في لحظة مفصلية تمر بها القارة العجوز، بدأت أيرلندا رئاستها الثامنة لمجلس الاتحاد الأوروبي، لفترة تمتد من 1 يوليو حتى 31 ديسمبر 2026، في ظل مشهد دولي شديد التعقيد، تتداخل فيه الأزمات الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية والأمنية، بما يعكس حجم الضغوط التي تواجه الاتحاد الأوروبي في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه.
ورفعت أيرلندا شعار «التنافسية والقيم والأمن» عنواناً لرئاستها، في إشارة واضحة إلى سعيها لتعزيز الاقتصاد الأوروبي في مواجهة التحديات العالمية.
«توماسيك»: أيرلندا ستعمل خلال رئاستها للاتحاد على مواجهة الضغوط الخارجيةوقالت ماريا توماسيك، المتحدثة الرسمية باسم رئيس المجلس، إن الرئاسة الأيرلندية تأتي في وقت يحتاج فيه الاتحاد إلى قيادة هادئة وفعالة، قادرة على التعامل مع تحديات معقدة ومتشابكة، مشيرة إلى العمل على تعزيز وحدة الصف، ومواجهة الضغوط الخارجية، مع الحفاظ على القيم الأساسية التي يقوم عليها، وعلى رأسها الديمقراطية وسيادة القانون.
وأشارت إلى أن موقف الاتحاد واضح وثابت، وهو ضرورة عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، مع الإيمان بأفضلية الحلول الدبلوماسية كخيار أفضل لتحقيق هذا الهدف، بما يُحقق الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأضافت أن الاتحاد يتابع عن كثب تطورات المفاوضات الأمريكية - الإيرانية، ويعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين للوصول إلى اتفاق شامل يضمن الاستقرار الإقليمي ويحول دون تصعيد جديد في المنطقة، خصوصاً في ظل التوترات الحالية.
وتابعت: «أوروبا تكون أقوى عندما تتوحد، والرئاسة الأيرلندية ملتزمة بالعمل على تعزيز هذه الوحدة، وتحويل التحديات الحالية إلى فرص لتحقيق مزيد من الاستقرار والازدهار لجميع الأوروبيين»، وتضع الرئاسة الأيرلندية الملف الاقتصادي في صدارة أولوياتها، في ظل تراجع معدلات النمو في بعض دول الاتحاد، وزيادة الضغوط الناتجة عن المنافسة مع الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين، بالإضافة إلى التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد والتحولات التكنولوجية المتسارعة، وتأثيرات التضخم على الأسواق الأوروبية.
«بيبيريديس»: زيادة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددةوقال سيميون بيبيريديس، المسؤول الإعلامي المتخصص في المجلس الأوروبي والقمم، إن التنافسية الاقتصادية مسألة وجودية لأوروبا، منوهاً بأنه لم يعد مقبولاً استمرار التعقيدات البيروقراطية التي تُعرقل حركة الاستثمار والابتكار.
وأضاف «بيبيريديس»، في تصريح خاص لـ«الوطن»، أن الرئاسة الأيرلندية تسعى لتبسيط الإجراءات وتعزيز بيئة الأعمال، خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الأوروبي.
وأشار إلى أن أحد أبرز محاور العمل خلال الفترة المقبلة يتمثل في دفع السوق الأوروبية الموحّدة إلى مستوى أكثر تكاملاً، بما يتيح حرية أكبر في حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال، ويعزز قدرة الاتحاد على مواجهة المنافسة العالمية، منوهاً بأن الرئاسة ستدفع نحو زيادة الاستثمارات في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، إلى جانب الطاقة المتجدّدة، باعتبارها ركيزة أساسية للنمو المستقبلي وتحقيق الاستدامة.
ولفت إلى أن الوضع الإنساني في غزة والضفة الغربية يفرض تحركاً عاجلاً، مشيراً إلى أن الرئاسة الأيرلندية ستسعى إلى الدفع نحو وقف دائم لإطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، والعمل على إعادة إحياء عملية السلام، بما يُحقق استقراراً طويل الأمد، وشدد على أن الاتحاد الأوروبي سيواصل دعم حل الدولتين، باعتباره الإطار الأكثر واقعية لتحقيق سلام دائم في المنطقة، رغم التحديات السياسية التي تعيق هذا المسار منذ سنوات.
فيما قال دافيدى توفانو، المسؤول عن تنسيق الدعم لرئيس المجلس الأوروبي، إن الأمن الجماعي سيكون في قلب أجندة الرئاسة الأيرلندية للاتحاد، منوهاً بأن التحديات الحالية تفرض على الاتحاد تعزيز قدراته الدفاعية، والعمل بشكل أكثر تنسيقاً لمواجهة التهديدات المتزايدة، سواء كانت تقليدية أو غير تقليدية، بما يضمن حماية مصالحه الاستراتيجية.
وأوضح «توفانو» لـ«الوطن» أن الاتحاد يسعى إلى تطوير أدواته لمواجهة ما يُعرف بالتهديدات الهجينة، مثل الهجمات السيبرانية وحملات التضليل، التي أصبحت جزءاً أساسياً من طبيعة الصراعات الحديثة، مشيراً إلى أن الرئاسة الأيرلندية ستعمل أيضاً على ضمان استمرار الدعم للدول المتأثرة بالأزمات، سواء على المستوى الاقتصادي أو الإنساني، بما يُعزز قدرة الاتحاد على الصمود.
بدورها، قالت ماجدالينا بوخوفسكا، المسؤولة الإعلامية لدعم رئيس المجلس الأوروبي، إن أوكرانيا ستظل في صلب أولويات الاتحاد الأوروبي، متابعة: «ملتزمون بمواصلة تقديم الدعم السياسي والمالي والعسكري، بالإضافة إلى دعم مسار انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، باعتبار ذلك جزءاً من رؤية أوسع لأمن القارة».
وأضافت «بوخوفسكا» لـ«الوطن»: «القيم ليست مجرد شعارات، بل تُمثل الأساس الذي يقوم عليه الاتحاد الأوروبي، والحفاظ عليها وتعزيزها هو جزء أساسي من قدرتنا على التأثير في النظام الدولي، وبناء شراكات قائمة على الاحترام المتبادل».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك