يجمع النزاعات المسلحة والعمليات العسكرية التي خاضتها الولايات المتحدة منذ تأسيسها خيط عام يربطها عبر الحقب التاريخية المختلفة، يبدأ من مساعي التوسع القاري وبناء الأمة في القرن التاسع عشر وفق عقيدة" المصير المنظور"، ليتطور إلى فرض الهيمنة العالمية واحتواء النفوذ الشيوعي إبان الحرب الباردة، وصولا إلى الحرب العالمية على الإرهاب والصراعات الإقليمية الأحدث في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وتشكل الحرب عنصرا بنيويا في صياغة التاريخ الأمريكي الحديث والسياسة الخارجية الأمريكية.
من ذلك أن الولايات المتحدة نفذت قرابة 400 تدخل عسكري منذ عام 1776، مع تسارع ملحوظ في وتيرة هذه التدخلات بعد انتهاء الحرب الباردة في عام 1990.
وكلفت هذه الحروب تكاليف اقتصادية وبشرية هائلة.
فعلى سبيل المثال، بلغت التكلفة المقدرة لحروب ما بعد 11 سبتمبر/أيلول نحو 6.
4 تريليونات دولار، إذا ما أضيفت نفقات رعاية المحاربين القدامى وفوائد الديون، كما أسفرت هذه الصراعات الأخيرة عن مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين.
ويمنح الدستور الأمريكي الكونغرس وحده سلطة إعلان الحرب، في حين يعيّن الدستور الرئيسَ في منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة لتوجيه العمليات العسكرية.
وفي المنطق القانوني الأمريكي، يُشار إلى أمرين هما إعلان الحرب والتفويض بعبارة" استخدام القوة العسكرية".
ويضع إعلان الحرب الدولة في حالة حرب شاملة، بينما يمنح التفويض التشريعي الرئيس صلاحية واسعة لاستخدام القوة ضد دول أو منظمات محددة دون إعلان حالة الحرب بصورة رسمية.
نهج أمريكا وأسباب الحروب عبر الزمنمن التوسع في القارة إلى التوسع الخارجيبررت الولايات المتحدة حروبها المبكرة بخطاب يدمج بين حماية السيادة وبناء الأمة وتوسيع رقعة الدولة، حيث شكلت عقيدة المصير المنظور الغطاء الأيديولوجي الداعم لهذا التمدد.
وارتبطت هذه الحروب بصورة وثيقة بالرغبة في تأمين الحدود، والاستحواذ على الأراضي الخصبة، وتوسيع النفوذ التجاري، مما أدى إلى حروب إزاحة مستمرة ضد القبائل الأصلية وصراعات مسلحة مع القوى المجاورة، وكل ذلك بالتوازي مع اعتقاد النخبة السياسية بأن احتلال الأراضي الجديدة ونشر النموذج الأمريكي ضرورة حتمية لنشر الحضارة والحرية، أي أن التوسع العسكري كان أداة مبررة لتحقيق رسالة استثنائية مزعومة.
من الإمبراطورية الناشئة إلى القوة العالميةتحولت الولايات المتحدة إلى لاعب عالمي رئيسي.
وبررت النخبة الحاكمة هذا التحول الاستراتيجي بضرورة فتح أسواق جديدة للتجارة، وتأمين الممرات البحرية الاستراتيجية، وبناء قواعد بحرية لدعم الأسطول، إلى جانب منافسة القوى الكبرى الأوروبية والآسيوية في مناطق النفوذ.
ومع اندلاع الحربين العالميتين، أعادت واشنطن تعريف مصالحها الدولية، حيث تخلت عن عزلتها النسبية واعتبرت أن أمنها القومي يرتبط بمنع أي قوة معادية من السيطرة على أوراسيا، وبناء نظام عالمي يضمن التدفق الحر للتجارة والموارد.
الاحتواء ثم ما بعد الحرب الباردةأصبح احتواء الشيوعية المنطق الاستراتيجي الموجه لمعظم الحروب والتدخلات الأمريكية بعد 1945، حيث خيضت صراعات كبرى وحروب بالوكالة لمنع التمدد السوفيتي في العالم.
وتغيرت تبريرات الحرب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لتتكيف مع الواقع الجديد، فصارت تركز على حفظ الاستقرار الإقليمي، وتأمين مصادر النفط، ومكافحة الإرهاب، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل.
ورغم هذا التغير المستمر في اللغة الرسمية وطبيعة الخصوم، بقيت ثوابت رئيسية حاضرة في النهج الأمريكي، أبرزها الحفاظ على الهيمنة العالمية، وتأمين المصالح الاقتصادية، والاعتماد على القوة العسكرية أداة لفرض النظام، والإيمان باستثنائية الدور الأمريكي في قيادة العالم.
تعرف الحرب، وتحديدا الحرب بين الدول، بأنها اشتباك مسلح مستدام يتجاوز عتبة ألف قتيل من القوات المتقاتلة، وفقًا لدراسة نُشرت في مجلة الشؤون الدولية (International Affairs) الصادرة عن المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية.
أما التدخل العسكري فهو مصطلح أوسع، إذ تعرّفه دراسة في مجلة حل النزاعات (Journal of Conflict Resolution) بأنه يشمل التهديد بالقوة أو استعراضها أو استخدامها الفعلي من قبل قنوات حكومية رسمية ضد حكومة أو إقليم أو جهة أجنبية خارج سياق الأنشطة السلمية المعتادة.
وتندرج العمليات المحدودة والسرية تحت هذا النطاق الأوسع دون أن ترقى بالضرورة إلى مستوى الحرب الشاملة.
وفيما يأتي سرد للحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية منذ تأسيسها قبل 250 عاما:حروب القرن التاسع عشر والتوسع المبكرتعكس الحروب في هذه المرحلة الانتقال من التوسع القاري والسيطرة على قارة أمريكا الشمالية إلى التوسع الخارجي وبسط النفوذ عبر المحيطات والأراضي البعيدة.
وترتبط هذه الحروب بصورة مباشرة ببداية تشكل عقيدة المصير المنظور كخطاب تبريري، حيث استغلت هذه العقيدة لتسويغ التوسع والتدخل بوصفه رسالة حتمية لنشر النموذج الأمريكي ونشر الحضارة.
الحرب المكسيكية الأمريكيةالرئيس الأمريكي الذي شنها: جيمس بولكأهم النتائج التي أسفرت عنها:الاستحواذ على مساحات شاسعة تشمل كاليفورنيا ونيومكسيكو وتكساس.
مقتل 1733 عسكرياً ومشاركة 78718 جندياً أمريكياً.
توسيع رقعة الدولة القارية نحو المحيط الهادئ بصورة نهائية.
تجسيد صريح لعقيدة المصير المنظور كخطاب تبريري للتوسع.
نموذج مبكر للاحتلال الخارجي ولحروب الإزاحة والاستحواذ القاري المباشر.
الحرب الإسبانية الأمريكيةالرئيس الأمريكي الذي شنها: ويليام ماكينليالاستحواذ على بورتوريكو وغوام والفلبين والسيطرة الفعلية على كوبا.
انتقال الولايات المتحدة إلى مصاف القوى الإمبراطورية العالمية العظمى.
مقتل 385 عسكريا ومشاركة 306760 جندياً أمريكياً حتى نهاية الصراع.
نموذج مبكر للتدخلات الإمبراطورية وتغيير الأنظمة خارج القارة.
السعي الصريح إلى فتح الأسواق التجارية وتأمين الممرات والقواعد البحرية.
الحرب الفلبينية الأمريكيةالخصم: المقاومة الفلبينيةتكريس السيطرة الاستعمارية الأمريكية المباشرة على الفلبين حتى منتصف القرن العشرين.
مقتل 4200 جندي أمريكي وما يزيد عن 20000 مقاتل فلبينيتأمين شبكة القواعد العسكرية لحماية الممرات التجارية في المحيط الهادئ.
نموذج أمريكي قاسٍ لحروب مكافحة التمرد وقمع حركات التحرر الوطني.
توسع نفوذ الولايات المتحدة الاستراتيجي المباشر في عمق القارة الآسيوية.
الحربان العالميتان والحرب الباردةتعرض الحربان العالميتان هنا من زاوية المشاركة الأمريكية فيهما وآثارهما في تطور الحرب الأمريكية، لا بوصفهما حربين أمريكيتين خالصتين من حيث الأصل والنشأة.
ويفسر التحول من حربين دخلتهما الولايات المتحدة بإطار قانوني معلن وإعلان حرب رسمي، إلى حروب لاحقة خيض كثير منها بلا إعلان حرب، برغبة السلطة التنفيذية في امتلاك مرونة التدخل وتطويق النفوذ الشيوعي دون قيود الإعلان الشامل وتأخر موافقات الكونغرس.
الخصم: قوى المركز وعلى رأسها ألمانياالرئيس الأمريكي الذي شنها: وودرو ويلسونالمساهمة المباشرة في هزيمة ألمانيا وتحقيق نصر عسكري شامل حتى عام 1918.
صعود الولايات المتحدة إلى موقع القيادة العالمية للمرة الأولى في تاريخها.
مقتل 53402 في المعارك ومشاركة 4734991 جندياً أمريكياً حتى نهايتها.
التعبئة الشاملة وتكريس الدور الأمريكي كقوة عظمى تتدخل لحسم الصراعات الدولية.
خيضت بإعلان حرب قانوني ورسمي ومثلت تحولا جذريا عن العزلة السياسية.
الرئيس الأمريكي الذي شنها: فرانكلين روزفلتنصر عسكري حاسم وغير مشروط حتى عام 1945 أرسى الهيمنة الأمريكية الشاملة.
مقتل 291557 عسكرياً أمريكياً ومشاركة 16112566 جندياً.
إرساء قواعد نظام دولي جديد وبناء شبكة تحالفات وقواعد عسكرية مستدامة.
التعبئة العسكرية والصناعية الشاملة داخل المجتمع الأمريكي.
بداية عصر الحرب النووية بعد استخدام السلاح الذري ضد اليابان.
خيضت بإعلان حرب رسمي يمثل آخر إعلان حرب كلاسيكي شامل في التاريخ الأمريكي.
الخصم: كوريا الشمالية والصينالرئيس الأمريكي الذي شنها: هاري ترومانتبدل مسار القوة الأمريكية من النصر المباشر المطلق إلى مسار الاحتواء حتى عام 1953.
انتهاء الصراع بتسوية ووقف إطلاق نار وتقسيم شبه الجزيرة الكورية وإعادة تشكيل التحالفات.
مقتل 33739 في المعارك ومشاركة 1789000 جندي أمريكي.
نموذج مبكر للحرب بالوكالة في سياق الحرب الباردة واحتواء الشيوعية.
خيضت بلا إعلان حرب رسمي تجنبا لقيود الإعلان الشامل والمواجهة المباشرة الواسعة.
الخصم: فيتنام الشمالية وقوات الفيتكونغالرئيس الأمريكي الذي شنها: ليندون جونسونالغوص في مسار استنزاف ممتد انتهى بانسحاب القوات الأمريكية وإعادة تشكيل التحالفات حتى عام 1973.
مقتل 47434 في المعارك ومشاركة 3403000 جندي أمريكي.
تراجع الثقة الداخلية وتآكل في شرعية التدخل العسكري الخارجي والمؤسسات السياسية.
نموذج للحرب التلفزيونية وحروب الاستنزاف الطويلة والمكلفة.
خيضت بلا إعلان حرب واعتمادا على تفويضات تنفيذية مرنة للسيطرة على مسرح العمليات.
مثلت هذه الحروب تحولات كبرى في استخدام القوة الأمريكية بعد عام 1991، سواء من حيث الأحادية القطبية، أو الحروب الطويلة، أو التحالفات المعقدة، أو الصراع الإقليمي المركب، حتى لو استبعد ذلك تدخلات أخرى أقل مركزية في هذا المسار العام كالتدخل في بنما أو هايتي أو الصومال أو ليبيا.
وتعكس هذه الحروب انتقال الولايات المتحدة من منطق القطب الأوحد المعتمد على التفوق التكنولوجي، إلى الغرق في حروب الاستنزاف والضربات المحدودة والتحالفات الإقليمية المعقدة، كان جلها في سياق الحرب العالمية على الإرهاب بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر/أيلول.
الرئيس الأمريكي الذي شنها: جورج بوش الأبإخراج القوات العراقية من الكويت وتحقيق نصر عسكري حاسم ومباشر حتى عام 1991.
تدمير القدرات العسكرية للخصم بمشاركة 694550 جندياً أمريكياً ومقتل 148 عسكرياً.
إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وتكريس تفوق القطب الأوحد العسكري والسياسي.
الغطاء الواسع من الشرعية الدولية المدعومة بقرارات الأمم المتحدة والمشاركة متعددة الأطراف.
الاعتماد الحاسم والمبكر على تفوق التقنية العسكرية الدقيقة للقطب الأوحد.
الرئيس الأمريكي الذي شنها: بيل كلينتونإجبار القوات الصربية على الانسحاب وتأسيس إدارة دولية إقليمية لكوسوفو حتى عام 1999.
تحقيق تسوية أنهت الصراع المباشر بالاعتماد الكلي على حلف الناتو.
تراجع السيادة التقليدية للدول لصالح التدخلات العسكرية المبنية على دواع إنسانية.
تصاعد الخطاب الأخلاقي وتسويغ التدخل بدوافع حماية حقوق الإنسان.
بروز تباين في الشرعية الدولية بسبب اتخاذ القرار عبر تخطي مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
الاعتماد الكلي على القصف الجوي الكثيف دون استخدام قوات برية معرضة للخسائر.
الخصم: حركة طالبان وتنظيم القاعدةالرئيس الأمريكي الذي شنها: جورج بوش الابنإسقاط النظام الحاكم كاستجابة فورية للتهديد الإرهابي وتفكيك قواعد الخصم.
الدخول في استنزاف طويل انتهى بانسحاب أمريكي كامل وعودة طالبان للسلطة وإعادة انتشار القوات حتى عام 2021.
تكلفة اقتصادية هائلة وخسائر بشرية مستدامة على الرعاية الصحية حتى نهاية العمليات المستنزفة.
التعبئة المفتوحة ضد خصم إقليمي وغير تقليدي في أطول حرب استنزاف أمريكية.
الاعتماد المكثف على التقنية الدقيقة كالطائرات بدون طيار لتقليل التماس المباشر.
الخصم: نظام صدام حسين ثم الفصائل المتمردةإسقاط نظام صدام حسين والدخول في احتلال ممتد واستنزاف طويل حتى انسحاب القوات في 2011.
مقتل 4491 عسكرياً أمريكياً في المعارك وإنفاق أكثر من تريليون دولار لدعم العمليات.
إنتاج تآكل واضح في الشرعية الدولية وإفراز تسويات هشة وفوضى إقليمية شاملة.
حرب غزو واحتلال تقليدي لتغيير الأنظمة، منفصلة بوضوح تام عن مرحلة محاربة تنظيم داعش اللاحقة.
حرب وقائية استباقية اعتمدت على تبريرات غير دقيقة حول أسلحة الدمار الشامل.
أفرزت تآكلا عميقا للشرعية الدبلوماسية وغياب الغطاء الدولي الشامل لدعم التدخل.
الحرب على تنظيم الدولة في العراق وسورياالخصم: تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)الرئيس الأميركي الذي شنها: باراك أوباماتدمير السيطرة المكانية للتنظيم وتقليص نفوذه الإقليمي والعالمي حتى عام 2019.
تنفيذ ضربات عسكرية جوية كثيفة لتأمين المصالح دون الانزلاق إلى احتلال بري واسع.
تمكين القوات المحلية البرية من استعادة السيطرة على المدن الكبرى بدعم من التحالف.
مرحلة مرتبطة جغرافيا بحرب العراق السابقة ولكنها ليست حرب غزو واحتلال متصلة بها.
الاعتماد على الضربات المحدودة عن بعد والطائرات بدون طيار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك