تواجه المؤسسة العسكرية في لبنان ضغوطاً غير مسبوقة داخلية وخارجية من أجل تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة، والتشدّد مع حزب الله ولو تطلّب ذلك المواجهة الميدانية، وسط تصاعد الدعوات لإقالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وحلّ الجيش برمّته، باعتبار أنه لم ينفذ المهمة التي أوكلت إليه في قطاع جنوب نهر الليطاني، ولن يكون على قدر القرارات" الجريئة" التي تتطلبها المرحلة المقبلة.
وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرّض فيها الجيش اللبناني لحملات، سواء من قوى سياسية لبنانية، أو لوبيهات لبنانية في واشنطن، أو أعضاء من الكونغرس الأميركي، الأمر الذي دفع هيكل في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إلى إلغاء زيارة له كانت مقرّرة إلى الولايات المتحدة، قبل أن يستأنفها لاحقاً، إلّا أن منسوب الهجمة أخذ بالارتفاع في الفترة الماضية، بأشكال مختلفة، بهدف الضغط عليه، سواء بشمل أحد ضباطه بعقوبات الخزانة الأميركية في مايو/أيار الماضي، أو بالدعوات إلى إحداث تغييرات في مواقعه، بهدف إبعاد وإخراج من" يعتبرون مقرّبين من حزب الله"، عدا عن الطروحات الأميركية بإنشاء وحدات خاصة في الجيش لمواجهة الحزب.
وتعرّض الجيش اللبناني لحملات عدّة في لبنان من قبل سياسيين وناشطين معارضين لحزب الله، منتقدين أداءه في حلّ مسألة السلاح، والتهاون مع حزب الله، إضافة إلى انسحابه من الصورة التي اتخذت في واشنطن لجلسة المفاوضات، في خطوة اعتبرها المنتقدون خروجاً عن القرار السياسي، مجدّدين الدعوة لإقالته.
إسرائيلياً وإلى جانب الاعتداءات التي طاولت الجيش اللبناني خلال الحرب، وأسفرت عن سقوط عددٍ من الشهداء والجرحى في صفوفه، تواصل إسرائيل من خلال تصريحات مسؤوليها الزعم أن الجيش اللبناني يضمّ أفراداً من الطائفة الشيعية لا يرغبون بمواجهة حزب الله، داعية إلى تغييرهم، والضغط باتجاه وضع الجيش في مواجهة عناصر حزب الله، وتنفيذ عمليات تفتيش ومداهمة بالقوة.
وسارع المسؤولون اللبنانيون من خلال تصريحات عدّة في الأيام القليلة الماضية، إلى تأكيد دعمهم للمؤسسة العسكرية وقائدها، ونفي أي خبر متصل بوجود نيات لإقالة هيكل، إذ شدد الرئيس جوزاف عون على أن ما من أحد يشكك بدور الجيش في تحمّل مسؤولياته كاملة في تحقيق الأمن والاستقرار في الجنوب بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، فيما حذّر رئيس البرلمان نبيه بري من أن إسرائيل تسعى إلى جرّ الجيش اللبناني للاشتباك مع المقاومة، مؤكداً أن هذا الأمر لن يحصل.
ووصف بري اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل الذي وقّع في واشنطن يوم 26 يونيو/حزيران الماضي بـ" الفتنة".
وبحسب معلومات" العربي الجديد"، فإنّ بري حذّر أمام زوّاره وخلال مشاوراته من مخاطر المسّ بالمؤسسة العسكرية، أو بأي من أفرادها، مؤكداً أن حماية السلم الأهلي أولوية، وأن الجيش لن ينجرّ إلى أي محاولات لوضعه في مواجهة الناس على الأرض، مشدداً كذلك على أن هذه المرحلة تتطلب دعم الجيش لا مهاجمته وشنّ حملات عليه.
واستقبل بري هيكل، اليوم الجمعة، في لقاء تناول آخر المستجدات، لا سيما الأمنية منها، في ضوء مواصلة اسرائيل اعتداءاتها وخرقها لوقف إطلاق النار، إضافة لأوضاع المؤسسة العسكرية، وفق مكتب بري الإعلامي.
وأشار مصدر مقرّب من بري، متحدثاً لـ" العربي الجديد"، إلى أن" المؤسسة العسكرية خطّ أحمر ولا يجوز المساس بها، وقائد الجيش ينال منّا كل الدعم، وهو يقوم بواجبه وكلنا ثقة به وبأدائه"، لافتاً إلى أن" إسرائيل تحاول وضع الجيش بمواجهة بيئة المقاومة، وهذا الأمر لن يحصل ولن نسمح بحصوله".
من جانبه، قال مصدر عسكري لبناني لـ" العربي الجديد"، إن" الحملات على الجيش باتت شبه يومية، وللأسف سواء يعلمون بذلك أم لا، فإن مطلقيها من لبنان يخدمون بذلك العدو الإسرائيلي"، مشيراً إلى أن" أولوية الجيش معروفة، وركائزه واضحة لناحية السلم الأهلي والوحدة الوطنية، وضرورة مواجهة كل ما من شأنه أن يزعزع الاستقرار الداخلي".
وأشار المصدر إلى" اتهامات عدة تطاول المؤسسة، منها طائفية وحزبية ومناطقية، لكن كل ذلك لن يثنيها عن أداء واجبها ومهامها الوطنية"، مشدداً على أنه" لا تفرقة في الجيش بين عنصر وآخر، وبين طائفة وأخرى، فالكلّ أبناء المؤسسة العسكرية، وفي خدمتها وخدمة الوطن، وولاؤهم فقط للمؤسسة، وقد سقط بينهم العديد من الشهداء والجرحى".
وتابع أن" ثبات الجيش أساسي لضمان استقرار البلد ومستقبله".
وفي معرض الردّ على الاتهامات بأن الجيش لم ينفذ مهمته في جنوب الليطاني، قال المصدر إن" الجيش اللبناني أنجز جهوداً جبّارة في إطار تطبيق خطة حصر السلاح بمرحلتها الأولى، ونال ترحيباً واشادة عربية ودولية على عملياته، وذلك رغم كل العوائق والتحديات، منها استمرار إسرائيل باحتلالها تلال خمس (قبل عدوان 2 مارس/ آذار)، ومواصلة اعتداءاتها على الجنوب، وعلى مراكز وعناصر في الجيش اللبناني، وانتهاكها اليومي لاتفاق نوفمبر/ تشرين الثاني 2024"، مضيفاً" واليوم إسرائيل تحاول أيضاً عدم الالتزام بالاتفاق، ولم تنسحب حتى الساعة من أي منطقة تحتلها في الجنوب حتى يدخلها الجيش اللبناني وينتشر فيها".
ونفى المصدر ما يشاع عن استبعاد ضباط شيعة من مواقعهم، مؤكداً أن لا تفرقة بين الضباط والعناصر، وأي تغيير يحصل يكون في إطار إعادة الهيكلة، مؤكداً في المقابل أن الجيش اللبناني لا يزال يحظى بالدعم الخارجي وخاصة الأميركي، و" المساعدات لم تتوقف، لا بل هناك وعود بزيادتها، وهذا مطلب أساسي أيضاً عند لبنان حتى يقوم الجيش بمهامه بالشكل اللازم".
وشدد المصدر على أن التنسيق قائم ومستمرّ بين هيكل والرؤساء عون وسلام وبري، وجولات المفاوضات حصلت بمواكبة وتنسيق بين عون وهيكل من قصر بعبدا، مضيفاً أن قائد الجيش لا يعير اهتماماً لكل هذه الحملات، وهو ماض بتنفيذ مهامه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك