يملأ القطاع الخاص المتنامي في كوبا الفراغ الذي ولده تداعي الدولة، إذ يعيش المواطنون تحت وطأة أزمة اقتصادية غير مسبوقة يعمقها الحصار الاقتصادي الخانق الذي تفرضه الولايات المتحدة على المشتقات النفطية.
وتُشارف مرحلة بطاقات التموين الحكومية، المعروفة باسم" بوديغاس" حين كان الناس يتوجهون إلى متاجر الدولة لشراء حاجاتهم الأساس، على نهايتها، في ظل أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها البلاد منذ عقود.
يجلس خواكين فيلاسكيث على شرفة متجر بقالة حكومي داخل حي فيدادو في هافانا، يراقب حركة الزبائن في المتجر الخاص الصغير المجاور.
وتروي المتاجر المتجاورة هذه قصة كوبا المنقسمة بين واقعين، في أحدهما، وهو يتلاشى، كانت الدولة توفر كل شيء.
والآخر كوبا جديدة، حيث يضطر الناس إلى الاعتماد على أنفسهم أكثر.
يبدو المتجر الحكومي شبه فارغ مع نفاد العملات الصعبة اللازمة لاستيراد السلع وإعادة بيعها بأسعار مدعومة، كما دأبت كوبا على مدى عقود.
أما الـ" ميبيمي" المجاور، وهو الاسم الذي يطلق في كوبا على الشركات الصغيرة ويستخدم للدلالة على المؤسسات الخاصة، فيعكس صورة مختلفة تماماً، إذ يعرض سلعاً وفيرة من الرز، الغذاء الأساس للكوبيين، إلى الروم والكاتشب.
لكن هذه الوفرة، المتوقع أن تزداد في ظل الإصلاحات الواسعة للسوق التي أُقرت في يونيو (حزيران) الماضي، لها ثمنها، إذ يبلغ سعر ليتر زيت الطهي ثلاثة دولارات، وهو ما يعادل نصف الراتب الشهري الذي يتقاضاه فيلاسكيث.
لكن حارس الأمن المتقاعد، يقول" بالنسبة إليَّ، كأن هذه المشاريع الخاصة (ميبيمي) غير موجودة".
في مختلف أنحاء هافانا، يغير القطاع الخاص المشهد العمراني، مع افتتاح متاجر جديدة تبيع البيرة المبردة والأجهزة المنزلية وقطع غيار السيارات بوتيرة متسارعة.
وفي ظل عدم السماح سابقاً بافتتاح محال تجارية مستقلة، وهو أحد القيود المتوقع رفعها في إطار الإصلاحات، تُدار هذه المشاريع من المنازل أو المرائب أو، كما في حال متجر فيدادو، من زاوية مستأجرة داخل متجر حكومي متعثر.
ويمثل ذلك تحولاً جذرياً في بلد شيوعي كانت شوارعه تخلو بالكامل تقريباً من الإعلانات، وهيمنت فيه الدولة لأكثر من نصف قرن على معظم الأنشطة الاقتصادية، من الصناعة والزراعة إلى المطاعم.
وجاءت أول خطوة كبيرة نحو اقتصاد السوق عام 2021 عندما سُمح بإنشاء شركات صغيرة معروفة باسم" ميبيميس"، لا يتعدى عدد موظفيها المئة.
وبعد خمسة أعوام، باتت هذه الشركات تمثل أكثر من نصف مبيعات التجزئة في البلاد، وفق الأرقام الرسمية، وتطمح إلى التوسع في مجالات مثل العقارات والخدمات المصرفية والزراعة.
لكن صعود طبقة رجال الأعمال الجدد، أو" ميبيميروس"، عمق أيضاً الفوارق الاجتماعية في مجتمع كان ينظر إليه سابقاً على أنه متساوٍ.
فالأثرياء الجدد يجوبون كورنيش ماليكون الشهير في هافانا بسيارات رباعية الدفع، بينما يعيش آخرون، من الذين ليس لديهم أقارب في الخارج، أوضاعاً صعبة.
وتقول الكيماوية ماريتسا غوميز (62 سنة)" في مرحلة ما، علينا إيجاد حل قابل للحياة بالنسبة إلى الكوبيين".
وبينما تواصل واشنطن إظهار دعمها للقطاع الخاص، فرضت حصاراً خانقاً على دخول المشتقات النفطية إلى كوبا اعتباراً من يناير (كانون الثاني) الماضي، وشددت العقوبات على الدولة، إلى جانب الحظر التجاري المستمر منذ ستة عقود.
وارتفعت واردات الشركات الخاصة من الولايات المتحدة خمسة أضعاف خلال خمسة أعوام.
لكن الحصار المفروض على الوقود يضغط بشدة على الشركات التي تعاني أيضاً انقطاعات للتيار الكهربائي قد تصل إلى 30 ساعة متواصلة، وأسعار وقود تبلغ أحياناً ثمانية دولارات لليتر.
يقول خوان كارلوس بلاين (41 سنة)، وهو مدير متاجر خاصة ومطاعم وجبات سريعة في غرب هافانا، إن شركته بالكاد تحافظ على بقائها.
ويضيف" لا نفكر في التوسع، بل فقط في البقاء".
بحسب كاميلا أرييتا (32 سنة)، وهي صاحبة مشروع للطباعة على الملابس في هافانا كان ينتج نحو ألفي قطعة يومياً، فإن انقطاع الكهرباء وتراجع القدرة الشرائية أثرا بشدة على نشاطها.
وتلفت إلى أنها اعتادت مواجهة العقبات كرائدة أعمال، لكنها باتت تفكر جدياً في إغلاق مشروعها.
من جانبه، دعا المحلل الاقتصادي في جامعة" هافانا"، كارلوس إنريكي غونزاليس الحكومة إلى الإسراع في تنفيذ الإصلاحات لاستعادة ثقة المواطنين، قائلاً" إذا رأى الناس أن ما وُعدوا به بدأ يُنفذ بالفعل، وأن هناك تعافياً تدرجياً، حينها يمكن استعادة الثقة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك