منذ أيام قلائل وفي غمرة النشاط الثقافي الذي يعيشه الفضاء العام، تزامناً مع الاحتفالات المخلدة لعيد الاستقلال (05 جويلية 1962/2026)، قادتني جولة استكشافية مطولة بين مكتبات العاصمة الجزائرية، بحثاً عن أثر الثورة في الفكر العالمي المكتوب بالإنجليزية.
بدأتُ من مكتبة العالم الثالث الرابضة بساحة الأمير عبد القادر، وصولاً إلى المكتبة المتخصصة في الكتب الإنجليزية بحي حسين داي ومكتبات أخرى، وكان الذهول سيد الموقف، فلم أجد في تلك الحواضن الثقافية أي كتاب يوثق تاريخ الجزائر باللغة الإنجليزية، وبالكاد عثرتُ على نسخة يتيمة وفريدة لكتاب بعنوان Problems in currentlocations of postcolonial theory، أحضره مؤلفه -وهو ناقد وروائي جزائري مقيم في بريطانيا- بنفسه ليبيعه صاحب المكتبة القريبة من البريد المركزي.
لقد تحولت هذه النسخة اليتيمة، وتلك الرحلة بين المكتبات، من مجرد تجربة شخصية إلى إثارة معرفية وتأكيد حسي على وجود قصور جمعي في الانفتاح على العالم الأنجلو-أمريكي، ومن رحم هذه المفارقة – أن تُدرس الثورة الجزائرية كأيقونة في كبريات الجامعات العالمية، بينما نفتقر لأدبياتها بالإنجليزية في قلب عاصمتها- تولّد الدافع لخط هذه السطور، بهدف تفكيك السرديات التاريخية واستكشاف كيف ينظر العالم الأنجلو-أمريكي لثورتنا.
في الواقع ينطلق المناضل والزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا (Nelson Mandela) من رؤيته العميقة لجدلية الهيمنة وتزييف التاريخ حين يقول: المستعمر لا يكتفي بالسيطرة على الحاضر والمستقبل، بل يحاول دائماً إعادة كتابة التاريخ لشرعنة وجوده (The oppressor not onlycontrols the present and future, but also tries to rewrite history to legitimizetheir existence).
وهي المقاربة الصارمة التي تفكك عمق ما دار فيه التاريخ الجزائري لعقود طويلة، وخاصة تاريخ الثورة التحريرية، حيث خضعت السردية الفرنسية لسطوة الخطاب الرسمي المقيد بعقدة الرجل الأبيض (White Man Burden)، مما جعل الخطاب التاريخي الفرنسي، يقع تحت تأثير الرواية الرسمية، ويظهر هذا التأثر جلياً لدى مؤرخين فرنسيين مثل المؤرخ هوبير ميتيل (Hubert Myteil) الذي غلّب في أطروحاته المبكرة الطابع التمديني للاستعمار، والمؤرخ غي بيرفيّيه (Guy Pervillé) الذي ظل خطابه متأثراً بالرؤية المركزية الفرنسية، التي تجد صعوبة في التخلي عن الإرث الاستعماري، بالإضافة إلى كتابات المؤرخ والسياسي جاك سوستيل (Jacques Soustelle) الذي زاوج بين العمل السياسي والتأريخ مبرراً الفظائع الاستعمارية بذريعة مكافحة الإرهاب والتمرد.
تؤشر هذه النماذج إلى أن الفضاء التاريخي الفرنسي في عمومه يتصف بعجز بنيوي عن الإنصاف التاريخي، ويظهر ذلك جليا في سلسلة الالتفافات الاصطلاحية انطلاقا من الإصرار الرسمي والأكاديمي الطويل على وصف الحرب التحريرية بمجرد عمليات حفظ النظام (Operations for theMaintenance of Order) أو أحداث الجزائر لإنكار صبغتها الدولية والتحررية، ولم يكن قرار البرلمان الفرنسي في أكتوبر 1999 بالاعتراف بمصطلح حرب الجزائرسوى حلقة أخرى ضمن هذه السلسلة من الالتفافات والمناورات الاصطلاحية، إذ جاء هذا التوصيف المتأخر ليمتص الضغط التاريخي ويحصر الصراع في بعده العسكري التقني، متهرباً من مسمى الثورة وما يترتب عليه من مسؤولية جنائية وأخلاقية، وهو الالتفاف الممنهج الذي مهد الأرضية سياسياً وتشريعياً لصدور قرار البرلمان الفرنسي في23 فبراير 2005، الذي توّج هذه السلسلة بالمأسسة لـتمجيد الاستعمار عبر مادته الرابعة التي ألزمت المناهج التعليمية بالتنويه بالدور الإيجابي للوجود الفرنسي في شمال إفريقيا، في محاولة تشريعية مفضوحة لتبييض الذاكرة وتبرير الفظائع كالتعذيب الممنهج والمجازر تحت ضغط عقدة الذنب ومرارة خسارة الجزائر التي كانت تُعتبر في سردياتهم جزءاً لا يتجزأ من التراب الفرنسي.
أمام هذا الانسداد البنيوي والانحياز العقائدي في الفضاء التاريخي الفرنسي، تبرز السردية التاريخية المكتوبة باللغة الإنجليزية كضرورة أكاديمية وتاريخية ملحة، وكنطاق عالمي بديل يمتلك القدرة على إنصاف تاريخ الجزائر.
وتكتسب هذه السردية مشروعيتها من طبيعة المدرسة التاريخية الأنجلو-أمريكية التي تميل تاريخياً إلى المدرسة التجريبية والوضعي (Empiricism and Positivism)، وهي مدرسة تدور أساساً حول قدسية الوثيقة والأرشيف، والتحليل البارد القائم على التقصي والمقارنة الشاملة بعيداً عن العواطف والأيديولوجيات القومية المباشرة.
كما أن المؤرخ الأنجلو-أمريكي يقف على مسافة جيوسياسية ونفسية متساوية من طرفين مختلفين، مما يتيح له تفكيك آليات الاستعمار براديكالية وعلمية صارمة.
وتتجلى قوة السردية الأنجلو- أمريكية في كفاءتها العالية على الجمع بين ركيزتين أساسيتين: عبقرية التعامل الصارم مع الأرشيف، والتفكيك الجريء لـعقدة الرجل الأبيض وهو ما يظهر بوضوح في أعمال المؤرخ البريطاني أليستير هورن (Alistair Horne) وكتابه العمدة حرب ضارية من أجل السلامSavage War of Peace)، إذ لم يكتفِ هورن بالوثائق الرسمية، بل اعتمد على منهجية التثليثالتاريخي عبر المزج بين الأرشيف العسكري، ووثائق جبهة التحرير الوطني، والشهادات الشفوية الحية لصناع القرار من الطرفين، ليسقط بذلك ورقة التوت عن أطروح البعثة التمدينية، ويؤكد أن الفظائع الفرنسية كالتعذيب الممنهج والمجازر الجماعية، كانت آلية بنيوية للنظام الاستعماري، وليست مجرد أخطاءفردية، ويتكامل هذا الطرح مع دراسات المؤرخ الأمريكي ألكسندر هاريسون (Alexander Harrison) حول فظاعة منظمة الجيش السري (OAS)، إلى جانب جيل من المؤرخين الذين استخدموا مشرط الجراح لتشريح الأرشيفات السرية والمراسلات الدبلوماسية الدولية، كاشفين زيف الخداع السياسي الفرنسي على مسرح الأمم المتحدة، حيث مكنهم تحررهم الكامل من الإرث النفسي والسياسي لفرنسا من ممارسة تفكيك راديكالي للاستعمار باعتباره منظومة استعلائية عنيفة قامت على طمس هوية شعب.
ولا يقتصر هذا التميز الأكاديمي على جيل الرواد، بل يتعداه إلى جيل معاصر من الباحثين والباحثات في الفضاء الأنجلو-أمريكي الذين أحدثوا طفرة في التكثيف المعرفي لتاريخ الجزائر عبر تفكيك البنية الاستعمارية وتدويل أبعاد الثورة، إذ تقدم الباحثة جنيفر سيسيليان غيلبرت (Jennifer Sessions) فيكتابها بالسيف والمحراث (By Sword and Plow) تشريحاً وثائقياً صارماً يثبت أن البعثة التمدينية الفرنسية لم تكن سوى غطاء أيديولوجي لعملية استيطان عنيفة قامت على مصادرة الأراضي والتهجير القسري، وهو الطرح الذي يتكامل مع دراسة ديفيد بروشاسكا (David Prochaska)في دراسته صناعة الجزائر الفرنسية (Making Algeria French) التي فككت آليات الفصل العنصريوالتهميش الممنهج للمجتمع الجزائري الأصلي.
وعلى صعيد تدويل القضية الجزائرية، يبرز المؤرخ ماثيو كونلي (Matthew Connelly) في دراسته ثورة دبلوماسية (Diplomatic Revolution) مرتكزا على الأرشيف الدولي متعدد الأطراف، مثبتاً أن جبهة التحرير الوطني استطاعت هزيمة فرنسا على مسرح الأمم المتحدة وفي أروقة الرأي العام العالمي قبل الحسم العسكري.
كما حظي التاريخ الاجتماعي والنسوي بنصيب وافر من الإنصاف الأكاديمي في دراسات الباحثة ناتاليا فينس (Natalya Vince) في كتابها أخواتنا المناضلات (Our Fighting Sisters) الذي أعاد صياغة دور المجاهدات والفدائيات كعنصر بنيوي محرك للكفاح المسلح، مفككاً السردية الاستشراقية التي همشت المرأة الجزائرية، ليتوج هذا الزخم المعرفي بكتابات باحثين مثل روبرت مالي (Robert Malley) في دراسته النداء من الجزائر (The Call from Algeria)، والذي وضع الثورة في سياقها الفلسفي والكوني كقائدة لحركات التحرر في العالم الثالث وملهمة لقضايا مناهضة الإمبريالية، وهو ما جعل الدراسات المكتوبة بالإنجليزية أداة حقيقية لكسر الحصار وعولمة العدالة التاريخية للثورة الجزائرية.
وطبعا لا يكتمل هذا البناء المعرفي من دون تفكيك البعد الفلسفي والنفسي والثقافي للثورة الجزائرية، وأثرها الحاسم في عولمة الفكر الثوري وإعادة صياغة الفكر النقدي العالمي، فالثورة الجزائرية لم تكن في الوعي الأنجلو-أمريكي مجرد حرب تحرير إقليمية، بل تحولت إلى مختبر فكري هز أركان المنظومة الغربية، حيث وفرت الحالة الجزائرية المادة الخصبة لولادة نظريات ما بعد الاستعمار (Postcolonial Studies) في كبريات الجامعات الأمريكية والبريطانية.
وقد تجسد هذا التأثير العميق من خلال التلقي الفوري والترجمة السريعة لأعمال فرانتز فانون (Frantz Fanon) لاسيما كتابيه معذبو الأرض وسوسيولوجيا ثورة والتي تحولت داخل الأكاديميا الأنجلو-أمريكية إلى مانيفستو فلسفي يُفكك السيكولوجية الاستعمارية، وامتدت شرارته لتلهم حركات الحقوق المدنية هناك، وعلى رأسها حركة الفهود السود (Black Panthers) في الولايات المتحدة.
من هذا المنطلق أعاد الوجدان الثقافي الأنجلو-أمريكي تمثل الجزائر كأيقونة عالمية للتحرر، ووظفت الدراسات الثقافية اللاحقة -مثل أطروحات إدوارد سعيد في تفكيك المركزية الأوروبية- النموذج الجزائري كمرجعية حية تُثبت أن التحرر ليس مجرد استقلال سياسي، بل هو عملية راديكالية لإعادة صياغة الوعيالإنساني وتطهيره من رواسب الهيمنة الفكرية الغربية.
ولم يقف هذا الأثر عند أروقة الجامعات وصالونات التنظير الأكاديمي، بل تغلغل عميقاً في المخيال البصري والأدبي والسياسي للمجتمع الأنجلو-أمريكي عبر تجليات حية شكلت الوعي الجمعي لتلك المرحلة، حيث أحدث فيلم معركة الجزائر (1966) اختراقاً سينمائياً وصدمة وعي حقيقية، متجاوزا حدود ترشيحات الأوسكار ليتحول إلى أداة تدريبية وتكتيكية في جامعات مثل بيركليومراكز اليسار الراديكالي الأمريكي، مُعيداً صياغة السردية البصرية لصالح المستعمَر وفرضها بقوة على المشهد الثقافي الغربي.
كما تحولت الثورة الجزائرية في الأدبيات الأنجلو-أمريكية -كما وظفها إدوارد سعيد لاحقاً في الثقافة والإمبريالية- إلى محك فلسفي أسقط قناع الإنسانية الزائفة والوجودية الليبرالية الفرنسية، لاسيما من خلال تشريح المواقف المترددة للمثقفين الفرنسيين وعلى رأسهم ألبير كامو، مما كشف عجز المركزية الأوروبيةعن استيعاب حق الشعوب غير الأوروبية في الحرية.
ولم يلبث هذا التأثير الفكري أن تجسد على أرض الواقع مع تحول الجزائر إلى قبلة للأممية السوداء (Black Internationalism) وعاصمة روحية لحركات التحرر العالمية، وهو ما تُرجم عملياً في زيارة مالكوم إكس لها، واتخاذ حركة الفهود السود (عبرإلدريج كليفر) منها مقراً رسمياً لجناحها الدولي، لتلتقي بذلك عدالة القضية الجزائرية بنضال السود في أمريكا، لتقدم نموذجاً تطبيقياً حياً على إمكانية تفكيك الهيمنة والإمبريالية البيضاء.
تأسيساً على كل ما تقدّم، يتضح جلياً أن الثورة الجزائرية لم تكن مجرد حدثٍ إقليمي لانتزاع السيادة الوطنية، بل كانت زلزالاً سياسياً ومعرفياً أعاد رسم الخرائط الفكرية والدبلوماسية في العالم الحديث.
وإذا كان الفضاء التاريخي الفرنسي قد ظل محاصراً بعقدة الكولونيالية، وعاجزاً بنيوياً عن الإنصاف بوقوعه في فخ الالتفافات الاصطلاحية، والمناورات التشريعية لتبييض الاستعمار، فإن السردية الأنجلو-أمريكية قد شكلت فضاءً عالمياً بديلاً قادراً على كسر هذا الحصار وتفكيك آليات الهيمنة براديكالية وعلمية صارمة.
لقد نجح هذا المنظور المعرفي البديل والمتكامل -عبر الجمع بين قدسية الأرشيف والتحليل البارد- في إنصاف الثورة الجزائرية عبر جبهات متعددة: فمن تشريح وحشية الاستيطان الذي عرّته جنيفر سيسيليان غيلبرت (Jennifer Sessions) وديفيد بروشاسكا (David Prochaska)، وتوثيق الثورة الدبلوماسية الدولية لجبهة التحرير الوطني مع ماثيو كونلي (Matthew Connelly)، إلى استردادالمركزية النضالية للمرأة الجزائرية وتخليصها من التهميش الاستشراقي مع ناتاليا فينس (Natalya Vince)، وصولاً إلى وضع الثورة في سياقها الكوني كقائدة لحركات العالم الثالث وملهمة قضايا مناهضة الإمبريالية مع روبرت مالي (Robert Malley).
ولكن أمام هذا الزخم العالمي المكتوب بالإنجليزية، يصطدم رهان التلقي المحلي بمفارقة حادة، فبينما تحلق أدبيات الثورة في كبريات الحواضن الأكاديمية الدولية، تظل مكتباتنا رهينة غياب شبه تام لهذه المراجع، لتصبح النسخة اليتيمة التي عثرنا عليها في رحلتنا رمزاً لقصور جمعي في مواكبة العولمة المعرفية.
إن معالجة هذا الرهان اليوم، ونحن نحتفي بعيد الاستقلال (2026)، لم تعد ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة استراتيجية تقتضي تحرير فعل التلقي المحلي، وتوطين هذه الدراسات ترجمةً وتدريساً لربط الحاضر بأفقه العالمي، وحتى تظل ثورتنا عابرة للغات والقارات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك