تصنيف هوية الدولة الإسرائيلية وطبيعتها من القضايا الشائكة؛ إذ يعد اعتبار إسرائيل دولة دينية فقط أو علمانية فحسب تسطيحاً لتعقيدات تأسيس الدولة وتطورها وتفاعل القوى داخلها ودور الدين في السلطة، كما أن النظرة إليها بوصفها دولة ديمقراطية استناداً إلى معطيات العمليات الانتخابية فحسب تنفي حقيقة شدّة الاستقطاب الذي تغذّيه الصراعات السياسية والأمنية، وتنفي معها تهميش قطاعات واسعة من السكان أو الانتقاص من حقوق المواطنة الكاملة، مثلما يحدُث لعرب الداخل، أو ليهود الفلاشا، أو حتى لليهود من الأصول الشرقية، وإنْ بدرجاتٍ متفاوتة.
ويظهر هذا التعقيد أوضح ما يكون إذا ما عدنا إلى مشاهد التأسيس؛ حين وظف قادة الصهيونية العلمانيون فكرة دينية من أجل إقامة الدولة، وكذلك حين جرى تحويل اليهودية من ديانة إلى قومية، وجعلها قانوناً أساسيّاً توصف به إسرائيل بـ" الدولة اليهودية".
وتبدو هذه العلاقة المركّبة أكثر وضوحاً في التفاعل بين ثلاثة فواعل: المعبد والهوية والانتخابات، حيث يشكّل الأول فضاء رمزياً، والثاني إطاراً جامعاً، بينما يمثل الثالث المجال الذي تتجلى فيه تلك الهوية سياسياً.
يتأكد هذا المعنى أيضا حين نعود إلى الإحصاءات الاجتماعية واستطلاعات الرأي والديموغرافيا وغيرها.
في هذا السياق، تكشف دراسة بعنوان" تحليل بيانات رواد المعابد في إسرائيل"، نشرها المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في سبتمبر/ أيلول الماضي، عن تفاصيل لافتة تظهر إلى أي مدى تتداخل العناصر الدينية والعلمانية في صناعة المشهد في إسرائيل.
وحسب الدراسة؛ 61% من عموم اليهود الإسرائيليين يحضرون الصلوات والمناسبات الدينية في المعابد الأرثوذكسية مرّة واحدة سنوياً على الأقل، مقابل 14% فقط يحضرونها في معبد إصلاحي أو محافظ.
وتعود هذه الفوارق الكبيرة إلى أن الولايات المتحدة هي مركز ثقل اليهودية الإصلاحية والمحافظة وجمهورهما، وإلى أن الوجودين، الإصلاحي والمحافظ، في إسرائيل أقرب إلى الوجود الرمزي (حوالي 7% فقط من اليهود الإسرائيليين) مقارنة باليهودية الأرثوذكسية التي تسيطر على المؤسّسات الدينية في إسرائيل التي تعد مركز ثقلها الأساسي، ويمثل جمهورها حوالي 45% من اليهود فيها، فضلا عن طبيعة التدين وشكله ومفهومه لدى كل مذهب.
تفيد الدراسة كذلك بأن أكثر من 95% من الحريديم والتيار الديني القومي، و76% من اليهود التقليديين، و31% من اليهود العلمانيين يحضرون المناسبات الدينية في المعابد الأرثوذكسية مرّة أو مرّتين سنوياً على الأقل، بينما يختلف الوضع في المعابد الإصلاحية والمحافظة، والتي يرتادها اليهود التقليديون بنسبة 22%، واليهود العلمانيون بنسبة 15% مرّة أو مرّتين سنويا.
وتبرهن هذه الأرقام على أن المعبد بالنسبة للمتديّنين، خصوصا الحريديم والتيار الديني القومي، يمثل وسيلة ترابط قوية ما يجعل عملية التصويت في الانتخابات تصويت كتلةٍ منسجمةٍ لديها هدف واحد لكل فئة من الفئتين، وهو ما لا يمتلكه العلمانيون.
تتعلق النقطة الأهم في الدراسة بارتفاع كبير في نسبة ناخبي أحزاب الائتلاف الحاكم الذين يرتادون المعابد الأرثوذكسية مرّة أو مرّتين سنويا على الأقل مقارنة بمؤيدي أحزاب المعارضة، فتزيد نسبة ناخبي الأحزاب الدينية الحريدية والتيار الديني القومي عن 85%، مقابل 62% من ناخبي حزب الليكود، و55% من ناخبي معسكر الدولة (بزعامة بني غانتس)، و45% من ناخبي حزب إسرائيل بيتنا (بزعامة أفيغادور ليبرمان)، و43% من ناخبي حزب العمل (بزعامة يئير غولان)، و37% من ناخبي حزب يوجد مستقبل (بزعامة يئير لبيد).
لكن ارتياد المعابد غير الأرثوذكسية، الإصلاحية أو المحافظة، أكثر شيوعا بين ناخبي المعارضة (ربع ناخبي حزب العمل، وخمس ناخبي أحزاب يوجد مستقبل وإسرائيل بيتنا ومعسكر الدولة) مقابل 14% فقط من ناخبي الليكود، و10% من ناخبي شاس والتيار الديني القومي، مع الانتباه إلى اختلاف الوزن النسبي بين ناخبي حزب وآخر.
نموذج هجين تتداخل فيه القومية مع الدين، وتصبح فيه العلاقة بالدين والانتماء الديني عنصراً مؤثراً في السياسة الإسرائيليةوإذا تركنا لغة الأرقام التي تكشفها الدراسة إلى المعاني، فإن الدلالة الأهم ليست في ارتفاع مستوى التديّن أو انخفاضه، بل في طبيعة العلاقة بين التدين والهوية السياسية.
صحيحٌ أن الذهاب وحده إلى الكنيس لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى التدين، فكثيراً ما يكون ارتياد المعابد مجرّد مجاملة اجتماعية في مناسبات اعتيادية كالختان والبلوغ والزواج، أو الاحتفال بالأعياد.
لكن هذا لا ينفي، في الوقت نفسه، الحرص على عدم الخروج من المجال الرمزي للدين، حتى في ظل عدم الالتزام بالممارسة الدينية اليومية.
ومن ثم لا يصبح المعبد مكان عبادة فحسب، بل مساحة هوية مشتركة، يتم استدعاؤها في أوقات محدّدة، ثم تنسحب إلى الخلفية من دون أن تختفي.
وهذا يفسّر أن العلمانيين أنفسهم، وإن لم يعرّفوا حياتهم على أساس ديني، يظلون جزءاً من عملية طقسية دينية موسمية تعيد ربطهم بالهوية الجماعية.
في هذا المعنى تحديداً، كان مدير معهد سياسات الشعب اليهودي، شُوكي فريدمان، أكّد أن الإسرائيليين أكثر حرصاً على التقاليد الدينية مما يظن كثيرون، وأن السياسيين العلمانيين الذين قادوا الدولة عند تأسيسها وفشلوا في وضع دستور لها بسبب الصراع مع الجماعات الدينية، أصبح ورثتهم أكثر قبولاً للهوية اليهودية بمعناها الديني وليس القومي فقط، حتى إن نسبة كبيرة ممن يعرّفون أنفسهم علمانيين، ويمثلون 43% من إجمالي اليهود الإسرائيليين، ينظرون إلى التقاليد اليهودية نظرة إيجابية، ويؤدّون شعائر دينية صريحة كالصيام في يوم الغفران والزواج وفق الطقوس الحاخامية، وتلاوة النصوص الدينية يوم السبت، والامتناع عن الطعام المخالف للشريعة اليهودية" الكوشير".
يضاف إلى هذا أن معظم قادة الأحزاب السياسية الإسرائيلية، بما فيها العلمانية، يعرّفون أنفسهم علنا بأنهم تقليديون، ويؤكدون أن الممارسات الدينية اليهودية جزء من حياتهم.
وهذا يعني أن المسألة لا تتعلق فقط بالسلوك الديني، بل بالبنية العميقة للعلاقة بين الهوية والسياسة في إسرائيل، وأن النموذج التقليدي الذي يقسم المجتمع إلى متدينين وعلمانيين لا يصمد أمام هذه الوقائع.
ومن ثم لا يصبح الدين خطّاً فاصلاً بين مجتمعين، علماني وديني، بل مساحة يتشاركها الجميع بدرجاتٍ متفاوتة، فإن لم يجعلوه نظام حياة صارماً، أبقوه مرجعية رمزية على الأقل.
ووفق باحثين في معهد الديمقراطية الإسرائيلي، هذه البنية المركبة تجعل من إسرائيل حالة غريبة، إذ لا يمكن تصنيفها بسهولة ضمن نماذج الدولة الدينية لأنها ليست دينية بالمعنى التقليدي.
وفي الوقت نفسه، يصعب اعتبارها دولة علمانية بالمعنى الغربي الصارم.
بل هي نموذج هجين تتداخل فيه القومية مع الدين، وتصبح فيه العلاقة بالدين والانتماء الديني عنصراً مؤثراً في السياسة الإسرائيلية.
معظم قادة الأحزاب السياسية الإسرائيلية، بما فيها العلمانية، يعرّفون أنفسهم علنا بأنهم تقليديونتتضح الصورة أكثر حينما ينتقل التحليل من إحصاءات رواد المعابد إلى صناديق الاقتراع؛ إذ يحقق الحريديم مثلا حضورا سياسيا يفوق وزنهم الديموغرافي في كثير من الأحيان.
ولا يتعلق الأمر هنا بعدد المقاعد التي تحصل عليها أحزابهم فحسب، والتي تبدو في الانتخابات الأخيرة قريبة من نسبة تمثيلهم في المجتمع (يشكل الحريديم ما بين 12-13% من سكان إسرائيل وحصلوا على 16 مقعدا، أي 13.
3% من مقاعد الكنيست)، بل يأتي من ثلاثة عناصر متداخلة: الانضباط الانتخابي العالي، والتصويت المرتفع لهم بما هم كتلة، وطبيعة النظام السياسي القائم على التمثيل النسبي الذي يجعل كل مقعد ثمينا في معادلة الائتلافات، بل ويمنحهم القدرة على حل الحكومات التي يشاركون فيها، والذي تكرر في أكثر من مناسبة.
يضاف إلى ذلك أن تصورهم عن الدولة، وطبيعتهم غير الاندماجية، والحرص على مصالحهم الفئوية كالتعليم الحريدي، ودعم المعاهد الدينية، والحصول على المعونات الاجتماعية، والإعفاء من التجنيد، تجعلهم مستعدين للتعاون مع جميع التيارات في اليمين أو اليسار شريطة تحقيق مصالحهم.
وهكذا تصبح العلاقة بين الحريديم والدولة معقدة؛ فبينما يشارك ممثلوهم في الحكومات ويستفيدون من مؤسسات الدولة، فإن جزءا من خطابهم الداخلي يتعامل معها، أي الدولة، بوصفها إطارا عمليا لإدارة الحياة، لا مشروعا أيديولوجيا يجب تبنيه بالكامل، وهو ما يصفه باحثون بأنه" مواطنة وظيفية" مقابل المواطنة الاندماجية، حيث يشارك الفرد في النظام من دون أن يذوب فيه بالكامل، ويعطي الانتماءين، الديني والجماعي، الأولوية على الالتزام المدني الكامل، وهو ما يُحدث توتّراً دائما بين الرؤيتين، الليبرالية التي تدفع نحو المساواة في تحمل الأعباء والحريدية التي ترى الحفاظ على نمط الحياة الديني، في حد ذاته، مساهمة في هوية الشعب اليهودي واستمراريته.
وهذا كله يجعل من الحريديم تحديداً حالة سياسية فريدة، فهم ليسوا كتلة انتخابية ضخمة، لكنهم كتلة مضمونة في معظم الأحيان، تعرف وجهتها الانتخابية مسبقاً، وتتحرّك بوصفها جسما واحدا تقريبا، في مقابل حالة التشتت التي تعانيها الأحزاب العلمانية والليبرالية.
وهكذا يتضح أن العلاقة بين المعبد والهوية والانتخابات في إسرائيل ليست بين ثلاثة مجالات منفصلة، بل شبكة واحدة تتكرّر فيها التوترات بين الفرد والجماعة، وبين الدين والدولة، وبين الهوية الرمزية والاختيار السياسي.
وفي هذه الشبكة تحديداً، تتشكّل إسرائيل التي تظهر في المسافة التي تربط بين المعبد والدولة، أو بين الكنيس والكنيست.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك