ليس كل فساد يرتكب بدافع الجشع الفردي، أو الانحراف الأخلاقي.
فهناك نوع أكثر تعقيدا وخطورة يمكن تسميته «بالفساد النافع»، وهو ذلك الفساد الذي لا يحدث رغم النظام السياسي، بل من أجله، إنه فساد لا يسامح به فقط، بل يُصنع ويُدار ويُحتضن لأنه يصبح جزاء من آلية بقاء السلطة واستمرارها، وفي كثير من الدول العربية لا يعمل هذا الفساد بمعزل عن محيطه، بل يجد في العشائرية والطائفية والمحسوبيات والحزبية بيئة مثالية تمنحه الشرعية والحماية والاستمرارية.
والمفارقة أن الأنظمة السياسية لا تخشى الفاسدين، بقدر ما تخشى النزيهين، فالإنسان النزيه الذي يمتلك أخلاقا وفكرا يصعب شراؤه أو ابتزازه، أو حتى إخضاعه، وجوده بحد ذاته يشكل تهديدا، لأنه يقدم نموذجا مختلفا عن ثقافة الولاء والمصالح، ويمنح الناس أملا بإمكانية وجود إدارة قائمة على الكفاءة والمسؤولية وبعيدة عن الهويات الفرعية، لذلك كثيرا ما يُهمش أو يُقصى أو يُستبعد من مواقع الإدارة والمسؤولية.
فيما الفاسد يمثل بالنسبة للسلطة قيمة مختلفة تماما، فهو شخص أصبحت مصالحه وثروته ومكانته مرتبطة ببقاء النظام، الذي وفر له الحماية، وكلما ازداد تورطه في شبكات الفساد، ازدادت حاجته إلى السلطة التي تحميه من المحاسبة، ولهذا يصبح أكثر ولاء وأكثر استعدادا لتنفيذ الأوامر والدفاع عن المنظومة القائمة، ومن هنا لا يعود الفساد مجرد خلل في الإدارة، بل يتحول إلى أداة سياسية لصناعة التبعية وضمان الولاء.
وتلعب الهويات الفرعية والانتماءات الحزبية والجماعات الشللية، دورا محوريا في تعزيز هذا النموذج.
فعندما يرتبط الفساد بالهوية الجماعية يتحول من ممارسة فردية إلى شبكة مصالح واسعة يصعب تفكيكها، يصبح المسؤول الفاسد ممثل لعشيرته أو طائفته أو جماعته، ويقدم أي نقد له على أنه استهداف للجماعة كلها، وهكذا تتحول المساءلة القانونية إلى نزاع هوياتي، ويصبح الدفاع عن الفاسد نوعا من الدفاع عن حقوق الجماعة وليس عن شخص متهم بسوء استخدام السلطة.
في هذه البيئة يكتسب الفساد حصانة إضافية، فالقوانين تستطيع مواجهة الفساد الفردي، لكنها تصبح أقل فاعلية عندما يتحول الفساد إلى منظومة اجتماعية وسياسية متكاملة، لذلك تفشل كثير من مشاريع الإصلاح العربية لأنها تصطدم بشبكات ولاء أقوى من مؤسسات الدولة نفسها، وتجد نفسها في مواجهة مصالح متشابكة تستفيد من بقاء الوضع القائم.
القوانين تستطيع مواجهة الفساد الفردي، لكنها تصبح أقل فاعلية عندما يتحول الفساد إلى منظومة اجتماعية وسياسية متكاملة، لذلك تفشل كثير من مشاريع الإصلاح العربيةتقدم سوريا في عهد عائلة الأسد مثالا واضحا على هذا النمط، فقد تحولت الدولة خلال عقود إلى شبكة واسعة من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية المتداخلة، ولم يعد الفساد مجرد تجاوزات فردية، بل أصبح جزءا من آلية الحكم ذاتها، وكانت بعض المؤسسات العسكرية والأمنية تتمتع بنفوذ اقتصادي واسع مكّنها من السيطرة على موارد ومفاصل حيوية، ما جعل الولاء السياسي مرتبطا بالمصالح الاقتصادية بشكل مباشر.
وفي مثل هذه الأنظمة لا يُنظر إلى الفساد بوصفه مشكلة يجب استئصالها، بل باعتباره ون سيلة فعالة لضمان التبعية، وعندما تزداد الضغوط الداخلية، أو الخارجية، تُطلق حملات انتقائية لمكافحة الفساد تستهدف شخصيات محددة، بينما تبقى مراكز النفوذ الحقيقية بعيدة عن المحاسبة، وهكذا يتحول الفاسد الصغير إلى كبش فداء، بينما تستمر المنظومة المنتجة للفساد في العمل مدون تغيير.
أما العراق فيقدم نموذجا مختلفا يقوم على المحاصصة الطائفية، فقد صمم النظام السياسي بعد عام 2003 لضمان تمثيل المكونات المختلفة، لكنه تحول مع مرور الوقت إلى آلية لتقاسم النفوذ والثروة بين القوى السياسية، وأصبحت المناصب في كثير من الأحيان تُوزع وفق اعتبارات الانتماء أكثر من معايير الكفاءة والخبرة، ما أدى إلى نشوء شبكات مصالح متداخلة تحمي نفسها بنفسها.
وفي هذا السياق لا يصبح الفساد انحرافا عن النظام، بل جزءاً من توازنه الداخلي.
فكل طرف يمتلك حصته من النفوذ، وكل طرف يخشى أن تؤدي محاسبة الفاسدين إلى إضعاف موقعه السياسي، ولذلك يُنظر إلى الإصلاح الحقيقي بوصفه تهديدا للتوازن القائم، لا فرصة لتحسين الأداء العام، أما الشخص النزيه الذي يرفض الانخراط في هذه المعادلة فيجد نفسه معزولا لأنه لا ينتمي إلى شبكة مصالح قادرة على حمايته.
ويقدم لبنان بدوره نموذجا آخر للفساد المرغوب، حيث تتداخل السياسة بالطائفية والزبائنية إلى درجة يصعب معها الفصل بين النفوذ العام والمصلحة الخاصة، فالكثير من العلاقات السياسية تقوم على تبادل المنافع والخدمات والوعود، ما يجعل الولاء السياسي قابلا للبيع والشراء بأشكال مختلفة، وتصبح قيمة السياسي أو المسؤول مرتبطة بقدرته على توزيع الامتيازات أكثر من قدرته على بناء مؤسسات قوية وفعالة.
والنتيجة أن الفساد يتحول إلى لغة مشتركة بين قوى تبدو متنافسة في العلن، لكنها تتفق ضمنيا على حماية القواعد التي تضمن استمرار النظام القائم، ولذلك تتكرر الفضائح وتُفتح الملفات ثم تُغلق، من دون أن ينعكس ذلك على بنية الحكم أو على طريقة إدارة الدولة.
بعد ثورات الربيع العربي اعتقد كثيرون أن هذه المنظومات ستنهار، لكن ما حدث كشف قدرة كبيرة على التكيف وإعادة إنتاج الذات، فقد تغيرت بعض الوجوه، وسقطت بعض الأنظمة، إلا أن البنى العميقة للسلطة بقيت فاعلة في أماكن كثيرة، واستطاعت شبكات المصالح القديمة، ورجال الأعمال المرتبطون بالسلطة القديمة، وأجهزة النفوذ التقليدية، أن تحافظ على مواقعها بالسلطة الجديدة وبدرجات متفاوتة.
كما أن الأسباب التي دفعت الناس إلى الاحتجاج لم تُعالج جذريا، فما زالت البطالة والتهميش والفساد وضعف المشاركة السياسية حاضرة في عدد كبير من الدول العربية، ولذلك عادت أنماط الحكم القديمة بأشكال جديدة، وأصبحت أكثر قدرة على إدارة الغضب الشعبي واحتواء الضغوط، من دون المساس بجوهر المنظومة.
وفي سوريا بعد سقوط نظام الأسد تبرز مخاوف مشابهة من إعادة إنتاج الآليات نفسها تحت عناوين جديدة.
فإسقاط رأس النظام لا يعني بالضرورة إسقاط الثقافة السياسية، التي سمحت بازدهار الفساد لعقود، الخطر الحقيقي يكمن في استمرار منطق تقريب الموالين وإبعاد المستقلين، ومنح الامتيازات للمقربين مقابل الولاء السياسي.
كما أن بروز بعض الشخصيات المرتبطة بمراحل سابقة، مقابل تراجع حضور شخصيات ثورية، أو مستقلة عُرفت بنزاهتها، يثير تساؤلات حول اتجاه المرحلة المقبلة، فالفاسد أو الانتهازي يمتلك غالبا قدرة أعلى على التكيف مع التحولات السياسية، بينما يدفع أصحاب المبادئ ثمن تمسكهم بمواقفهم، ولهذا كثيرا ما تنجح الشخصيات القابلة للتلون في البقاء داخل دوائر النفوذ مهما تبدلت الأنظمة.
ولا تتمثل المشكلة الأساسية في وجود أفراد فاسدين، بل في وجود أنظمة تعتبر الفساد النافع أداة حكم ووسيلة لضبط المجتمع وإدارة الولاءات، فالفساد النافع والمرغوب ليس مجرد سرقة للمال العام، بل منظومة متكاملة لإنتاج التبعية وإضعاف البدائل المستقلة ومنع نشوء مراكز قوة خارج إرادة السلطة.
ولذلك فإن الخروج من هذه الحلقة لا يتحقق عبر حملات إعلامية موسمية، أو محاكمات انتقائية، بل من خلال بناء مؤسسات مستقلة، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، وفصل السلطة عن شبكات المصالح والهويات الفرعية الضيقة، فطالما بقي الفاسد مرغوبا لأنه مطيع، وبقي النزيه مكروها لأنه مستقل، ستستمر الدائرة نفسها في الدوران، وستبقى المجتمعات العربية تدفع ثمن منظومات ترى في الفساد ضمانة للبقاء أكثر مما تراه خطرا يجب القضاء عليه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك