المكتبة الوطنية الفرنسية تحتضن مئات الكتب والخرائط البحرية العُمانية ومخطوطات من بينها" الفتح المبين" لابن رزيق وديوان الكيذاوي، في أرشيف رقمي مفتوح أمام الباحثين العُمانيينأثير- د.
محمد بن حمد العريمينتيجةً لموقع سلطنة عُمان الجغرافي المتميّز، ودورها الحضاري المتواصل عبر العصور، كانت البلاد محطّ اهتمام الدول والرحّالة والباحثين وصنّاع القرار، فتناولت المصادر العربية والغربية أخبارها، ووثّقت تاريخها، ورصدت ملامح مجتمعها وحياتها السياسية والاقتصادية والثقافية.
ومع الثورة الرقمية التي شهدتها وسائل حفظ المعلومات وإتاحتها، أصبح من الممكن الاطلاع على ملايين الوثائق المحفوظة في كبريات المكتبات العالمية، وعند تصفح الأرشيفات الرقمية لدول ارتبطت بعلاقات تاريخية مع عُمان، مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة والهند وهولندا وألمانيا وأستراليا، تتكشف ثروة معرفية ضخمة تضم وثائق وصورًا وخرائط ومخطوطات وصحفًا تتناول السلطنة في مراحل تاريخية مختلفة.
ولا تمثل هذه المواد مجرد مقتنيات أرشيفية، بل تعد مصادر أولية ذات قيمة علمية كبيرة، يمكن أن تسهم في إعادة قراءة التاريخ العماني وكتابته من زوايا جديدة، مستندة إلى وثائق وشهادات معاصرة للأحداث.
وتقترب “أثير” في هذا التقرير من إحدى أبرز المؤسسات الثقافية العالمية، وهي المكتبة الوطنية الفرنسية، وبالتحديد منصتها الرقمية “جاليكا”، التي تضم رصيدًا غنيًا من المواد المتعلقة بعُمان، نستعرض أبرز ملامحه في السطور الآتية.
يكشف البحث في أرشيف “جاليكا” عن حضور لافت لعُمان في مئات الكتب والموسوعات والقواميس والأدلة الجغرافية وكتب الرحلات والتقارير، سواء أكانت مؤلفات فرنسية أم مترجمة من لغات أخرى، وتتنوع الموضوعات التي تناولتها هذه المصادر بين التاريخ والسياسة والاقتصاد والمجتمع والأدب والجغرافيا، بما يعكس الاهتمام الأوروبي المبكر بالسلطنة.
من أبرز ما يضمه الأرشيف الرقمي الفرنسي عدد من المخطوطات العُمانية النادرة، منها مخطوطة كتاب “الفتح المبين” للمؤرخ حميد بن محمد بن رزيق، ومخطوطة “قصص وأخبار جرت في عُمان” لابن عريق، إضافة إلى ديوان الشاعر موسى بن حسين بن شوّال الحسيني الكيذاوي، وهي مصادر تتيح للباحثين الاطلاع على نسخ تاريخية محفوظة خارج السلطنة.
خرائط ورسومات توثق المكانتزخر المكتبة الفرنسية بمجموعة كبيرة من الخرائط التاريخية التي توضح موقع عُمان ومدنها، وفي مقدمتها مسقط، إلى جانب رسوم نفذها رحّالة وجغرافيون أوروبيون، ولا سيما الفرنسيون، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
ومن بين هذه المقتنيات رسمة نادرة لميناء مسقط تعود إلى عام 1760، إلى جانب خرائط بحرية توثق الطرق التجارية والموانئ العُمانية، وهو ما يبرز المكانة التي احتلتها سلطنة عمان في شبكة الملاحة البحرية العالمية، والدور السياسي والاقتصادي الذي لعبته في المنطقة.
عُمان في الصحافة الفرنسيةلا يقتصر محتوى “جاليكا” على الكتب والخرائط، بل يمتد إلى أرشيف صحفي واسع يضم آلاف الصفحات من الصحف والمجلات الفرنسية والعالمية التي تناولت الشأن العُماني عبر فترات زمنية متعاقبة.
وتكشف هذه الصحف عن متابعة مستمرة للأحداث السياسية والاقتصادية في عُمان منذ بدايات القرن التاسع عشر.
كما تتضمن صحفًا أمريكية وثّقت العلاقات العُمانية الأمريكية، والرسائل المتبادلة بين الجانبين، إلى جانب أخبار التجارة والملاحة والبعثات الدبلوماسية وغيرها من القضايا التي تعكس الحضور العُماني في المشهد الدولي.
ذاكرة عالمية تروي تاريخ عُمانتؤكد المواد المتعلقة بعُمان في المكتبة الوطنية الفرنسية أن تاريخ سلطنة عمان لم يُحفظ في مصادرها المحلية فحسب، بل دوّنته أيضًا مؤسسات علمية وثقافية عالمية، احتفظت بوثائق وصور وخرائط وشهادات معاصرة تشكل اليوم رصيدًا معرفيًا بالغ الأهمية.
ومع اتساع رقمنة الأرشيفات الدولية، تتزايد الفرص أمام الباحثين العُمانيين لاستثمار هذه الكنوز الوثائقية، وإعادة قراءة التاريخ الوطني من خلال مصادر متنوعة تثري المعرفة، وتفتح آفاقًا جديدة للدراسة والبحث، وتبرز المكانة الحضارية التي شغلتها عُمان على امتداد القرون.
وقد سبق لـ “أثير” نشر موضوع مشابه بعنوان “مخطوطات وصور وخرائط: مواد تاريخية مهمة عن السلطنة في أرشيف المكتبة الفرنسية الرقمية”، بتاريخ 18 أكتوبر 2019.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك