يعيش أهالي بلدة بيت أمر، شمال الخليل، جنوبي الضفة الغربية، مفارقةً موجعة مع حلول موسم قطاف ورق العنب (الدوالي).
فبينما تتدلى الأوراق الخضراء من الكروم إيذانا ببدء الموسم، تغمر مياه الصرف الصحي الآسنة مساحات واسعة منها، وتفوح الروائح الكريهة، فيما تنتشر الحشرات في كل مكان.
وبحسب تقديرات الأهالي، تصل المياه العادمة، بدرجات متفاوتة، إلى أكثر من 200 دونم من الأراضي الزراعية في منطقة وادي شخيت، الواقعة على مستوى منخفض عن برك تجميع المياه العادمة ومحطة المعالجة التابعة لتجمع مستوطنات غوش عتصيون.
وتحوّلت أراضٍ خصبة لطالما شكّلت مصدر رزق رئيسيا لأهالي بيت أمر إلى بقع زراعية يتهددها التلوث، وبات العنب الفلسطيني فيها يعدم ببطء بسبب موقعها الجغرافي.
وتعود مشكلة تصريف المياه العادمة نحو كروم العنب، بحسب الأهالي، إلى نحو عشرين عامًا، إلا أنها ازدادت خطورة خلال السنوات الأخيرة مع ارتفاع كميات المياه المتدفقة وتكرار ضخها إلى الأراضي الزراعية على فترات متقاربة، ما يصعّب على المزارعين الحد من آثارها أو إنقاذ محاصيلهم.
وتفاقمت معاناة المزارعين منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ مُنعوا من الوصول إلى نحو نصف الأراضي الزراعية في منطقة وادي شخيت.
يلخّص جلال صبارنة، في حديثه لـ" العربي الجديد"، معاناته مع تلوث كروم العنب بالمياه العادمة قائلا: " أقضي وقتي في المنزل، ولم تعد لديّ القدرة على الذهاب إلى الأرض.
أذهب إليها، لكنني لا أستطيع دخولها بسبب المياه العادمة.
يأكلني القهر في كل مرة أعود فيها إلى المنزل، وكلما ظننت أن المياه ستجف قليلًا، يعيدون ضخها من جديد".
ويمتلك صبارنة أربعة دونمات من كروم العنب، ورث نصفها عن والده وجده، فيما اشترى النصف الآخر وزرعه بالعنب ليصبح مصدر رزقه الأساسي، ويقول إن كرومه تنتج أجود أنواع ورق العنب، المعروف محليًا بـ" البلوطي"، والذي تعتمد عليه أسرته في تأمين دخلها من بداية مايو/أيار حتى أغسطس/آب، قبل أن يبدأ موسم جني وبيع ثمار العنب.
ويقول صبارنة إن المستوطنين اعتادوا، على مدى سنوات، تصريف المياه العادمة نحو كروم العنب تزامنا مع موسم قطاف ورق العنب.
ورغم تكرار ذلك في الأعوام الماضية، فإن المزارعين كانوا قادرين، إلى حد ما، على احتواء الأضرار، نظرا إلى محدودية كميات المياه التي كانت تُضخ مرة أو مرتين خلال الموسم.
أما هذا العام، فقد تفاقمت المشكلة بصورة غير مسبوقة، إذ أدت الكميات الكبيرة من المياه إلى تجمعها داخل الحقول، وارتفاع منسوبها إلى نحو 80 سنتيمترا، ما حال دون تمكنه من الوصول إلى كرومه، سواء سيرا على الأقدام أو باستخدام الجرارات الزراعية.
ويخشى أن تترك الكميات الكبيرة من المياه العادمة آثارا مدمرة على أشجاره، مشيرا إلى أنه فقد بالفعل خمس أشجار من الكرز واللوز والإجاص، ويخاف أن تلقى كروم العنب المصير ذاته، وهي التي تمثل مصدر الرزق الأساسي له ولأسرته.
أما المزارع إبراهيم عودة (73 عامًا)، فتبدو معاناته أكثر تعقيدا؛ فمنذ عامين يواجه تضييقا متصاعدا، بعدما جرفت قوات الاحتلال جزءا من أرضه، ثم منعته لاحقا من الوصول إليها بحجة قربها من المستوطنة، ويقول لـ" العربي الجديد" إن الأوضاع ازدادت سوءًا منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، إذ بات كل مزارع يحاول الوصول إلى أرضه في المنطقة معرضا للاعتداءات.
وفي السابق كان عودة يسارع إلى أرضه فور بدء تدفق المياه العادمة ليشق قنوات في التربة تُحوّل مسارها بعيدًا عن الأشجار وتحول دون غمرها.
لكن منذ مُنع من الوصول إلى أرضه، بات عاجزًا عن اتخاذ أي إجراء لحماية كرومه، الأمر الذي يفاقم المخاطر التي تهدد الأشجار بالتلف.
من جانبه، يوضح المهندس الزراعي شادي صبارنة، وهو أحد أصحاب الأراضي الزراعية المعزولة في المنطقة، لـ" العربي الجديد"، الآثار الخطيرة لتدفق المياه العادمة على المحاصيل الزراعية، ولا سيما كروم العنب وورق العنب (الدوالي)، ويقول إن المياه العادمة ترفع نسبة الملوحة في التربة إلى مستويات قد تكون مدمرة للمزروعات، موضحا أن الرطوبة العالية والمياه الراكدة توفر بيئة مثالية لانتشار الأمراض الفطرية، مثل البياض الدقيقي، والبياض الزغبي، والعفن، إلى جانب أمراض نباتية أخرى.
ويضيف أن المنطقة أصبحت تعاني أيضا انتشارا كثيفا للبعوض بأعداد كبيرة شبّهها بأسراب الجراد.
ويؤكد شادي أن توقيت تدفق المياه العادمة حساس جدا، إذ يتزامن مع بداية موسم قطاف ورق العنب (الدوالي)، الذي يبلغ سعر الكيلوغرام الواحد منه نحو 25 شيكلا (قرابة ثمانية دولارات).
ويوضح أن هذه المياه تتسبب في تجعد الأوراق وظهور تقرحات وتغير لونها، وحتى إذا تمكن المزارع من قطفها، فإن مظهرها، إلى جانب مخاوف المستهلكين من آثارها الصحية، يحولان دون تسويقها أو بيعها.
من جانبه، يقول المهندس الزراعي في مديرية زراعة شمال الخليل حليم أبو ماريا، لـ" العربي الجديد": " إن المياه العادمة محملة بالكبريتات وملوثات أخرى تتسبب في تعفن الجذور، وبالتالي تلف الأشجار، خاصة أن أشجار العنب حساسة ولها شروط زراعية مختلفة عن الأشجار الأخرى".
ووفقا لأبو ماريا، فإن ارتفاع منسوب المياه العادمة إلى 50 سنتيمترا أو أكثر يحول دون تنفيذ أعمال العناية الدورية بالأشجار، إذ تتوقف عمليات الحراثة والتقليم وسائر الإجراءات الزراعية الضرورية للحفاظ على صحة الأشجار وإنتاجها.
وإذا كانت المياه العادمة تمثل الاعتداء الأكثر وضوحا على الأراضي الزراعية في بيت أمر، فإنها ليست سوى وجه من وجوه معاناة المزارعين، الذين يواجهون قيودا متراكمة تستهدف قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم وزراعتها.
ويقول إبراهيم عودة إنه، من أصل 18 دونما يملكها، لم يعد قادرا على الوصول إلا إلى دونمين فقط.
ويضيف أن أربعة دونمات تقع بمحاذاة مستوطنة" كرمي تسور" أُحرقت أشجار الزيتون والإجاص المزروعة فيها على يد مستوطنين قبل أربع سنوات، ومنذ ذلك الحين مُنع من الوصول إليها.
كما حُرم من الوصول إلى ثمانية دونمات أخرى مزروعة بكروم العنب بين بلدتي بيت أمر وحلحول، بعدما أزال مستوطنون الأسلاك الشائكة المحيطة بها، فضلا عن قطعة أرض أخرى تقع بالقرب من تجمع مستوطنات" غوش عتصيون".
ويؤكد عودة أن ما يعيشه لا يختلف كثيرا عن واقع غالبية مزارعي بيت أمر.
استهداف عشرات الآلاف من الدونماتولا تمثل بيت أمر سوى نموذج مصغر لما يواجهه مزارعو العنب في مختلف أنحاء الضفة الغربية.
إذ تُظهر بيانات صادرة عن وزارة الزراعة الفلسطينية، حصل عليها" العربي الجديد"، أن نحو 30 ألف دونم مزروعة بالعنب تعرضت لأشكال مختلفة من الانتهاكات، شملت المصادرة، والاقتلاع، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وقطع الطرق الزراعية، واعتداءات المستوطنين، ولا سيما المرتبطة بالاستيطان الرعوي، فضلا عن عزل مساحات واسعة خلف جدار الفصل العنصري.
وتتوزع هذه الأراضي على محافظات الخليل، وضواحي القدس، وبيت لحم، وطوباس والأغوار، ورام الله، ونابلس.
وفي تعليقه على هذه الأرقام وحجم الاعتداءات، يؤكد الناطق باسم وزارة الزراعة الفلسطينية محمود فطافطة، في حديثه لـ" العربي الجديد"، أن الأرقام المسجلة تظهر ارتفاعا متواصلا في حجم الأضرار التي تلحق بالقطاع الزراعي، بما في ذلك محصول العنب.
ويوضح فطافطة أن مناطق جنوب الضفة الغربية تُعد من أكثر المناطق استهدافا، لكونها تمثل حاضنة إنتاج العنب في فلسطين، ويشير إلى أن كثيرا من الحقول وكروم العنب تقع بمحاذاة المستوطنات والطرق الالتفافية، ما يجعلها عرضة بصورة متكررة لاعتداءات الاحتلال.
ويضيف أن عددا من البؤر الاستيطانية أُقيم داخل الأراضي الزراعية، فيما تعرضت بساتين عديدة للتجريف، كما تستهدف الاعتداءات معظم كروم العنب الواقعة على جانبي الطرق.
ويؤكد أن العام الحالي كان من أصعب الأعوام التي مرت على مزارعي العنب.
ورغم هذه الظروف الصعبة، يؤكد فطافطة أن العنب الفلسطيني ما زال يتمتع بقدرة تنافسية عالية أمام المنتج الإسرائيلي، بفضل جودته وإقبال المستهلكين عليه، ويشير إلى أن وزارة الزراعة لا تمنح تصاريح لاستيراد العنب الإسرائيلي حفاظا على المنتج المحلي، لكنه لا ينفي وقوع بعض حالات التهريب يقف وراءها، بحسب تعبيره، " بعض ضعاف النفوس".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك