دعا63 عضواً في مجلس خبراء القيادة الإيراني، في رسالة مؤرخة في27 يونيو (حزيران) الماضي، إلى استبعاد ما وصفوه بـ" الحقوق النووية" من المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، استناداً إلى ما قالوا إنه موقف المرشد مجتبى خامنئي، واعتبروا أن قتل الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو" واجب شرعي".
لكن الأمانة العامة لمجلس خبراء القيادة سارعت، بعد وقت قصير من نشر الرسالة، إلى إصدار بيان أكدت فيه أن مضمونها يعد، من وجهة نظر هيئة رئاسة المجلس، " غير مألوف وغير متبع".
ومن أبرز ما لفت الانتباه في هذه الرسالة، ورود اسم علي رضا الأعرافي، عضو هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة، ضمن الموقعين عليها، وهو ما يعكس وجود تباين في المواقف وانقسام داخل المستويات العليا للمجلس.
لكن الرسالة أثارت تساؤلاً آخر لا يقل أهمية، وهو: أين يوجد محمد علي موحدي كرماني، رئيس مجلس خبراء القيادة؟ ولماذا غاب عن المشهد منذ مقتل علي خامنئي، ولم يظهر أو يؤد أي دور في عملية اختيار خليفة المرشد حتى الآن؟ولا يقتصر هذا الغياب على موحدي كرماني وحده، فهو ليس الشخصية المسنة الوحيدة في النظام الإيراني التي اختفت عن الأنظار خلال الأشهر الأربعة الماضية.
فمنذ اندلاع الحرب، انقطعت أيضاً أخبار أحمد جنتي، أمين مجلس صيانة الدستور، وكاظم صديقي، إمام جمعة طهران السابق، على رغم أن كليهما كان، قبل الحرب، يحضر بصورة منتظمة في وسائل الإعلام، أو يصدر مواقف وتصريحات بشكل شبه أسبوعي على الأقل.
يثير غياب هؤلاء الثلاثة من كبار وجوه النظام الإيراني، ولا سيما في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد، وهي من أكثر المراحل حساسية في تاريخها، تساؤلات متزايدة بشأن أوضاعهم، تتراوح بين احتمالات الاعتزال أو العجز الصحي، خصوصاً أن أحمد جنتي ومحمد علي موحدي كرماني لا يزالان يشغلان منصبي أمين مجلس صيانة الدستور ورئيس مجلس خبراء القيادة، وهما من أهم مؤسسات النظام، في حين يعد صمتهما وغيابهما عن المشهد أمراً غير مألوف.
كان آخر ظهور لموحدي كرماني في الحياة العامة من خلال رسالة خطية بعث بها إلى مراسم تأبين أفراد من عائلة المرشد السابق، علي خامنئي، الذين قتلوا في الهجمات الأميركية والإسرائيلية.
إلا أنه، خلال عملية اختيار خليفة المرشد، لم يظهر رئيس مجلس خبراء القيادة في أي مناسبة، ولم تصدر عنه أي تصريحات أو صور، لا قبل الإعلان عن اختيار مجتبى خامنئي ولا بعده، باستثناء رسالة تهنئة خطية بعث بها إليه عقب إعلان تعيينه مرشداً ثالثاً للنظام الإيراني.
وتظهر مراجعة أرشيف وسائل الإعلام أن آخر تصريحات علنية لموحدي كرماني قبل اندلاع الحرب تعود إلى عدة أشهر، عندما علق على إبعاد كاظم صديقي من منصب إمام جمعة طهران، على خلفية الكشف عن قضية فساد مالي مرتبطة بعائلته، قائلاً إنه" لم يعد وضعه كما كان في السابق.
"وفي الفترة نفسها، وصف موحدي كرماني الولايات المتحدة وإسرائيل، تعليقاً على الحرب التي استمرت 12 يوماً، بأنهما" تفتقران إلى العقل والإدراك"، كذلك اقترح، في موقف آخر، منح النساء الملتزمات بالحجاب امتيازات، مثل تخفيضات ضريبية والإعفاء من بعض المخالفات، ومنها المخالفات المرورية.
ومع ذلك، لم تنشر أي صورة حديثة لموحدي كرماني منذ مقتل المرشد علي خامنئي في 28 فبراير (شباط) 2026، وهو غياب يثير تساؤلات جدية بشأن وضع رجل الدين البالغ من العمر 94 سنة، ولا سيما بالنظر إلى موقعه على رأس مجلس خبراء القيادة، والدور الذي كان يفترض أن يؤديه في عملية اختيار خليفة المرشد.
ولد محمد علي موحدي كرماني عام 1931 في محافظة كرمان، ويعد من رجال الدين المنتمين إلى الجيل الأول للنظام الإيراني، إذ شغل، على مدى أكثر من أربعة عقود، سلسلة من المناصب الحكومية الرفيعة، متنقلاً بين مواقع مختلفة داخل مؤسسات الدولة.
وخلال الحرب العراقية - الإيرانية، تولى منصب إمام جمعة مدينة كرمانشاه، وبعد انتهاء الحرب عين ممثلاً للمرشد في الحرس الثوري، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 2005، بالتزامن مع تمثيله طهران في الدورات الخمس الأولى للبرلمان الإيراني.
وفي السنوات اللاحقة، عينه علي خامنئي عضواً في مجمع تشخيص مصلحة النظام وإماماً موقتاً لصلاة الجمعة في طهران.
وعرف موحدي كرماني، الذي كان يصف نفسه بأنه" ولائي وثوري"، بمعارضته إقرار مشاريع القوانين المرتبطة بـمجموعة العمل المالي (FATF)، خلال فترة توليه رئاسة مجمع تشخيص مصلحة النظام بالوكالة، كذلك اشتهر بخطابه المتشدد من منبر صلاة الجمعة.
ولا يزال كثير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في إيران يتذكرونه بخطبة أعلن فيها أن استخدام تطبيق" تيليغرام" حرام.
وفي يونيو 2023، انتخب موحدي كرماني، وكان آنذاك في الثانية والتسعين من عمره، رئيساً لمجلس خبراء القيادة، خلفاً لأحمد جنتي.
غير أن رجل الدين المسن، الذي ظل طوال أكثر من أربعة عقود يشغل أحد أعلى المناصب في النظام الإيراني، اختفى اليوم عن الأنظار في أكثر المراحل حساسية في تاريخ النظام، من دون أن تنشر له أي صورة أو يظهر في أي مناسبة عامة.
أما آخر ظهور علني لأحمد جنتي، أمين مجلس صيانة الدستور، فيعود إلى مراسم إحياء ذكرى11 فبراير التي توافق ذكرى انتصار الثورة الإيرانية.
وقد بثت وسائل إعلام إيرانية آنذاك صوراً أظهرت رجل الدين المسن عاجزاً عن الحركة من دون مساعدة، فيما أحاط به مرافقوه وحراسه لمساندته أثناء سيره.
وأثارت تلك المشاهد، التي جاءت قبيل بلوغ جنتي عامه المئة، تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ سخر عدد من المستخدمين من ظهوره في المسيرة الحكومية، معتبرين أن حالته الصحية لا تتناسب مع استمرار توليه أحد أهم المناصب في النظام.
وقبل ذلك بوقت قصير، كان جنتي قد رد على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي قال فيها إن الوقت قد حان لتغيير القيادة في إيران، محذراً من أن أي" اعتداء" على ولاية الفقيه ستكون له" عواقب وخيمة" على الولايات المتحدة والعالم.
ومع اندلاع الحرب، تصاعدت التساؤلات بشأن مصير جنتي، ففي 27 مارس (آذار) نشر بيان نسب إلى مجلس صيانة الدستور، أعلن مقتل محمد تقي جنتي.
وبعد وقت قصير، ومع انتشار إشاعات عن مقتل أحمد جنتي أيضاً، سارعت بعض وسائل الإعلام الإيرانية إلى نفي تلك الأنباء، مؤكدة أن أمين مجلس صيانة الدستور لا يزال على قيد الحياة، وأن البيان المنسوب إلى الأمانة العامة للمجلس، والذي تداولته بعض وسائل الإعلام، لا أساس له من الصحة.
ومع ذلك، ومنذ ذلك الحين، لم يظهر أحمد جنتي في أي مناسبة عامة، ولم تصدر عنه سوى رسالة تعزية خطية بوفاة الشيخ رضا مطلبي، من دون أن ينشر له أي ظهور مصور أو تصريح علني.
ويعد أحمد جنتي، أمين مجلس صيانة الدستور والرئيس السابق لمجلس خبراء القيادة، أحد أكثر الشخصيات نفوذاً وإثارة للجدل في تاريخ النظام الإيراني، فقد تحول مجلس صيانة الدستور، خلال فترة توليه أمانته، إلى أحد أبرز أدوات الإقصاء المنهجي للمعارضين والمنتقدين، بل وحتى لعدد من الشخصيات الإصلاحية المنتمية إلى النظام، الأمر الذي دفع كثيرين إلى اعتباره أحد أبرز مهندسي ما يوصف بـ" هندسة بقاء النظام الإيراني".
غير أن هذا الرجل، الذي ظل حاضراً في المشهد العام لعقود، اختفى اليوم عن الأنظار في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ النظام الإيراني، من دون أي توضيح رسمي بشأن أسباب غيابه أو وضعه الصحي.
أين اختفى" الشيخ البكاء"؟يعد كاظم صديقي، إمام جمعة طهران السابق، المعروف بلقب" الشيخ البكاء"، وأحد أبرز الشخصيات المقربة من علي خامنئي، ثالث أبرز الوجوه المسنة في النظام الإيراني التي اختفت عن الأنظار منذ اندلاع الحرب.
وفي الأول من مارس 2026، أي بعد يومين فقط من بدء الحرب، تداولت بعض وسائل الإعلام ومستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي أنباء عن مقتله، قبل أن تنفى تلك الأنباء لاحقاً.
وولد كاظم صديقي في 20 مارس 1951 بمدينة أبهر في محافظة زنجان.
وكانت نقطة التحول في مسيرته السياسية عقب احتجاجات عام 2009، إذ عينه علي خامنئي إماماً موقتاً لصلاة الجمعة في طهران، بعد إقصاء أكبر هاشمي رفسنجاني من هذا المنصب.
وبعد ذلك، خلف صديقي أحمد جنتي في رئاسة مقر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبرز خلال سنوات نشاطه العام بتصريحات أثارت جدلاً واسعاً.
ومن أشهرها روايته التي ادعى فيها أن عيني رجل الدين محمد تقي مصباح يزدي انفتحتا أثناء تغسيله، فضلاً عن تصريحاته التي ربط فيها بين دعاء المسؤولين وهطول الأمطار.
غير أن أكبر الأزمات التي واجهها صديقي ارتبطت بما عرف إعلامياً بـ" قضية حديقة أزغل".
ففي مارس 2024، كشف أن قطعة أرض تزيد مساحتها على أربعة آلاف متر مربع، وتقدر قيمتها بنحو ألف مليار تومان، وتعود ملكيتها إلى الحوزة العلمية للإمام الخميني، نقلت إلى ملكية شركة عائلية تحمل اسم" أتباع أفكار القائم"، وسجلت باسمه وأسماء أبنائه.
وفي البداية، ادعى صديقي أن توقيعه على وثائق نقل الملكية قد زور، إلا أن التحقيقات اللاحقة أظهرت أنه وقع تلك الوثائق بنفسه وهو على علم بمضمونها.
وفي يونيو 2025، دخلت القضية مرحلة جديدة، بعدما ألقي القبض على نجله وكنته بتهم تتعلق بالاحتيال واستغلال النفوذ داخل السلطة القضائية، لتنتهي القضية بإعفائه من منصبه إماماً لجمعة العاصمة.
ويعود آخر ظهور إعلامي لصديقي إلى أوائل يناير (كانون الثاني) 2026، عندما علق على وفاة نجله، التي جاءت عقب الكشف عن قضية الفساد المالي، قائلاً إنه توفي" وهو ساجد في صلاة السحر".
أما آخر صورة نشرت له فتعود إلى أوائل ديسمبر (كانون الأول) 2025، عندما بثت بعض وسائل الإعلام الإيرانية صورة له وهو يؤم صلاة الاستسقاء في مدينة قم.
ومنذ ذلك الحين، لم تنشر أي صورة جديدة أو رسالة أو خطاب أو تصريح منسوب إلى كاظم صديقي.
ويأتي الغياب المتزامن لكل من محمد علي موحدي كرماني، وأحمد جنتي، وكاظم صديقي، في وقت لا تزال الحالة الصحية للمرشد الجديد للنظام الإيراني، مجتبى خامنئي، يكتنفها الغموض، فقد كان هؤلاء الثلاثة يحضرون بصورة شبه دائمة في وسائل الإعلام قبل اندلاع الحرب، غير أنه منذ ذلك الحين، لم يصدر أي دليل أو مؤشر يثبت أنهم ما زالوا يمارسون مهامهم في المناصب التي يشغلونها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك