أحدثت حملة المداهمات الأمنية العراقية الأخيرة المدعومة من رئيس الوزراء علي الزيدي داخل المنطقة الخضراء، حيث يقع البرلمان والسفارات الأجنبية ومقر رئيس الوزراء، والتوقيفات بحق عشرات النواب والمسؤولين والقياديين العراقيين، بينهم أعضاء حاليون وسابقون في مجلس النواب العراقي، صدمة لدى الرأي العام العراقي والعربي، إذ طاولت شخصيات سياسية كانت تدعي محاربة الفساد، وترفع في كل مناسبة شعار إنقاذ العراق وتطهيره من الفوضى والفساد.
ويرى مراقبون أن حملة صولة الفجر، لحد هذه اللحظة، والتي حظيت باهتمام وترحيب الشعب العراقي دون استثناء، لم تشمل الحيتان الكبيرة في عموم العراق، ويرون أن محاربة الفساد ومعاقبة المفسدين دون تفكيك منظومة الحكم القائمة على المحاصصة الطائفية المقيتة، وفرض سلطة القانون، ومحاسبة ومساءلة أصحاب الرؤوس الفاسدة الكبيرة، والذين شغلوا مواقع ومناصب مؤثرة في هرم السلطة بعد سقوط الصنم البعثي، وميليشياتهم المتنفذة والموالية للدول الإقليمية لا تنجح بالرغم من استمرار صولة الفجر التي طالت أسماكًا صغيرة في بحر مليء بحيتان وتماسيح الفساد المتورطين بقضم ثروات الشعب الذي لا حول له ولا قوة، نعم، الشعب الذي انشغل بطقوس الحزن واللطم والزحف بالوحل وغسل أرجل الزوار، في الوقت الذي كانت حيتان الفساد تقضم ثروات الشعب وتصرف مبالغ كبيرة لصفقات، وعقود إعادة إعمار البلد الوهمية، واحتكار الكوميشنات، ومحاصصة المشاريع، وتهريب النفط، وغسيل الأموال، والاختلاس الممنهج، والاحتيال المصرفي عبر الشيكات أو القروض وممارسات غير قانونية كثيرة أخرى، ومن المضحك المبكي أن يتم سنويًا تخصيص مبالغ خيالية لشراء" الثلج" المخصص لزوار الأربعين، إلى جانب طبخ الطعام، وإهداء الثواب لآل البيت، وآل البيت منهم براء!ومن الجدير بالذكر أن العراق سجل العام الماضي مشاركة أكثر من 21 مليون زائر، بحسب بيانات العتبة العباسية، بينهم 3 ملايين إيراني!هذه مجرد أمثلة قليلة جدًا على التلاعب بالأموال العامة من قبل حيتان الفساد.
وعليه يخشى المواطن العراقي، بالرغم من تفاؤله، أن تنتهي صولة الفجر بصيد الأسماك الصغيرة فقط، وترك الحيتان الكبيرة يسرحون ويمرحون، ويساندون دون خجل حملة الزيدي لمكافحة الفساد، ولحد هذه اللحظة لم يتجرأ أحد على الاقتراب منهم!الصلح مع الفاسد أم محاسبتهم؟يقول علي الزيدي إنه يستمر في مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة وأجهزتها فقط، ولن يقبل بوجود دولة في داخل الدولة، كما وجه وزير المالية بفتح حساب خاص لاسترداد أموال العراق ممن تورّط بها، ومن يمتنع عن إعادة الأموال، سيكون له موقف آخر معه.
وأردف الزيدي قائلًا: " سنذهب إلى إجراء تسوية مع من يعيد أموال الفساد، ونحفظ حق العراقيين وفق القانون، وسنحافظ على سرّية الإجراءات".
يحاول الزيدي أن يستفيد من تجارب الدول المماثلة التي عانت من الفساد والمفسدين في استرداد الأموال العامة، والمنهوبة من قبل السياسيين وغير السياسيين مقابل التسوية مع الفاسد خارج نطاق القضاء وإسقاط التتبعات مقابل استرجاع الأموال العامة من المتورطين.
وهنا أسأل الزيدي، هل من المنطق أن تقوم بإجراء تسوية مع الفاسد بشرط أن يعيد الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة؟ وهل ينجح الصلح الجزائي مع الفاسد، وإغلاق ملفه دون الدخول في مسارات التقاضي؟أعتقد جازمًا أن تطبيق الصلح الجزائي كما يدعي الزيدي يؤدي إلى الإفلات من العقاب، وغياب العدالة والمساواة أمام القانون، وأنه يشجع على الفساد ويزيل حاجز الخوف من العقاب والسجن والحرمان من العمل الوظيفي مدى الحياة.
أعتقد أن تطبيق الصلح الجزائي دون ضوابط رادعة سيتحول إلى أداة لحماية الفاسدين، وعليه من الضروري إلزام الفاسد بالاعتراف بتفاصيل جريمته، وحرمانه من العمل الوظيفي والسياسي مدى الحياة ليكون عبرة لغيره.
أخيرًا، هل سينتصر الزيدي على حيتان الفساد، أم يكتفي باصطياد الأسماك الفاسدة الصغيرة، وهل يستطيع أن يقف بوجه عشرات الفصائل المسلحة التي تعمل خارج إطار قيادة الدولة، والمدعومة من الجارة السيئة إيران، ويفتح ملفات الحكومات السابقة، على سبيل المثل لا الحصر ملف حكومتي المالكي الأولى والثانية، وهل ينجح في نزع سلاح الفصائل وحصره بيد الدولة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك