يحتل الشعب الفارسي مكانة محورية في الثقافة والسياسة الإيرانيتين، وهو ما يمنحه اليد العليا في هذين المجالين الحيويين، ويؤهله لأداء دور أساس في حسم الأحداث التاريخية في إيران بما يخدم مصالحه، التي يعممها عادة ويصفها بأنها المصالح الوطنية الإيرانية.
ويأتي ذلك على رغم حقيقة أن المجتمع الإيراني متعدد القوميات والإثنيات، وأن غير الفرس يشكلون ما بين 50 و60 في المئة من سكان البلاد.
يعتقد معظم الفرس، علناً وسراً، أن إيران هي، في الأساس، ملك لهم منذ أكثر من 2500 عام، أي منذ حكم الأخمينيين والفرثيين والساسانيين قبل الإسلام، حين خاضوا الحروب وتوسعوا في أرجاء المعمورة.
ويذهبون إلى القول إن اللغة الفارسية ظلت مهيمنة حتى بعد انهيار الإمبراطورية الساسانية، في ظل حكم الأتراك الغزنويين والسلاجقة والخوارزمشاهيين والمغول.
ويشمل هذا التصور أيضاً ما يعدونه إرساءً لأول حكم وطني إيراني بعد انهيار الدولة الساسانية، وذلك في العهد الصفوي.
فالحكام الأتراك، منذ الغزنويين مروراً بالصفويين وانتهاءً بالقاجاريين (من القرن الـ10 حتى القرن الـ20 الميلادي)، وعلى رغم انتمائهم التركي، اضطروا إلى تقاسم السلطة مع الفرس الذين كانت لهم الحصة الأكبر فيها.
ويمكن القول إن الصفويين الأتراك اندمجوا تدريجاً في الثقافة الفارسية، وهو ما تجلى لدى أبرز ملوكهم، الشاه إسماعيل والشاه عباس.
واستمر هذا النهج في عهد الأسرتين الأفشارية والزندية، فالأولى تركية والثانية لورية، حتى وصلنا إلى الدولة القاجارية التركية التي أخذت تتمسك بالثقافة واللغة الفارسيتين بصورة متزايدة، ولا سيما في عهد ثاني ملوكها، فتح علي شاه، ونجله جلال الدولة، وذلك بتأثير الدور الأوروبي، ولا سيما البريطاني، الذي شجع النزعات المعادية للعرب والترك وللإسلام عموماً.
ومن أبرز أخطاء شاهات الدولة القاجارية أنهم لم يرفعوا مكانة اللغة التركية الأذرية إلى مستوى اللغة الفارسية، بما يتيح لها أن تصبح لغة رسمية إلى جانب الفارسية، عقب انكشاف الهويات اللغوية والقومية في إيران بعد الثورة الدستورية (1905–1909).
وقد جاء ذلك على خلاف ما شهدته أفغانستان، حيث تمكن الناطقون بالفارسية (الدارية) من ترسيخ لغتهم بوصفها لغة مكافئة للبشتوية منذ أواخر القرن الـ19، مما أدى إلى اعتمادها لغة رسمية في ما بعد - إلى جانب البشتوية - في أفغانستان.
كما أسهم كسر احتكار لغة واحدة للمجالين الرسمي والإداري في تهيئة الأرضية للاعتراف بلغات قومية أخرى.
فإلى جانب البشتوية والدارية (الفارسية الطاجيكية)، توجد اليوم لغات قومية عدة تستخدم، بدرجات متفاوتة، في التعليم المحلي، وتصدر بها الصحف والمطبوعات، أو تبث بها برامج إذاعية وتلفزيونية، وذلك وفقاً للدستور الأفغاني لعام 2004 والممارسات التي استمرت، بدرجات مختلفة، خلال الفترات اللاحقة.
وتشمل هذه اللغات: الأوزبكية، والتركمانية، والبلوشية، والباشائية، والنورستانية، ولغات البامير، والقرغيزية، والعربية الأفغانية.
القومية الفارسية وصناعة الدولة الحديثةإذا تفحصنا الأحداث الكبرى التي شهدتها إيران منذ مطلع القرن الـ20 حتى اليوم، مثل الثورة الدستورية، وانتقال الحكم من السلالة القاجارية إلى البهلوية، وحركة تأميم النفط، ثم قيام الجمهورية الإسلامية، نجد أن الفرس كانوا في مقدمة الشعوب المشاركة في هذه التحولات الكبرى، على رغم مشاركة القوميات الأخرى فيها بنسب متفاوتة.
وقد كانوا، في نهاية المطاف، من جنى ثمار تلك التحولات، سواء كانوا إسلاميين أم ملكيين أم قوميين، وظلوا الطرف المنتصر والحافظ للدولة القومية في البلاد.
ويبدو لي أن نسبة تأثير المكونات القومية في تحديد مسار الأحداث التاريخية في إيران المعاصرة يمكن تقديرها أنها تراوح ما بين كل من الفرس، والأتراك الأذريين، وسائر القوميات، من عرب وكرد وبلوش ولور.
الأذريون وسائر القوميات في معادلة السلطةبقيت اللغة الفارسية، اللغة الرسمية الوحيدة في البلاد بعد قيام الثورة عام 1979، ولم تتمكن القوميات غير الفارسية، على رغم تطور نضالها وما قدمته من تضحيات، من إحداث تغيير جذري في هذا الواقع، ولا في هيمنة الثقافة والسياسة الفارسيتين على البلاد.
ويعزو بعض الباحثين إخفاق الحركة الخضراء عام 2009 إلى عدم مشاركة إقليم أذربيجان في التظاهرات والاحتجاجات التي اندلعت عقب ما اعتبرته المعارضة تزويراً للانتخابات الرئاسية.
ويمكن ملاحظة الدور الذي أدته الشعوب غير الفارسية في احتجاجات عامي 2017 و2019، ولا سيما في انتفاضة مهسا عام 2022، وكذلك في احتجاجات يناير (كانون الثاني) 2026، غير أن السلطة تمكنت من القضاء عليها جميعاً، ومنعت أي تغيير في السياسات اللغوية والثقافية والاقتصادية للبلاد.
وسجل الأتراك الأذريون نقطة سياسية لصالحهم من خلال مشاركتهم الواسعة في الانتخابات الرئاسية عام 2024، إذ صوت نحو 84 في المئة منهم لمسعود بزشكيان.
وقد ساعدهم في ذلك التيار الإصلاحي، الذي أسهم في وصول أحد أبناء جلدتهم إلى منصب رئاسة الجمهورية.
وأثار ذلك حالاً من الابتهاج في أوساطهم، بعد محاولات سابقة لم تكلل بالنجاح لانتخاب رئيس أذري يتبنى، كلياً أو جزئياً، مطالب الشعب الأذري في إيران.
الحرب الأخيرة وإعادة تشكل الإجماع القوميلقد تجلى الدور الفارسي بوضوح خلال الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، حين وقفت معظم التيارات السياسية الفارسية، الإسلامية والقومية واليسارية، ومعها قطاعات واسعة من الجماهير، ضد ما وصفته بالاعتداء الخارجي على إيران.
ويستثنى من ذلك التيار الملكي بقيادة رضا بهلوي، نجل الشاه السابق، الذي فقد كثيراً من صدقيته وشعبيته بعد عدم تحقق توقعاته بسقوط النظام الإسلامي.
ولم نشهد مثل هذا القدر من الانسجام الوطني في العراق أو ليبيا أو أفغانستان عندما تعرضت تلك الدول لهجمات الولايات المتحدة وحلفائها.
وأثار الهجوم الأميركي - الإسرائيلي النزعة القومية لدى القادة العسكريين والسياسيين الفرس أكثر من غيرهم، فاستماتوا في الدفاع عن وحدة الأراضي الإيرانية خشية تفكك البلاد وتدمير بنيتها التحتية بالكامل.
وقد انخرط بعض المواطنين من الشعوب المختلفة في ما وصفوه بالدفاع عن الوطن لاعتبارات دينية وطائفية.
وهنا يتجلى دور اللغة الفارسية وما ترسخ في الوعي التاريخي الفارسي، إلى جانب دور المذهب الشيعي المشترك، في توحيد الموقف خلال الحرب التي كادت تؤدي إلى انهيار النظام، وربما إلى تفكك إيران، لولا العوامل التي أشرنا إليها آنفاً.
وقد شاع في التراث العربي، عبر تاريخ الجوار الطويل مع الفرس، الحديث عن" مكر الفرس"، ويرى بعض المحللين أن التحصينات التي أقامتها إيران، ومنها قواعد الصواريخ المحصنة على أعماق تصل إلى نحو 500 متر تحت الجبال، أدت دوراً مهماً في النتائج التي انتهت إليها الحرب.
فعلى سبيل المثال، احتفظت إيران بطائراتها المسيرة وصواريخها داخل منشآت محصنة تحت جبال الغرانيت في محافظة يزد.
غير أن كل ذلك كان سيذهب سدى لولا حال التلاحم التي نشأت بين أتباع النظام من بين الشعوب المختلفة.
وفي المقابل، لم ينسجم الكرد مع هذا التوجه، وأفادت بعض التقارير بوجود تنسيق بين بعض المنظمات الكردية الإيرانية والإدارة الأميركية، وأعلن عن زيارات قام بها عدد من قيادات تلك المنظمات إلى إسرائيل.
مستقبل إيران بين الهيمنة القومية والتحول الديمقراطيشهدت الشعوب الإيرانية التواقة إلى الحرية والديمقراطية واللامركزية محطات عديدة سعت من خلالها إلى تجاوز استبداد نظام ولاية الفقيه.
فمن الحركة الإصلاحية التي انطلقت مع انتخاب محمد خاتمي عام 1997، إلى الحركة الخضراء عام 2009 التي اندلعت على خلفية اتهامات بتزوير الانتخابات الرئاسية، ثم انتفاضة مهسا عام 2022، وصولاً إلى الهجوم الإسرائيلي – الأميركي على إيران عام 2026، الذي رأى فيه بعض الإيرانيين بارقة أمل لإحداث تغيير في النظام الديني الاستبدادي الذي يحكم البلاد منذ 47 عاماً.
إلا أن الإيرانيين، بعدما جربوا مختلف السبل لتحقيق التغيير المنشود من دون أن تفضي إلى نتائج ملموسة، وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد تمثل في مصادقة إدارة ترمب على اتفاق مؤلف من 14 بنداً، يرى كثير من المحللين أنه يصب في مصلحة النظام الإيراني.
وفي ضوء ذلك، يبدو أن الخيار المتبقي أمام الشعوب والقوميات الإيرانية يتمثل في انطلاق حركة جماهيرية واسعة، أو في انتقال سلمي للسلطة يقوم على تراكم الخبرات النضالية التي أفرزتها الانتفاضات والاحتجاجات السابقة.
ويمكن لمثل هذا المسار أن يستند إلى خريطة طريق انتقالية تشمل الإضرابات والاعتصامات والاحتجاجات الشعبية، وصولاً إلى أشكال متقدمة من العصيان المدني، مستفيداً من التدهور الاقتصادي المتفاقم، واتساع دائرة السخط الشعبي على أداء السلطة، فضلاً عن الانقسامات المتزايدة داخل أجنحة الحكم وتياراته المتنافسة.
ولا شك أن رفع شعار الديمقراطية من قبل معظم القوى المعارضة للنظام، داخل إيران وخارجها، لن يحقق أهدافه ما دامت قومية واحدة تحتكر الهيمنة السياسية واللغوية والثقافية في البلاد.
فمن المعروف أن أي تغيير جوهري في إيران لن يتحقق ما لم يقتنع به الفرس ويشاركوا فيه، في حين لا يزال معظمهم يفضل استمرار احتكار السلطة السياسية والثقافية واللغوية، إضافة إلى أنهم يسيطرون على معظم مفاصل الدولة ومؤسساتها، فضلاً عن حضورهم المؤثر في أحزاب ومنظمات المعارضة.
ويضاف إلى ذلك وجود لوبي فارسي فاعل في عدد من الدول الغربية والإقليمية، إلى جانب سيطرتهم على أبرز وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية والمؤثرة في المشهد السياسي الإيراني في الخارج.
ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً في أن تتقارب القوميات والشعوب الإيرانية المختلفة، وأن ترسم خريطة طريق مشتركة تفضي إلى تحقيق الأهداف التي ناضل الإيرانيون من أجلها، وفي مقدمها الحرية والديمقراطية، منذ الثورة الدستورية في مطلع القرن الـ20، مروراً بثورة فبراير (شباط) 1979، وصولاً إلى الانتفاضات والاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال العقود الثلاثة الماضية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك