العقبة- مع ارتفاع درجات الحرارة في محافظة العقبة خلال فصل الصيف، تواجه الأسر تحديات متزايدة في توفير أنشطة آمنة ومناسبة لأبنائها خلال العطلة المدرسية، في ظل محدودية المساحات الخضراء والمرافق الترفيهية، وسط نمو سكاني متسارع رفع عدد سكان المحافظة إلى أكثر من 240 ألف نسمة.
اضافة اعلانوفي المقابل، تبرز المراكز الشبابية والأكاديميات الرياضية والأندية الصيفية كخيارات رئيسية تستقطب الأطفال واليافعين، من خلال برامج تدريبية وتعليمية وأنشطة لا منهجية تهدف إلى تنمية المهارات، واستثمار أوقات الفراغ، والحد من آثار العزلة الرقمية، وسط دعوات لتعزيز هذه البرامج وتوسيع نطاقها لتلبية الطلب المتزايد في المحافظة.
وتقدم المراكز الشبابية التابعة لوزارة الشباب، أو تلك المنبثقة عن مؤسسات المجتمع المدني في العقبة، مجموعة من الأنشطة، حيث لم تعد تقتصر على الترفيه التقليدي، متجهة نحو مسارات علمية وتكنولوجية متقدمة تحاكي متطلبات العصر، لتشمل دورات الذكاء الاصطناعي، وبرمجة الروبوتات، والتصميم الجرافيكي، إلى جانب ورش العمل المتخصصة في التفكير الناقد وحل المشكلات.
وهذه البرامج اللامنهجية تؤدي دورا حاسما في اكتشاف المواهب المبكرة وتنميتها في بيئة تخضع لإشراف تربوي ونفسي متخصص، مما يخلق توازنا مطلوبا بين المعرفة الأكاديمية التي يتلقاها الطالب في المدرسة وبين المهارات الحياتية التي يكتسبها في هذه الحواضن الصيفية.
وبحسب الخبير في الشؤون الشبابية الدكتور باسم عبيدو، فإن هناك واقعا ديموغرافيا يتطلب حلولا غير تقليدية، فمدينة العقبة بتعدادها السكاني المتزايد وطبيعتها المناخية تفرض علينا، كتربويين ومسؤولين، إيجاد بدائل مؤسسية قادرة على استيعاب آلاف الشباب والشابات، مؤكدا أن المراكز الشبابية اليوم تمثل خط الدفاع الأول لحماية الجيل من آفات الفراغ والانحراف السلوكي، وتوفر لهم بيئة آمنة تتنفس فيها عقولهم وتتطور مداركهم عبر برامج علمية وتدريبية محكمة، تعوض النقص الحاصل في الفضاءات المفتوحة والملاعب الخارجية التي تصبح غير قابلة للاستخدام في نهار الصيف الطويل.
وتبرز الأكاديميات الكروية والرياضية كعصب حيوي في منظومة الاحتواء الصيفي في العقبة، حيث تستقطب هذه الأكاديميات آلاف الأطفال واليافعين الشغوفين بكرة القدم وغيرها من الرياضات، وتعمل هذه المؤسسات الرياضية وفق جداول زمنية مدروسة تتجنب ساعات الذروة الحرارية، مستفيدة من الصالات الرياضية المغلقة أو الملاعب المضاءة في الفترات المسائية.
ولا يتوقف دور هذه الأكاديميات عند تلقين مهارات ركل الكرة أو اللياقة البدنية، بل يتجاوز ذلك لتكون مدرسة في الانضباط، والعمل بروح الفريق، واحترام القوانين، وإدارة الوقت، وهي قيم تتشربها الأجيال الناشئة في بيئة صحية تفرغ طاقاتهم الجسدية المكبوتة وتبعدهم عن شاشات الهواتف الذكية التي باتت تشكل خطرا داهما على صحتهم النفسية والجسدية.
ويشير مدير إحدى الأكاديميات الرياضية في العقبة، الكابتن أحمد يوسف، إلى أن الأكاديميات في العقبة تستقبل سنويا المئات من الطلبة الذين يبحثون عن مساحة لتفريغ طاقاتهم، وفي ظل غياب الحدائق والمسطحات الخضراء في العديد من الأحياء، تصبح الأكاديمية هي المتنفس الوحيد، مبينا أن الأكاديميات تحرص على توفير بيئة تدريبية آمنة ومجهزة بأعلى معايير السلامة العامة، وتركز في برامجها على بناء الشخصية القيادية للطفل وتعزيز ثقته بنفسه، وتلمس ارتياحا كبيرا لدى أولياء الأمور الذين يأتمنونها على أبنائهم في بيئة منظمة ومراقبة، بدلا من تركهم عرضة لمخاطر اللعب العشوائي في الشوارع أو الاستسلام لخمول الأجهزة الإلكترونية.
وعلى صعيد متصل، تشكل الأندية الصيفية الشاملة التي تطلقها المدارس الخاصة والجمعيات الخيرية والمبادرات المجتمعية رافدا أساسيا في دعم استقرار الأسر العاملة في العقبة.
ففي مدينة تعتمد بشكل كبير على قطاعات الموانئ والسياحة والخدمات اللوجستية، يجد الكثير من الآباء والأمهات أنفسهم ملزمين بساعات عمل طويلة، مما يضعهم أمام تحدي توفير رعاية آمنة لأطفالهم، لتأتي هذه الأندية ببرامجها المتنوعة التي تدمج بين الفنون، والأشغال اليدوية، والسباحة، والقراءة، والرحلات الاستكشافية المبرمجة، لتقدم حلا يضمن سلامة الأطفال ويحقق لهم المتعة والفائدة في آن واحد.
ويروي المواطن محمود الرياطي، وهو أب لأربعة أطفال، أن الأسر في العقبة تعيش في مدينة ساحلية ذات طبيعة مناخية شديدة القسوة خلال أشهر الصيف الطويلة، ومع التزايد السكاني الكبير وغياب الحدائق العامة المظللة أو المتنفسات الخضراء التي يمكن أن تستوعب طاقات أبنائنا، نجد أنفسنا أمام خيارات صعبة ومحدودة، فإما تركهم فريسة لشاشات الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية داخل المنازل المغلقة وما يرافق ذلك من أضرار نفسية وصحية بالغة، أو المخاطرة بتركهم يلعبون في الشوارع تحت أشعة الشمس الحارقة.
ويشير الرياطي إلى أن المراكز الشبابية والأكاديميات الكروية تبرز كطوق نجاة حقيقي وملاذ آمن يمنحنا، كأولياء أمور، طمأنينة على سلامة أبنائنا ومستقبلهم، مبينا أن هذه الأندية الصيفية تحولت إلى ورش عمل حقيقية تصقل شخصيات الأطفال، وتعلمهم الانضباط والعمل بروح الفريق الواحد، وتكتشف مواهبهم الدفينة، سواء في الملاعب الرياضية أو في قاعات الحاسوب والبرمجة، لتشكل هذه المؤسسات، بمبادراتها النوعية، شريكا إستراتيجيا لنا في العملية التربوية ورديفا أساسيا لجهود الأسرة في بناء جيل واع ومحصن يمتلك أدوات العصر، وقادر على مواجهة تحديات المستقبل بثقة واقتدار، بعيدا عن آفات الفراغ القاتل الذي يهدد مجتمعاتنا الحضرية المعاصرة.
الخيار الأمثل والأكثر أماناوتقول الموظفة السيدة فاطمة أحمد، وهي أم لثلاثة أطفال وعاملة في القطاع السياحي، إن الصيف في العقبة يمثل تحديا هائلا لنا كأمهات عاملات، فالحرارة تمنعنا من اصطحاب أبنائنا إلى الخارج، والمدينة تفتقر إلى الحدائق المظللة التي يمكن أن تستوعب طاقاتهم، لذلك أجد في الأندية الصيفية والمراكز التدريبية الخيار الأمثل والأكثر أمانا، فهي تضمن لي تواجدهم في بيئة مكيفة ومحفزة يتلقون فيها مهارات جديدة، ويتفاعلون مع أقرانهم تحت إشراف معلمين ومدربين مؤهلين، مما يمنحني الطمأنينة الكاملة أثناء تواجدي في مكان عملي.
من جهته، بين مدير شباب العقبة أحمد الحسن أن وزارة الشباب لا تنظر إلى المراكز الشبابية والأندية الصيفية كمجرد مساحات لتعبئة وقت الفراغ العابر، بل تعتبرها حواضن إستراتيجية ومصانع للقيادات الشابة، قادرة على صقل المهارات وتنمية الإبداع في بيئة آمنة ومحفزة، وترتقي بمستوى التفكير وتواكب متطلبات العصر الرقمي، لتتحول هذه المراكز إلى ملاذات فكرية ورياضية تحمي أبناءنا من مخاطر العزلة الإلكترونية، وتدمجهم في برامج لامنهجية تعزز قيم المواطنة الفاعلة والمشاركة المجتمعية الحقيقية.
ويضيف الحسن أن العمل الشبابي التنموي اليوم لم يعد جهدا أحاديا يقتصر على جهة حكومية بعينها، بل هو منظومة متكاملة تتطلب تضافر كافة الجهود وتوحيد الرؤى بين القطاعين العام والخاص لضمان استدامة هذه البرامج وتوسيع مظلتها لتشمل كافة أطياف المجتمع، لنصنع جيلا متسلحا بالمعرفة وقادرا على تحويل التحديات البيئية والمكانية إلى فرص حقيقية للنمو والابتكار، لتبقى العقبة دائما منارة للتميز وحاضنة للطاقات الأردنية الواعدة التي تشكل عماد المستقبل وثروته الوطنية التي لا تنضب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك