استفاق روبرتو مارتينيز متأخراً من سباته، فالمدرب الذي يبدو هادئاً ومبتسماً على الدوام كان يواجه النهاية.
ربما نهاية مشوار البرتغال في كأس العالم، وربما نهاية فترته التدريبية أيضاً.
إذ كان الشوط الأول المحير للبرتغال قد شهد استحواذاً بلغ 69 في المئة، لكنه أسفر عن تسديدة واحدة فقط بين القائمين والعارضة.
لكن بعدما تأخر فريقه في النتيجة، أظهر مارتينيز حسماً ما دام اتهم بافتقاده، وأدى إجراء أربعة تبديلات دفعة واحدة إلى تغيير مجرى المباراة، بل وربما مسار كأس العالم.
وكان أحد الوافدين، غونسالو راموس، هو من أنجز ما عجز عنه كثير من المنافسين في النسختين الأخيرتين من كأس العالم، وحسم المواجهة أمام كرواتيا.
لكن تبديل مارتينيز الأخير كان الأكثر دلالة، وربما الأكثر تأثيراً، إذ ساد شيء من الدهشة عندما ظهر الرقم المخصص للتبديل: الرقم سبعة، رقم كريستيانو رونالدو، الرجل الذي خاض كل دقيقة في دور المجموعات، وبقي في الملعب عندما خرج برونو فيرنانديز وفيتينيا ضمن التبديلات الأربعة، الذي سجل أخيراً، بعد 20 عاماً من أول أهدافه في الأدوار الإقصائية لكأس العالم.
لكن مع وجود لاعب لا يقدم الإضافة في المقدمة، كانت البرتغال تخسر معركة خط الوسط.
ولذلك خرج رونالدو، ودخل روبن نيفيز، بينما انتقل راموس، الذي كان قد شارك كلاعب وسط هجومي، إلى قيادة خط الهجوم.
وهكذا وجد راموس نفسه في المكان المناسب عندما أرسل رافائيل لياو عرضية متقنة، ليقابلها برأسية رائعة ليسجل هدف الفوز في الدقيقة الـ94، وهو من الأهداف التي سيستمتع بها جمهور ملعب" سان سيرو"، بعدما أصبح راموس أغلى صفقة في تاريخ نادي أيه سي ميلان الإيطالي حيث سينضم هناك إلى مواطنه لياو.
لكن هذا في الحقيقة هو المسرح الذي يتألق فيه، الأدوار الإقصائية لكأس العالم.
فقد سجل ثلاثية أمام سويسرا في ثمن نهائي نسخة 2022، عندما انتزع مكان رونالدو في التشكيلة الأساسية.
واليوم عاد لمقاعد البدلاء، لكنه عاد أيضاً لهز الشباك.
دراما كرواتيا ونهاية رحلة مودريتشلكن الأدوار الإقصائية لكأس العالم بدت أيضاً المسرح المفضل لكرواتيا، فهذا الفريق الذي لا يعرف الاستسلام ظن أنه لم يهزم بعد.
وسجل يوشكو غفارديول ما بدا هدف التعادل في الدقيقة 103، لكن إيغور ماتانوفيتش لمس الكرة لمسة خفيفة للغاية نحو ماريو باشاليتش، مما جعل الأخير في موقف تسلل قبل أن يمررها إلى غفارديول.
وهكذا بلغ أحد الأساطير نهاية مشواره في كأس العالم، وهو ليس رونالدو بل لوكا مودريتش الرائع.
وبالنسبة إليه كما هو الأمر بالنسبة إلى كرواتيا، كانت نهاية مشرفة تليق بما قدماه.
وكما كان المثل يقول" لا تستبعد الألمان أبداً"، فإن كرواتيا تستحق المقولة نفسها.
فقد حول الكروات المباراة بالكامل، بعدما تحول الشوط الأول الباهت إلى شوط ثان مذهل.
وودعت تورونتو كأس العالم على وقع دراما ملحمية، بينما غادرت كرواتيا وهي تحمل شعوراً بأن الأمور كان يمكن أن تنتهي بصورة مختلفة.
تألق بيريسيتش وصمود كوستالم يكن رونالدو أول المخضرمين أو الوحيد الذي سجل في المباراة، فقد سبق لإيفان بيريسيتش أن هز الشباك في نهائي 2018، وعند بلوغه 37 سنة وخوضه مباراته الدولية الـ158، تقدم من مركز الظهير الأيسر ليضيف هدفاً جديداً إلى رصيده.
رفع يوسيب ستانيشيتش كرة عرضية، تم تحويلها برأسية نحو بيريسيتش، الذي كان من دون رقابة عند القائم البعيد، فاستقبلها بلمستين ثم سددها في الثالثة بزاوية متقنة إلى شباك حارس مرمي البرتغال ديوغو كوستا.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وبوسع كرواتيا أن تتساءل كيف لم تسجل هدفاً آخر، فقد واصل ماتيو كوفاتسيتش، الذي لعب بحيوية غير معتادة، اندفاعاته إلى الأمام، لكن كوستا حرمه من التسجيل مطلع الشوط الثاني، قبل أن تتصدى العارضة لتسديدة أخرى بعد مرور 75 دقيقة.
كما ألغي هدفان لبيتار سوتشيتش بداعي التسلل، وكادت كرواتيا تخطف الفوز في الدقيقة الـ89، لكن كرة رأسية باشاليتش مرت بجوار القائم.
أما دفاع البرتغال فاهتز أكثر من مرة، لكن حارس المرمى ديوغو كوستا ظل صامداً.
وتلقى الفريق صدمة عندما تأخر في النتيجة، بعدما فرض سيطرة عقيمة قبل الاستراحة.
وتصدى دومينيك ليفاكوفيتش ببراعة لتسديدة من برونو فيرنانديز في الدقيقة الثالثة، ثم مرت رأسية ريناتو فيغا بجوار المرمى بقليل، لكن ذلك كان كل ما حققه المنتخب البرتغالي تقريباً.
رونالدو بين الهدف والوفاء لجوتاإلا أن التأخر في النتيجة أيقظ البرتغال، فسدد لياو كرة مقوسة ارتطمت بالعارضة، ثم استلم رونالدو الكرة بلمسة رائعة ولعبها ساقطة فوق ليفاكوفيتش، لكن سبب وجوده خلف الدفاع الكرواتي، على رغم بلوغه 41 سنة، كان وقوعه في التسلل، ولم ينتظر طويلاً قبل أن يسجل هدفه.
وعندما تعرض ريناتو فيغا لإعاقة قوية داخل منطقة الجزاء من نيكولا فلاشيتش، طالب بدلاء البرتغال، ومن بينهم اللاعبون الأربعة الذين استبدلوا، الحكم إسبن إسكاس بالعودة لشاشة نظام حكم الفيديو المساعد لمراجعة اللقطة.
وبعد المشاهدة، احتسب ركلة الجزاء.
ونفذها رونالدو بإتقان، في لحظة حملت كثيراً من التنفيس عن الضغوط.
وربما مثلت أيضاً تبريراً لقرار مارتينيز الإبقاء عليه في الملعب في البداية، ومع ذلك بدا قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) باختيار رونالدو أفضل لاعب في المباراة أمراً غير منطقي.
وفي أوقات عدة، بدا المخضرم أشبه بالإجابة الكروية على برج" سي إن تاور": معلم بارز يسهل التعرف إليه في أفق تورونتو، لكنه لا يتحرك كثيراً.
ومع ذلك، اضطر في النهاية إلى التوجه نحو خط التماس عندما استبدل.
لكن بينما يتهم رونالدو أحياناً بالتصرف وكأن كل شيء يدور حوله، أظهر في النهاية جانباً نكرانياً.
فقد ذرف الدموع وهو يرفع قميصاً لم يكن يحمل الرقم سبعة الذي ارتداه طوال معظم مسيرته التي شهدت تسجيله 146 هدفاً دولياً، بل القميص 21 الخاص بزميله الراحل ديوغو جوتا.
وبعد المباراة التقط المنتخب البرتغالي بأكمله، لاعبون وأفراد الجهازين الفني والإداري، صورة جماعية وهم يحيطون بقميص المهاجم الراحل.
فهذا منتخب يحمل قضية أكبر، والآن سيواصل سعيه إلى تكريم جوتا عندما يواجه إسبانيا، موطن مدربه مارتينيز، في دالاس.
أما آخر ما سيشاهده كأس العالم من رونالدو، فلم يكن لحظة خروجه مستبدلاً في تورونتو.
أما بالنسبة إلى مودريتش، فقد أسدل الستار على رحلة ملحمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك