بعدما أسكن هاري كين الكرة في الزاوية العليا ثم الزاوية السفلى، ربما كان ديكلان رايس الأقدر على تلخيص الأمور عقب فوز إنجلترا المثير (2 - 1) على جمهورية الكونغو الديمقراطية.
وقال رايس إن مهاجم إنجلترا" لا مفر منه".
فكين أقرب ما يكون إلى الضمان المطلق.
ولهذا السبب يتم بناء منتخب إنجلترا بالكامل تقريباً حول قائده، ولذلك أيضاً فإن وصفه بـ" فريق هاري كين" ليس مبالغة بالكامل، إذ يكفي النظر إلى التنوع الذي أظهره في هذه المباراة، والذي ألهم إنجلترا لتحقيق أول انتصار بعد العودة من التأخر في مباراة إقصائية بكأس العالم منذ 1966.
أما الهدف الأول، وهو هدف التعادل الحاسم، فجسد قمة الفردية الهجومية، من النوع الذي اعتاد كين تسجيله.
فقد حصل أخيراً على تلك المساحة الإضافية، بفضل حدسه أيضاً، واستغلها بأفضل صورة ليودع عرضية أنتوني غوردون المقوسة في الشباك.
أما الهدف الثاني فكان أكثر من ذلك.
إذ لم يكن هدفاً لمهاجم مخضرم استغل نصف فرصة، بل كان تعبيراً عن لاعب مهيمن فرض سيطرته الكاملة على المباراة.
هيمنة هجومية ورسالة إلى المنافسينوكان في لحظة هدف الفوز شيء من الرمزية، إذ جاءت بعد ثوانٍ فقط من محاولة جود بيلينغهام فرض نفسه على اللقاء.
فمهاجم ريال مدريد سبق أن سجل هدفين من هذا النوع، بما يوحي بأن هذا المنتخب سيصبح فريقه في نهاية المطاف، لكنه لم يقدم أفضل مبارياته هنا.
وبدا كأنه يحاول إجبار الأمور على الحدوث، حتى إنه سدد في لقطة كان من الأفضل أن يمرر فيها إلى بوكايو ساكا.
وكانت إنجلترا بحاجة إلى شخص آخر في أتلانتا.
وهنا تقدم كين.
وعندما وصلت إليه الكرة تكفل بالباقي.
لقد كان كين لاعباً من الطراز العالمي يفرض حضوره ويطوع المباراة لإرادته.
فبعدما اعتاد في مواقف مماثلة خلال المباراة تمرير الكرة أو التسديد سريعاً، اختار هذه المرة الانطلاق بها، وشق طريقه بين مدافعي الكونغو الديمقراطية، قبل أن يجد المساحة الكافية ويسدد الكرة بقوة في سقف الشباك.
كانت تسديدة حاسمة بكل معنى الكلمة، وعكست طبيعتها الإرادة الهائلة التي فرض بها كين نفسه على المباراة.
وكما أكد مدرب إنجلترا توماس توخيل لاحقاً، فإنه لم يكن" ليسمح بحدوث ذلك".
ويمكن القول إن طريقة إنهاء الهجمة ذكّرت بآلان شيرر، لكن كين يبقى مهاجماً متفرداً.
ويواصل مهاجم بايرن ميونيخ تحطيم الأرقام القياسية.
فقد رفع رصيده إلى خمسة أهداف في هذه النسخة من كأس العالم، و13 هدفاً في جميع مشاركاته بالمونديال، و72 هدفاً هذا الموسم وحده، و84 هدفاً بقميص منتخب إنجلترا.
ويظل هذا الثبات في التسجيل الغزير على مدى سنوات أمراً استثنائياً.
جاهزية بدنية وثقة تصنع الفارقوربما تكمن المفارقة البسيطة في أن هذه المباراة ظلت لفترة طويلة تمنح بعض المصداقية لفكرة أن كين، في هذه المرحلة من مسيرته، قد يفرض أحياناً بعض التحديات التكتيكية.
فلم يكن في أفضل حالاته من ناحية الحركة، وكانت هناك لحظات ارتدت فيها الكرة داخل منطقة الجزاء، لكن كين لم ينقض عليها بالطريقة التي تتوقعها من مهاجم يعيش على اقتناص الفرص.
ولم يكن أحد ليلومك لو اعتقدت أن الوقت قد حان للدفع بأولي واتكينز أو إيفان توني.
لكن توخيل شدد على أن فكرة استبدال كين لم تخطر بباله مطلقاً.
فهو يعرف تماماً ما يقدمه المهاجم، ويدرك أن مزاياه الأخرى ذات تأثير هائل.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ويدرك أن هذا يختلف عن كين الذي شارك في البطولات الأخيرة وواجه انتقادات مماثلة، ولا سيما في بطولة أوروبا 2024.
ويخوض اللاعب البالغ من العمر 32 سنة البطولة وهو في أفضل حالة بدنية له منذ كأس العالم 2018.
ويعبر زملاؤه باستمرار عن إعجابهم بانضباطه المذهل في العمل.
وقال مصدر لصحيفة" اندبندنت"، " المستوى الذي يقدمه في التدريبات لا يصدق".
وأضاف أحد المطلعين داخل المنتخب عشية انطلاق كأس العالم" للمرة الأولى نحصل على هاري كين جاهزاً بدنياً بالكامل في بطولة كبرى".
والآن نشاهد تماماً معنى ذلك.
إنه لاعب يملك الصلابة والقدرة على تقديم مثل هذا الأداء.
ولهذا تثق به في كل شيء تقريباً.
ولا يتعلق الأمر بالجوانب البدنية فقط، فهناك أيضاً الجانب الذهني.
فالثقة الراسخة التي امتلكها كين دائماً تعززت بعدما بدأ أخيراً في حصد الألقاب مع بايرن ميونيخ.
وهذا يغير اللاعب بالفعل، ومنح كين إحساساً أكثر اكتمالاً بذاته.
فالشكوك تتلاشى.
قيادة هادئة وطموح نحو لقب المونديالوقد بدا ذلك أيضاً في جانب آخر مهم من تأثيره.
فعندما كانت إنجلترا متأخرة بهدف لأكثر من ساعة، كان اللاعبون يدركون تماماً ما يعنيه ذلك.
وكان الحديث طوال المباراة يدور حول أن ما يحدث يذكر بكارثة إيسلندا، وربما بصورة أسوأ.
وكان كين واحداً من أربعة لاعبين فقط في هذه التشكيلة شاركوا أيضاً في ذلك اليوم الكارثي قبل 10 أعوام.
في ذلك الوقت، كان هدافاً يتطور باستمرار، لكنه لم يكن قد بلغ كامل نضجه بعد.
أما الآن فقد ارتقى إلى مستوى آخر كلاعب متكامل، ويعود جزء من ذلك إلى ذكائه الكروي وقدرته على توظيف خبراته بالشكل الأمثل.
كان كين يعرف أن عليه الحفاظ على هدوئه.
فقد مر بمثل هذه المواقف من قبل، على عكس كثير من زملائه الشبان.
وباستثناء الفوز (2 - 1) على سلوفاكيا في بطولة أوروبا 2024، لم تعش إنجلترا شيئاً مماثلاً طوال السنوات الـ10 الماضية.
وكان من الممكن أن ينهار الفريق.
وقد ظهرت بوادر ذلك خلال أول 22 دقيقة، قبل استراحة شرب المياه، إذ فشل اللاعبون في السيطرة على الكرة بالشكل الصحيح، ومرروا كرات خاطئة، وتركوا الكرة تفلت من تحت أقدامهم.
أما كين، بصفته القائد، فكان من بين قلة بثت الهدوء في الفريق، وطالب الجميع بالحفاظ على تركيزهم.
وبعد المباراة حرص أيضاً على أن يطلب منهم الاستمتاع بهذه اللحظة.
صحيح أن الفريق كان على بعد خطوات من كارثة، لكن لا جدوى من التوقف عند ذلك.
ففي أوقات الشدائد تتشكل الروح، ويصبح التركيز أكثر حدة.
ولدى كين دافع إضافي خاص به.
فإذا كان تركيزه منصباً بطبيعته على قيادة إنجلترا إلى الفوز بكأس العالم، فإنه يدرك أيضاً الصورة الأوسع.
وأوضح توخيل بعد المباراة أن لاعبين مثل كين يراقبون ما يفعله أقرانهم، وكيف يسجل كيليان مبابي، وكيف يسجل إيرلينغ هالاند.
ولا شك أن روح التنافس تدفعهم، لكن الأمر يتجاوز ذلك.
وأضاف توخيل" إنهم جميعاً أسماك قرش.
يشمون رائحة الدم، ثم يسجلون.
إنهم أسماك قرش".
ولا يكتفي كين بجلب هذه العقلية إلى منتخب إنجلترا، بل يحسم بها المباريات أيضاً، ويقود بها مشوار إنجلترا في كأس العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك