في كل تمريرة خاطئة، وفي كل هدف مفاجئ لا يتمكن اللاعب من صده، ثمة جمهور في المدرجات يشاهد المباراة، ويبحث عن نفسه، حاملاً توقعات بالفوز وأحلام معلقة.
لذلك لا تبدو كرة القدم مجرد رياضة، بل لغة عالمية يتحدثها البشر بلهجات مختلفة.
وفي زمن تتكاثر وترتفع الجدران بين الناس، تبدو الكرة قادرة على أن تجعل الملايين يلتفتون إلى المشهد نفسه، ويحبسون أنفاسهم في اللحظة نفسها، ويصرخون بالصوت نفسه.
ربما لهذا السبب لا نسأل في النهاية، عمن فاز بالمباراة فحسب، بل نسأل أيضاً ماذا تركت فينا اللعبة بعدما انتهت؟ليست كرة القدم لعبة تلعب بالقدمين فحسب، بل حكاية يكتبها البشر بأحلامهم وتصوراتهم عن الربح والخسارة.
ما إن تنطلق صافرة البداية حتى يتوقف العالم قليلاً، كأن الملايين يوافقون، ولو لدقائق، على الإيمان بوجود وهم جميل.
نحن لا نشجع فريقاً لأنه الأقوى دائماً، بل لأننا وجدنا فيه شيئاً يشبهنا منذ سنوات الشباب.
ربما ورثنا ألوانه عن أب كان يصرخ أمام شاشة التلفزيون، أو عن مدينة اكتسبت شهرتها في العالم من نادي كرة القدم.
ولهذا تبدو الهزيمة في الملعب مؤلمة كأنها خسارة شخصية، إنها تمس جزءاً من ذاكرتنا وما أحببناه يوماً ومازلنا نحبه.
فهل كرة القدم أكثر عدلاً من الحياة لأنها تمنح الجميع حق الحلم، قبل انطلاق صفارة البدء.
الفقير والغني، العجوز والمراهق، يبدؤون المباراة والنتيجة صفراً مقابل صفر.
لكن الحياة، على خلاف الملعب، لا تبدأ دائماً من النقطة نفسها.
وربما لهذا السبب أيضاً أحبها الأدباء.
ففيها ما يكفي من الشعر، تمريرة تبدو كأنها جملة موسيقية، ومراوغة تشبه بيتاً شعرياً، وهدف يأتي فجأة كما تأتي النهاية المدهشة في رواية.
يبني الكاتب التونسي شكري المبخوت روايته" باغندا"، دار التنوير، حول حادثة اختفاء لاعب كرة قدم شهير يدعى فتحي بركة، ومعروف باسم" باغندا".
يمسك دفة السرد صحافي يعمل مصححاً للأخطاء اللغوية في صحيفة فرانكفونية يومية في تونس، ثم ينتقل بتوصية من مديره العام سي عبدالحميد التميمي إلى الصفحات الرياضية.
لم تكن الرياضة هوايته، ولا حلمه المهني، لكنها تصبح بوابته إلى قضية ظلت مطوية لأعوام طويلة.
غير أن الكاتب لا يتعامل مع الواقعة بوصفها لغزاً بوليسياً فحسب، بل يجعل منها مدخلاً للكشف عن شبكة معقدة من المصالح والصراعات والولاءات التي كانت تتحكم في الحياة العامة.
فاختفاء اللاعب لا يبقى حادثة فردية، بل يتحول إلى رمز لاختفاء الحقيقة نفسها في مجتمع يهيمن عليه الخوف والتعتيم.
وباغندا في الرواية ليس مجرد اسم بل أيقونة، لاعب موهوب ذو حضور ساطع في سماء كرة القدم التونسية، كان مرشحاً للاحتراف وللوصول إلى ما لم يصل إليه كثر من أبناء جيله.
غير أن مساراً مغلقاً وقرارات مجهولة المصدر أبعدته عن الاتحاد التونسي، وأوصلته إلى نهاية مأسوية لا تتناسب مع حجم موهبته.
يرسم صاحب" الطلياني"، صورة دقيقة لعالم الصحافة في تلك المرحلة، عالم تتجاور فيه الرغبة في كشف الحقائق مع الرقابة السياسية والضغوط المهنية.
فالبطل السارد الصحافي يواجه صعوبة الوصول إلى المعلومات، ويصطدم بمنظومة كاملة تعمل على ضبط ما يُنشر وما يُخفى.
هكذا تصبح مهنة الصحافة في الرواية اختباراً أخلاقياً مستمراً، يتأرجح بين واجب البحث عن الحقيقة ومتطلبات البقاء داخل مؤسسة خاضعة لسلطة أكبر منها.
لعل أبرز نقاط قوة الرواية قدرتها على كشف العلاقة الوثيقة بين الرياضة والسياسة.
يتحول مصير باغندا، هذا اللاعب الجماهيري المحبوب إلى قضية عامة تتداخل فيها مصالح الأندية والاتحاد الرياضي وأجهزة الدولة ووسائل الإعلام.
ومن خلال هذه العلاقة يكشف المبخوت كيف يمكن للرياضة أن تتحول إلى مساحة للصراع على النفوذ والهيبة والرمزية، لا إلى مجرد نشاط ترفيهي أو تنافسي.
اختار الكاتب عام 1987، زمناً للسرد وهو توقيت بالغ الدلالة في التاريخ التونسي: انتقال السلطة من نظام بورقيبة المتهالك إلى نظام زين العابدين بن علي، في صراع خفي شرس مع التيار الإسلامي الصاعد.
هذا السياق لا يحضر مجرد خلفية للرواية، بل يشتبك في نسيج الأحداث: الرقابة على الصحافة، وسطوة أجهزة الأمن، والتعتيم المفروض على كل ما يحرج السلطة أو يشكك في صورتها.
يجد الراوي نفسه في مواجهة" أبو السعود الحمزاوي" المخلص للنظام، الذي يتدخل لإيقاف نشر تحقيقاته بذريعة حماية" استقرار المجتمع التونسي المتماسك"، فيما تصطدم مساعيه بجدار سميك من التكتم والخوف والولاء.
لكن الرواية لا تكتفي بهذا البعد السياسي، بل تنشغل أيضاً بموضوع الذاكرة.
فالراوي يكتب بعد أعوام طويلة من الحادثة، محاولاً ترميم ما تفتت من الوقائع وجمع الشهادات المتناقضة واستعادة الأصوات التي صمتت أو أسكتت.
ولهذا تبدو الرواية في جانب منها مقاومة للنسيان.
إنها محاولة لإعادة فتح ملف ظن كثر أنه أغلق، وإعطاء مكان في السرد لشخصية كادت تختفي من التاريخ الرسمي كما اختفت من الواقع.
أسلوب شكري المبخوت يتسم بالدقة والهدوء، يبني التوتر عبر تراكم التفاصيل والوثائق والشهادات والحوارات، مما يمنح الرواية طابعاً تحقيقياً مقنعاً.
وينجح في رسم شخصياته ضمن سياق اجتماعي وسياسي واضح، بحيث لا تبدو الشخصيات معزولة عن زمنها، بل نتاجاً مباشراً له.
" باغندا" تقدم قراءة دقيقة لعلاقة الفرد بالمؤسسة، والحقيقة بالسلطة، والذاكرة بالنسيان، عبر طرح أسئلة أعمق: من يملك الحقيقة؟ ولماذا تدفن بعض الوقائع في الظل؟ وما الجدوى من وراء الكشف عنها؟ بهذه الأسئلة تتجاوز الرواية حدود الحكاية المشوقة لتصبح تأملاً إنسانياً في مصير الحقيقة عندما تدخل في مواجهة مع السلطة.
وإذا كان المبخوت اختار أن يخفي السياسة خلف اللعب، عبر قضية لاعب شهير، يتخذ من مصيره الغامض مدخلاً للكشف عن آليات القمع والتعتيم، فإن الروائي الجزائري رشيد بوجدرة يذهب في الاتجاه المعاكس تماماً.
فهو لا يخفي شيئاً، بل يضع السياسة والرياضة وجهاً لوجه على أرض الملعب نفسه، في لحظة واحدة لا تحتمل التأجيل.
في رواية" ضربة جزء" (المؤسسة الوطنية، الجزائر)، يقدم رشيد بوجدرة التاريخ الثوري في تقاطعه مع أكثر اللحظات شعبية في كرة القدم.
تدور أحداث الرواية في الـ26 من مايو (أيار) 1957، أثناء نهائي كأس فرنسا لكرة القدم بين تولوز وأنجيه في ملعب كولومب، إذ ينفذ مقاوم جزائري عملية اغتيال لأحد المتعاونين مع الاستعمار.
يبني الكاتب روايته مستلهماً البنية الداخلية لمباراة كرة القدم، فيجعل من مراحل اللعب المختلفة عناوين للفصول الـ12 التي تتألف منها الرواية.
ولا يقتصر في هذا الاختيار على الشكل، بل يمتد إلى البناء السردي ذاته، إذ يتوازى تصاعد أحداث المباراة النهائية لبطولة فرنسا مع تصاعد الحدث الرئيس في الرواية، والمتمثل في اغتيال الباش آغا محمد شكال، السياسي الجزائري الذي ارتبط اسمه بالتعاون مع السلطة الاستعمارية الفرنسية.
وهكذا تتقدم وقائع المباراة ووقائع الرواية في مسار متوازٍ، بحيث يعكس تطور الأولى تطور الثانية، في تداخل لافت بين الرياضي والتاريخي والسياسي.
ينسج بوجدرة السرد ببراعة بين نبض المباراة، بأهدافها وتعليقاتها، وبين توتر الفعل الثوري، مما يجعل الملعب مسرحاً للصراع الوجودي بين الاستعمار والمقاومة.
هكذا تتحول لعبة كرة القدم، من رمز للترفيه، إلى خلفية درامية عميقة تكشف عن التوترات السياسية والإنسانية في زمن الثورة الجزائرية.
تعد" ضربة جزء" نموذجاً لقدرة الأدب على إعادة صياغة الرياضة كمجال سياسي ووجودي، من خلال أسلوب تجريبي جريء يخلط بين التاريخ والعبث والصدفة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)الرواية تذكرنا بأن كرة القدم، في سياقات الاستعمار والنضال، قد تكون أداة للوعي والمقاومة، تماماً كما هي أداة للهرب أو المراوغة أو الانتقام.
بهذا الربط الإبداعي، يضع بوجدرة عمله ضمن أدب كرة القدم الذي يتجاوز الملعب ليلامس أعماق التاريخ والحرية.
وكأنه يقول إن كرة القدم، في حقيقتها، ليست انتصاراً على الخصم بقدر ما هي محاولة دائمة للانتصار على الخوف.
هكذا يكشف الأدب، أن الملعب لم يكن يوماً مجرد مكان للعب، بل مرآة تعكس ما يجري خارج أسواره.
مما دفع المفكرين والفلاسفة إلى أن يذهبوا أبعد من الرواية، ويسألوا: ما الذي يجري فينا حقاً حين نتابع هذه اللعبة؟في كتابه" فيم نفكر حين نفكر في كرة القدم"، يرى الفيلسوف البريطاني سايمون كريتشلي أن كرة القدم ليست مجرد رياضة، بل تجربة إنسانية تكشف كيف نصنع الانتماء والهوية والذاكرة.
لا يسأل: لماذا نحب كرة القدم؟ بل: ماذا يحدث في وعينا ونحن نحبها؟ يتأمل العلاقة بين المشجع وناديه، وبين اللاعب والكرة، وبين الجمال والصدفة، ويعد أن المباراة لحظة نخرج فيها من ذواتنا لنشارك ملايين الغرباء الشعور نفسه.
لذلك يكتب عن كرة القدم كما يكتب الفلاسفة عن الفن أو الموسيقى، بوصفها تجربة جمالية وأخلاقية تعلمنا معنى الجماعة، والانتظار والأمل وقبول الخسارة.
أما إدواردو غاليانو في" كرة القدم بين الشمس والظل" فيكتب عن هذه اللعبة بلغة الشاعر والمؤرخ.
يرى أن اللعبة تحمل وجهين متناقضين: وجهاً مضيئاً يتمثل في الإبداع والحرية والدهشة التي يصنعها اللاعب الموهوب، ووجهاً مظلماً تصنعه السلطة والمال والاحتراف المفرط والتجارة.
لذلك يمزج في كتابه بين الحكايات والنوادر والوقائع التاريخية، ويجعل من كل مباراة قصة عن الإنسان والسياسة والطبقة والذاكرة.
بالنسبة إليه، أجمل ما في كرة القدم أنها تمنح الناس لحظات من المعجزة، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن تتحول هذه المعجزة إلى سلعة تفقد روحها تحت ضغط الشركات والإعلانات والمصالح.
يُقال إن المباراة تنتهي عندما يطلق الحكم صافرة النهاية، لكن الحقيقة أنها تبدأ بعد ذلك.
تبدأ في المقاهي، وفي ذاكرة الأطفال الذين سيعيدون تسجيل الهدف في الأزقة مئات المرات، وفي الأحاديث التي ستستمر أعواماً عن فرصة ضائعة أو تمريرة غيرت تاريخ نادٍ أو شعب نال الكأس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك