونصف، بسبب الازدحام الشديد على محطات الوقود العاملة.
وفي المقابل، لم تسجل أزمة مماثلة على مادة المازوت، إذ أظهرت جولة ميدانية للموقع توفر المادة في محطات الوقود من دون طوابير أو ازدحام، ففي محطة البوابة الذهبية، على سبيل المثال، امتد طابور السيارات الراغبة في الحصول على البنزين مئات الأمتار، بينما لم يلاحظ أي اصطفاف للمركبات أمام مضخات المازوت.
وتعود خلفية الأزمة إلى 23 حزيران الماضي، عندما أعلنت وزارة الطاقة تشكيل لجنة دائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، تتولى مراجعة أسعار المحروقات وتحديثها بشكل دوري وفق المتغيرات الاقتصادية والأسعار العالمية والتكاليف التشغيلية.
وفي اليوم نفسه، أقر وزير الطاقة محمد البشير أول توصية صادرة عن اللجنة، والتي نصت على اعتماد الليرة السورية في جميع عمليات بيع المشتقات النفطية داخل البلاد.
ومع بدء اللجنة إصدار قرارات التسعير، بدأت بعض المحطات الخاصة بالتوقف عن الاستجرار، ولا سيما المحطات الصغيرة داخل المدن وعلى الطرقات، عن بيع المحروقات أو استجرار كميات جديدة، قبل أن تتفاقم الاختناقات عقب قرار خفض أسعار البنزين.
ما التعليق الرسمي على الأزمة؟وفي أول تعليق رسمي على الأزمة، أكدت وزارة الطاقة، في بيان نشرته عبر صفحتها على" فيس بوك"، أمس الأربعاء، أن ما تشهده بعض محطات الوقود هو" حالة اختناق مؤقتة في عمليات التزويد"، وليس نقصاً في توفر المشتقات البترولية، مشيرة إلى أن المخزون الاستراتيجي متوافر، وأن الشركات والمؤسسات المختصة تواصل عمليات التخزين والنقل والتزويد بصورة منتظمة.
وأرجعت الوزارة الازدحام إلى" تغير مفاجئ في سلوك السوق" خلال الأيام الماضية، عقب تداول إشاعات حول أسعار المحروقات، ما أدى، بحسب البيان، إلى انخفاض مخزون عدد من المحطات، قبل أن يرتفع الطلب بصورة كبيرة خلال فترة قصيرة، وهو ما تسبب بازدحام مؤقت في بعض مواقع البيع.
وأضافت الوزارة أنها كثفت، بالتنسيق مع الجهات المعنية، عمليات الاستجرار والتوزيع لتعزيز وصول المشتقات النفطية إلى محطات الوقود واستعادة انسيابية التزويد بأسرع وقت، داعية المواطنين إلى عدم التهافت على شراء المحروقات، ومؤكدة استمرار عمليات التوريد بصورة منتظمة.
وفي شرح أكثر تفصيلاً للأسباب التي أدت إلى الازدحام، قال مصدر خاص في وزارة الطاقة لموقع تلفزيون سوريا إن عدداً كبيراً من أصحاب محطات الوقود الخاصة توقفوا عن استجرار كميات جديدة من البنزين بعد تداول أنباء عن قرب خفض الأسعار، خشية تكبد خسائر في المخزون الذي بحوزتهم، لافتاً إلى أن سوريا لا تعتمد نظاماً إلكترونياً يعوض أصحاب المحطات عن فروقات الأسعار عند تعديلها.
وأوضح المصدر أن المحطات واصلت بيع الكميات المتوافرة لديها حتى نفاد مخزونها الاحتياطي، قبل أن تتوقف عن طلب تزويدات جديدة، ما أدى إلى تراكم الطلبات فور صدور قرار خفض الأسعار، بالتزامن مع ارتفاع إقبال المواطنين على شراء البنزين بالسعر الجديد.
وأضاف أن شركات النقل والتوزيع واجهت ضغطاً غير مسبوق نتيجة طلب آلاف المحطات التزود بالمادة خلال فترة زمنية قصيرة، الأمر الذي تسبب باختناقات مؤقتة في عمليات التوزيع، رغم استمرار توافر المشتقات النفطية ووصول الشحنات إلى البلاد بصورة طبيعية.
وأشار المصدر إلى أن الأزمة تركزت بشكل رئيسي في البنزين، باعتباره المادة الأكثر استهلاكاً، متوقعاً أن تستعيد عمليات التوزيع انسيابيتها خلال الأيام القليلة المقبلة مع استكمال تزويد المحطات بالكميات المطلوبة.
من جانبه، أكد أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق وريفها، عبد الرزاق حبزة، في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، أن عدداً من أصحاب محطات الوقود الخاصة أوقفوا بيع المحروقات، في حين واصلت المحطات الحكومية العمل، ما أدى إلى تركز الطلب عليها وحدوث ازدحام شديد وطوابير طويلة، مشيراً إلى أن مديرية التموين في ريف دمشق أغلقت عدداً من المحطات التي امتنعت عن البيع.
ورأى حبزة أن الأزمة كان يمكن تجنبها من خلال تنسيق مسبق بين الجهات المعنية وأصحاب محطات الوقود، وإجراء جرد للكميات المخزنة قبل تطبيق الأسعار الجديدة، موضحاً أن أصحاب المحطات برروا امتناعهم عن البيع بامتلاكهم مخزوناً اشتروه وفق الأسعار السابقة، الأمر الذي كان يستوجب، بحسب رأيه، التحقق من تلك الكميات وتعويضهم عن فروقات الأسعار إن ثبتت صحتها.
وأضاف أن الجمعية تلقت شكاوى عديدة من مواطنين بشأن امتناع بعض المحطات عن البيع، محذراً من تكرار السيناريو ذاته مع أي تعديل جديد على أسعار المحروقات، في ظل إعلان لجنة التسعير اعتماد مراجعات دورية للأسعار مشددا على أن الامتناع عن بيع المحروقات يعد مخالفة جسيمة قد تصل عقوبتها إلى إغلاق المحطة وسحب ترخيصها وإحالة المخالفين إلى القضاء.
واعتبر حبزة أن الارتفاع المفاجئ في الطلب على البنزين عقب خفض الأسعار كان أمراً متوقعاً، معرباً عن أمله في أن تستفيد الجهات المعنية من هذه التجربة عبر تحسين التنسيق وآليات تنفيذ قرارات التسعير مستقبلاً، بما يمنع تكرار مشاهد الازدحام والطوابير.
وتأتي هذه الأزمة في وقت تعتمد فيه وزارة الطاقة للمرة الأولى آلية تسعير دورية للمحروقات عبر اللجنة الدائمة التي شكلت في 23 حزيران الماضي، وسط ترقب لمدى قدرة هذه الآلية على تجنب تكرار مشاهد الازدحام مع أي تعديل جديد في الأسعار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك