إذا تتبعنا المسار الجمالي الذي قطعته علاقة السينما بالمدينة، سنجد أن مدناً من قبيل نيويورك وباريس والقاهرة تعد أكثر المدن التي حظيت بناصية كبيرة من الاهتمام داخل الفن السابع.
ذلك أن المشاهد يعثر على أفلام بدت في جمالياتها وكأنها تاريخ جمالي للمدن، لكن ذلك لم يجعلها تنزع عنها قداستها تجاه الحاضر.
فإذا كان التاريخ في أصله حكاية تحيل على الماضي، فإن فعل الحكي نفسه يجعل التاريخ يغدو حاضراً في ذهنية من يسمع الحكاية، لذلك تظل السينما أكثر الفنون قدرة على تخييل المدينة، إذ على رغم اهتمام الفوتوغرافيا واللوحة بإعادة تمثل المدينة بصرياً، فإن الوسيط السينمائي يظل بسبب شعبيته وجماليات أنماطه البصرية يمتلك القدرة على ضبط المدينة وتأصيل تمثلاتها بكيفيات مختلفة من التناول والمعالجة.
إن الصورة تبلور في المشهد الواحد عشرات من الحقائق، بحيث أن بانوراميتها تمنح المدينة حضوراً فيزيقياً مدهشاً.
تمتلك السينما قدرة على التوغل في الواقع وتشريحه بطريقة تجعله يظهر على صورته الحقيقية، إذ تخترق كيانه وتساهم من الداخل في إبراز نتوءاته، حتى تغدو الصورة إعادة تمثيل حقيقي لهذا الواقع.
ذلك أن الرسم على رغم ما يمتلكه من قدرة على تملك براديغم الواقع، إلا أن انتشار الصورة الفوتوغرافية الثابتة وظهورها جعله أقل تأثيراً في تعامله مع الواقع.
في حين نجحت السينما في تجاوز محنة تصوير الواقع، إذ استطاعت أفلام الموجة الجديدة في فرنسا مثلاً، النجاح في تصوير المدينة بكل ما تحمله من أفراح وأحزان.
وهذا الأمر، منح لأفلام الموجة الجديدة انتشاراً واسعاً وصدقية في التعامل مع واقعية الواقع داخل السينما.
إذ مع فرنسوا تروفو وجون لوك غودار وإريك رومر، تطالعنا المدينة كونها فضاء حقيقياً لميلاد الحكاية.
إذ وللمرة الأولى سيجري التعامل مع المدينة ليس كفضاء جامد تسقط عليه القصص والحكايات، بل ككائن حي وزئبقي متحول عبر الزمان والمكان.
ذلك أن فعل تمثيل المدينة يأتي في ضرورة اختراقها وتكسير الجامد فيها الذي كثيراً ما عملت المؤسسات الهوليوودية على تكريس صورها ومشاهدها بطريقة ميكانيكية، بما جعلها تنتج عشرات من الكليشيهات الفنية داخل الكادر السينمائي الأميركي.
رغبة الموجة الجديدة في تحطيم فعل التمثل بدت حاضرة منذ أولى أفلام الموجة الجديدة (Nouvelle Vague)، لذلك جرى التعامل مع المدينة كواقع متحول، لكن مع وسائل تصوير خفيفة وفلسفة سينمائية تقوم على التقشف في نقل القصص وعفوية" صارمة" في التقاط نتوءات المدينة ومتخيلها.
إن وعي الموجة بالتخفيف من حدة الرطانة اللغوية داخل الكادر، جعلها تبتدع مشروعاً سينمائياً يلامس أحراش جسد الفضاء المديني، باعتباره مختبراً حقيقياً لتكثيف القول ولطرح مزيد من الأسئلة الحارقة حول الجسد الإنساني في علاقته بالواقع (المدينة).
بيد أن هذا التعامل المختلف مع مفهوم المدينة في العمل السينمائي لم يبق حبيس السينما الفرنسية بعد خمسينيات القرن الـ20، بل امتد تأثيره بقوة في سينما العالم العربي، حيث يبدو ذلك بارزاً داخل سينما الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990)، إذ نعاين في عدد من أفلام جوسلين صعب وجان شمعون عدم التكلف الجمالي في تصوير الواقع، حيث تطالعنا المدن عارية وتنزف دماً من هول الحرب الأهلية وفداحتها في وجدان واجتماع ونفوس الناس.
والحقيقة أن تصوير المدينة وفق هذه الآلية البصرية تحكمها دوافع إيديولوجية أكثر من كونها جمالية، بسبب رغبة المخرجين اللبنانيين في القبض عن فظاعة مدينة تعيش الخراب والدمار.
نجحت أفلام رندة الشهال ومارون بغدادي وبرهان علوية في القبض عن حقيقية المدينة وتحويلها سينمائياً إلى مختبر تتصادى فيه الأسئلة الإيديولوجية بالشروط الإنسانية، إذ إن الانتقال من الواقعي إلى السينمائي لم يحدث أي ارتباك جمالي في بنية الصورة السينمائية، بما جعل الأفلام تغدو اليوم عبارة عن وثائق بصرية توثق مختلف مظاهر التهجير الذي عاشته مدينة مثل بيروت.
في" مانهاتن" (1979) لوودي آلن تأتي المدينة باعتبارها مسرحاً للقصص والحكايات، حيث تبدو الصور بالأبيض والأسود الذي يشعر معه المشاهد وكأنه يبتلع المدينة ولا يمنحها حقها على مستوى بعدها، لكن سرعان ما ينكشف وجه نيويورك الرومانسي من خلال صور شاعرية ترج الجسد.
إن تمثيل المدينة عند وودي آلن لا يعكس إلا روح الشخصيات ومشاعرها الغامضة تجاه بعضها البعض.
فالمخرج لا يهمه هنا إنتاج الذاكرة، بقدر ما يعمل على محاولة الغوص في سراديب المدينة وفسح المجال للصورة السينمائية حتى تقبض عن سيرة اللامرئي، ذلك أن الاهتمام بالحب ومشاعره المتقلبة ينسجم مع تقلبات المدينة وأحوالها.
في حين حرص المخرج السينمائي مارتن سكورسيزي في" تاكسي درايفر" (1976) على تقديم صورة مغايرة لمدينة نيويورك، حيث تبدو وكأنها مرآة حقيقية لواقع متصدع تفتقر فيه العلاقات الإنسانية ويعيش اضطرابات جنونية تدفع بسائق التاكسي.
لقد صور الفيلم منذ نصف قرن لكنه لا يزال يحظى بأهمية بالغة في وجدان النقاد، لأنه يعد في قائمة الأفلام السينمائية العالمية التي اشتغلت علة مفهوم المدينة وجعلت منها أفقاً بصرياً للتخييل السينمائي، لذلك يفطن المشاهد للفيلم كيف تتحول الصورة السينمائية إلى وسيلة لرصد العلاقة المتصدعة بين الفرد والمدينة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)لكن المدينة في متخيل سكورسيزي قاسية ومرتبكة بالمقابل مع الفضاء المديني عند وودي آلن الذي يتميز بحس كوميدي رومانسي يظهر بعمق سخرية البشر والطريقة التي بها يتحولون إلى إنتاج النفاق الاجتماعي، سيما داخل الفئة المثقفة المخملية التي بنى عبرها وودي آلن فيلم السينمائي.
لكن مع فضاء باريس تتكرس جماليات المدينة سينمائياً، انطلاقاً مما تقترحه من تمثيل بصري له علاقة بذاتية المخرج وليس بالواقع.
فكل مخرج صور باريس بما تمثله في ذاكرته الفردية، إذ يحاول عبرها بناء سلسلة من المشاهد السينمائية القوية التي تتصادى مع رومانسيتها الحقيقية.
على هذا الأساس، فإن الأفلام التي جسدت نجاح العلاقة بين الصورة والمدينة، تلك التي تعاملت مع المدينة وفق آلية بصرية تقوم على استكناه جوهرها الجمالي ورحابة ذاكرتها التاريخية.
فهذا العنصر وإن كان بالنسبة إلى بعض المخرجين مجرد إكسسوار، فإنه يهجس في باطنه بتفكيراً عميقاً له علاقة بإعادة إنتاج الذاكرة.
لذلك فإن تخييل المدينة يختلف من فيلم إلى آخر، إذ تطالعنا المدينة باعتبارها سلسلة من الاستيهامات التي لا ترتبط بواقع المدينة، وإنما بالطريقة التي بها يتخيل المخرج جمالياتها ويسعى عبرها إلى بناء أفق تخييلي مع المشاهد.
بهذا المعنى لا يمكن فهم المدينة، إلا من خلال الآثار التي تتركها في ذواتنا، إنها مثل الرائحة التي تنطبع في الذاكرة ويصعب نسيانها.
لهذا فالقبض عن المدينة لا يتأتى إلا بصورة مجازية، إذ يصعب أحياناً إعادة تمثيل المدينة واقعياً داخل الصورة السينمائية.
فكل ما نرتطم به سينمائياً يكون عبارة عن مجاز بصري أو ما تبقى في أجسادنا من الاستيهامات حول مدن عشنا فيها، يحاول المخرج السينمائي أن يخرجنا من مدننا الحقيقية التي ترعرعنا فيها والتي تغيرت بسبب التحولات الكوسموبوليتية، لينقلنا صوب مدن مجازية متخيلة تحاول السينما" تجميلها" بطريقة مدهشة.
إن فعل إنتاج الذاكرة يظل صعباً، بحيث على رغم النجاح الذي قد يتبدى على طوبوغرافية الفيلم وقدرته على الغوص في مسارب المدن وإعادة اكتشافها، فإن فعل التذكر يبقى من العوامل التي تدخل ضمن مدارات المتخيل وليس الواقع فقط.
لا يتعلق الأمر هنا بالسينما الروائية، بل حتى نظيرتها الوثائقية، إذ على رغم تقريرية الصورة وقدرتها على التعامل بطريقة فيها نوع من المحاكاة في الالتحام مع الواقع، إلا أن زوايا التصوير تدفع المخرج تلقائياً إلى الخروج أحياناً عن نسق إنتاج الذاكرة.
لكن في مقابل ذلك، نجح عدد من الأفلام الفلسطينية مثل" اللي باقي منك" (2025) لشيرين دعيبس و" فرحة" (2021) لدارين سلام و" فلسطين 36" لآن ماري جاسر في إنتاج الذاكرة الفلسطينية، بخاصة وأن الكاميرا استطاعت التوغل في سيرة مدن فلسطينية وتفكيك مفهوم الذاكرة بطريقة أضحى فيها التاريخ يغني التاريخ الفلسطيني وذاكرته.
فهذا الوعي بقيمة المدينة سينمائياً ليس ظاهرة خاصة مرتبطة ببلدان من دون غيرها، بل يدخل ضمن الإطار العام الذي ينشغل به المخرج سينمائياً.
غير أن الاهتمام بمدن عريقة مثل القاهرة وبيروت والقدس وباريس ونيويورك، يمنح الصورة السينمائية جماليات خاصة، إذ ينتقل المخرج من التعامل مع المدينة بوصفها إطاراً جغرافياً إلى أن تغدو فضاء لإنتاج الذاكرة الجماعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك