روسيا اليوم - عمال "مرسيدس" يقودون احتجاجات واسعة في قطاع السيارات بألمانيا روسيا اليوم - شهود عيان يكشفون تطورات حادثة صراخ سارة زوجة نتنياهو عليه (فيديو) العربي الجديد - ليندا مادجوري: ارتفاع واردات إيطاليا من الأسلحة الإسرائيلية روسيا اليوم - أسعار النفط تتماسك وسط آمال باتفاق أمريكي إيراني روسيا اليوم - مقتل شخصين على الأقل في إطلاق نار داخل مركز تجاري بولاية ميشيغان الأمريكية (فيديوهات) العربي الجديد - لبنان | ضغوط على الجيش وجدل متواصل حول اتفاق الإطار فرانس 24 - مونديال 2026: مصر تطيح بأستراليا بركلات الترجيح وتبلغ ثمن النهائي روسيا اليوم - "رويترز":خسائر النفط في الحرب الأمريكية على إيران دون مستويات أزمة 1979 إيلاف - تحقيق لبي بي سي: إنستغرام يعرض إعلانات تروج لمواد استغلال جنسي للأطفال في الهند روسيا اليوم - لماذا أصدر ريال مدريد بيانات رسمية بشأن فرنانديز وأوليس؟
عامة

عندما تصبح الشجرة وطن اللبنانيين البديل في زمن الحروب

Independent عربية
Independent عربية منذ 1 ساعة
1

في خريف عام 2024، حين ضاقت بنا بيروت واشتد القصف، اضطررنا إلى الرحيل نحو باريس، وكنا نمشي زوجي وأنا دوماً على ضفاف نهر السين ساعات في الطبيعة الباردة والساحرة، واستأجرنا كوخاً صغيراً في إحدى الضواحي ت...

في خريف عام 2024، حين ضاقت بنا بيروت واشتد القصف، اضطررنا إلى الرحيل نحو باريس، وكنا نمشي زوجي وأنا دوماً على ضفاف نهر السين ساعات في الطبيعة الباردة والساحرة، واستأجرنا كوخاً صغيراً في إحدى الضواحي تابعاً لمنزل ريفي، له حديقة واسعة وشجرتا زيتون تتوسطانها.

تلك السنة بالذات لم نقف على زيتوننا في الجنوب، فوالد زوجي، سيد الزيتون وراعيه الدائم في حقولنا، كان قد رحل قبل شهر، وفي باله حسرة أشجاره المتلألئة بحباتها السوداء والخضراء التي لم يعد يراها.

أخبرنا أصحاب الكوخ الفرنسي أننا نستطيع أن نقطف زيتونهم كيفما شئنا، فهما لا يهتمان بالأمر ولا يعرفان أصلاً كيف يمكن أن يحضّر ليصبح جاهزاً للأكل.

تلك الزيتونة الغريبة، البعيدة من جنوب لبنان آلاف الكيلومترات، كانت القشة التي قصمت ظهر الفراق حين تذكّرنا موسماً لم نحصده.

لكنها كانت أيضاً اليد الحانية التي خفّفت من وطأة الغربة، وكأن الشجرة، أياً كانت جنسيتها أو تاريخها، تعرف كيف تمد يدها لمن فقد شجرته.

يومها كتب زوجي" 25 سنة لم يترك أبي موسم الزيتون، وعندما تعذر قطاف الموسم بسبب الحرب، رحل أبي، وكأن زيت الزيتون كان وقوداً لحياته من عام إلى عام".

هذا المشهد وهذا الكلام على بساطته، يختصر علاقة معقدة بدأ العلم يفككها منذ عقود.

لماذا يهرع الإنسان في لحظة الانهيار إلى ما هو أخضر وحيّ وذات أفق؟ وتصبح شجرة الزيتون أو الصنوبر في سياق الحرب اللبنانية تحديداً أكثر من نبات؟في الحروب، يجردنا الخوف من طبقات المدنية الزائفة، فنتحول فجأة إلى أجساد تطارد غريزة النجاة، تبحث عن أي سقف يقيها الموت من دون التفات إلى هوية أو طائفة.

وبينما تضيق المدن بأسمنتها ومراكز إيوائها، وتتحول الشوارع إلى مصائد ممتلئة بأصوات القصف وروائح الفقد، تبقى الطبيعة وحدها الكيان الذي يفتح ذراعيه من دون شروط ولا محاكمات.

ليس غريباً أن يهرب الناس إلى الطبيعة عند الأزمات، فالأمر يبدو فطرياً أكثر منه قراراً واعياً.

ففي علم النفس البيئي، طرحت منذ ثمانينيات القرن الماضي فكرة أن الإنسان يحمل ميلاً عميقاً إلى الارتباط بالعالم الحي، وهو ما عُرف بفرضية" البيوفيليا"، التي صاغ مصطلحها عالم النفس الاجتماعي الألماني الأميركي إريك فروم عام 1964 ليعني حب الحياة وكل ما هو حي، قبل أن يكرّسها عالم الأحياء الأميركي إدوارد ويلسون في كتابه Biophilia الصادر عام 1984، معرّفاً إياها بأنها النزعة الفطرية لدى البشر للتركيز على الحياة وأشكالها والارتباط بها.

فالبشر عاشوا تاريخياً في الغابات والسهول والأنهار والجبال، ولم يسكنوا المدن الإسمنتية إلا أخيراً على المقياس التطوري، ما جعل الدماغ يستجيب للأشجار وصوت الماء والنباتات بوصفها مؤشرات أمان وموارد، بينما تُقرأ الأرض العارية كعلامة خطر.

وحين تتعطل خرائط الأمن الحديثة في الحرب، يعود الجسد ببساطة إلى خرائطه الأولى والفطرية، وربما الأصدق.

في دراسة بعنوان" نظرية استعادة الانتباه" نشرها عام 1989 عالما النفس البيئي في جامعة" ميشيغان" ريتشل وستيفن كابلان، قدّم الباحثان تفسيراً مكمّلاً لهذا الانجذاب، فالمدينة في الحرب تستهلك الانتباه القسري من كثرة الأخبار والأصوات والإشاعات والانفجارات، وصولاً إلى القرارات الصغيرة التي تتحول إلى عبء هائل، في حين تمنح الطبيعة ما سمّاه العالمان" الافتتان الناعم"، أي حالة الانتباه الهادئ المريح التي تولّدها حركة الماء والأوراق والضوء وأصوات الطيور، وهي أشياء تلفت الانتباه، فتتيح للدماغ أن يرتاح من يقظته المفرطة.

في السياق نفسه، أظهرت أبحاث أستاذ الهندسة المعمارية وعلم النفس البيئي روجر أولريخ التي نشرها عام 1984 أن المرضى الذين تطل غرفهم على مساحات خضراء يتعافون بسرعة أكبر ويحتاجون إلى مسكنات ألم أقل، وهي نتيجة استُخدمت لاحقاً في إعادة تصميم المستشفيات ودمج الطبيعة في بيئات الرعاية الصحية.

من بين المفاهيم التي تمنح هذه العلاقة ثقلاً علمياً وتطبيقياً، يبرز مصطلح" شينرين-يوكو" Shinrin-yoku، أي الاستحمام الغابي، الذي ظهر في اليابان عام 1982 بقرار من وزارة الزراعة والغابات بوصفه ممارسة استشفائية تعني حرفياً الاستحمام في أجواء الغابة وليس التنزه التقليدي، أو استنشاق بيئتها عبر الحواس الخمس.

وتقوم هذه الآلية على ركائز فيزيولوجية دقيقة، أبرزها المركبات الكيماوية الطيارة التي تفرزها الأشجار والنباتات لحماية نفسها من الحشرات والفطريات، والمعروفة بالمضادات الحيوية النباتية.

فحين يستنشق الإنسان هذه المركبات أثناء مشيه في الغابة، فإنها تحفّز خلايا الدم البيضاء المعروفة بالخلايا القاتلة الطبيعية، وهي الخلايا المسؤولة عن مكافحة الأورام والفيروسات وتعزيز المناعة التي تُضعفها صدمات الحرب، وتعمل الأصوات الحيوية، من خرير الماء إلى حفيف الأوراق، إلى جانب المشاهد البصرية الطبيعية، على نقل الجهاز العصبي من حالة الاستنفار" الودّي" المسؤول عن استجابة الكرّ والفرّ أثناء الخطر، إلى حالة" شبه الودّي" المسؤولة عن الراحة والهضم وترميم الخلايا.

أما الانغماس الحسي الكامل، من لمس لحاء الشجر إلى شم رائحة التراب بعد المطر وتأمل تداخل الضوء والظل الذي يسميه اليابانيون" كوموريبي"، فيعمل كابحاً للأفكار الاجترارية وقلق الترقب الناتج من الصدمات الصوتية والانفجارات، وهي الأعراض الأكثر التصاقاً بالناجين من الحروب.

منذ سنوات قليلة، أثناء جائحة كورونا، حين تحولت البيوت إلى جزر صغيرة، فهم الناس هذه العلاقة فجأة من دون حاجة إلى نظرية.

فمن كان يملك شرفة صار يطل منها كمن يملك امتيازاً، ومن يملك حديقة صار غنياً بطريقة لم تكن تظهرها البنوك، ومن استطاع المشي قرب البحر أو بين الأشجار عرف تماماً أن الهواء ليس تفصيلاً.

ووجدت دراسات عدة خلال الجائحة أن الاتصال بالمساحات الخضراء والزرقاء ساعد الناس على التكيف مع القلق والعزلة.

وفي الحرب يحدث الأمر نفسه، لكن بحدة أقسى بكثير، فالهروب إلى الطبيعة ليس دائماً نزهة، فأحياناً يكون نزوحاً أو مبيتاً قسرياً على عشب، أو انتظاراً تحت شجرة، أو طريقاً جبلياً بديلاً حين تصبح الطرق الأساسية محفوفة بالخطر، وإذا لم يجد الإنسان بيتاً يستقبله، قد تفتح الطبيعة أحضانها من دون أن تسأل عن بدل إيجار أو عدد الضيوف أو سبب المجيء، لكنها أيضاً لا تلغي الخطر، فهي في الحرب ملجأ ناقص وغير مجهز للعيش، لكنه يظل أقل قسوة من إسمنت محاصر، وأوسع من غرفة امتلأت بالخوف.

فالمشي في الطبيعة، إضافة إلى كونه رياضة، هو إعادة تفاوض بين الجسد والقلق، فالجسد الذي تلقى من الأخبار أكثر مما يحتمل، يحتاج إلى إيقاع بدائي، قدم أمام قدم، وشهيق وزفير، وأرض ثابتة تحت الحذاء، يحتاج إلى شيء من الثبات والتجذر، ولهذا نرى الناس في الأزمات يذهبون إلى البحر والجبال والأحراج حتى لو جلسوا صامتين، فهذه الأماكن تجعل كل شيء يبدو صغيراً أمام اتساعها وامتدادها.

على درجٍ في منطقة ضهور الشوير (جبل لبنان) الجبلية، جلست يوماً نازحة من الجنوب تتنشق رائحة الصنوبر والأخضر المحيط بها، وفي بالها حقول التبغ التي بقيت في قريتها من دون أن تُحصد.

لم تكن تلك اللحظة عابرة، كانت أقرب إلى محاولة لاهثة لالتقاط ما تبقّى من إيقاعها الداخلي، بعيداً من صوت الهاتف الذي بات نذير شؤم، وعن ليلٍ تحول إلى ترقب ثقيل، فحتى حين يغيّر النزوح الجغرافيا، تبقى رائحة الشجر قادرة على إعادة الجسد إلى شيء يشبه الأمان، ولو موقتاً.

الزيتون بوصفه رزقاً وذاكرةفي لبنان، وفي الجنوب خصوصاً، تصبح العلاقة مع الطبيعة أكثر تعقيداً، لأن الطبيعة هناك جزء من الهوية والرزق والذاكرة معاً.

فشجرة الزيتون سجل عائلي، فيه ظلّ للأجداد وموسم وزيت يُقاس من عام إلى عام، تماماً كما كانت الزيتونتان في ذلك الكوخ الفرنسي بديلاً موجعاً وحانياً في آن عن موسم لم يُحصد في الجنوب.

وحين تُحرق الأحراج أو تُجرف الحقول ويُمنع الناس من الوصول إلى أراضيهم، تنكسر النفوس، كأن الإنسان يُمنع من لمس النسخة الأعمق من ذاته.

ولا يقتصر هذا الحرمان على البيوت المهدمة أو الطرق المقطوعة، بل يطاول الطبيعة نفسها، فأن تكون ابن قرية ولا تستطيع الوصول إلى كرومها، وأن ترى الجبل من بعيد كأنه صار منطقة محظورة، تجربة يعيشها النازحون عن قراهم بحسرة لا يمكن وصفها، كما يعيشها الصامدون في القرى ممن لا يستطيعون مغادرة بيوتهم خوفاً من أي استهداف.

وهنا تنقلب الأرض التي كانت علاجاً للقلق إلى مصدر للقلق، وتتحول الطبيعة من حضن إلى جرح مفتوح، لأن الحرب وضعت بينها وبين أهلها حاجزاً من نار ومراقبة وخوف وموت.

في حرب عام 2024، حين استُهدفت أشجار الزيتون في الجنوب، لم يكن السلاح المستخدم في كثير من الحالات سلاحاً تقليدياً، فلقد استخدم تحديداً الفوسفور الأبيض، الذي عمل كأداة تدمّر الغطاء النباتي وتعمل كصدمة نفسية ممتدة في الزمن.

فحرق شجرة زيتون معمّرة، عمرها يمتد أحياناً مئات السنين، ليس مجرد خسارة زراعية، هو اغتيال للذاكرة الجمعية وتجفيف لجذور الصمود الجيلي التي بنتها عائلات بأكملها على مدى أجيال.

فالعدو هنا يستهدف الحاضر ويحرق المستقبل الاقتصادي والنفسي للمزارع الجنوبي في آن واحد.

وهكذا يمكن فهم استهداف الطبيعة في الحروب بوصفه أكثر من خسارة زراعية، ففي الجنوب، كما في فلسطين وكثير من أراضي النزاعات، تتحول الشجرة إلى شاهد سياسي، وحين تُقتلع يسقط جزء من الطمأنينة الريفية مع أخشابها.

وقد تكون الصورة الأيقونية عام 2005 للمرأة الفلسطينية الحاجة محفوظة أشتية في قرية سالم شرق نابلس (شمال الضفة الغربية) بثوبها الأحمر وهي تحتضن شجرة الزيتون بملامح الفاجعة، بينما تقف مدرعة إسرائيلية لاقتلاعها من أكثر الصور التي رسخت في عقل جيل كامل عن تعلق وتشبث أهل الأرض بأشجارهم وطبيعتهم وجذورهم في مواجهة الجرافات.

مما لا شك فيه أن هناك فرقاً نفسياً دقيقاً بين نازح من بيئة ريفية ممتدة، جنوباً كان أم بقاعاً (شرق لبنان)، اعتاد بصره على مدى واسع وخضرة مستمرة، وبين صدمة السكن القسري في مراكز إيواء مدنية، من مدارس إسمنتية إلى ضجيج سيارات وانعدام خصوصية بصرية وصوتية.

هذا التباين يفسر لماذا ينهار الجهاز العصبي لدى النازح ريفياً حين يُحشر داخل المدينة، ولماذا يصبح المشي قرب بحر بيروت أو صيدا (جنوب) أو جبيل (جبل لبنان) متنفساً غريزياً للبقاء على قيد الحياة العقلية أكثر منه ترفاً سياحياً.

وفي حين تضيق المدن بمبانيها وطرقاتها ومراكز إيوائها، تفتح الطبيعة ذراعيها من دون محاكمة ولا أحكام، من حرج، أو شجرة زيتون، أو شاطئ، أو نافذة تطل على شيء أخضر، وكأن الطبيعة الأم التي لطالما أسأنا إليها أو أهملناها، تعود في ساعة الذعر لتقول للإنسان إن في العالم ما زال هناك مكان يستقبله.

وفي بلد كلبنان يعاني من انهيار اقتصادي وتراجع في خدمات الرعاية النفسية المؤسساتية، تصبح الطبيعة أقرب إلى معالج نفسي مجاني، فالوصول إليها لا يحتاج بطاقة تأمين ولا تكلفة مادية، ما يجعل المحميات والأحراج خط الدفاع النفسي الأول.

الطبيعة كآلية للنجاة بالأرقامهذه العلاقة بين التعرّض للطبيعة وتراجع أعراض الصدمة لم تعد حبيسة الحدس الشعبي، وباتت موضع دراسة ممنهجة.

ففي دراسة أجرتها جامعة" كاليفورنيا" في بيركلي على 72 من المحاربين القدامى و52 شاباً من أحياء معرضة لعنف شبيه بالحرب، تتبع الباحثون تأثير رحلات التجديف في المياه البيضاء على أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، فسجّل المشاركون بعد أسبوع من الرحلة انخفاضاً بنسبة 29 في المئة في أعراض هذا الاضطراب، وتراجعاً بنسبة 21 في المئة في مستويات الضيق النفسي العام، ووجد الباحثون أن شعور الرهبة الذي يولّده المشهد الطبيعي الواسع هو المتغير الذي يفسر هذا التحسن.

وهذه النتيجة ليست استثناء، إذ تربط مراجعات علمية حديثة للتدخلات القائمة على الطبيعة، من العلاج بالغابات إلى الزراعة العلاجية، هذا النوع من التدخل بتغييرات إيجابية في حالة مرضى اضطراب ما بعد الصدمة، وبتحسن المزاج وتقدير الذات.

وفي دراسات أخرى على فئة المحاربين القدامى تحديداً، أفاد ما بين 60 و80 في المئة من المشاركين في برامج العلاج بالبرية بانخفاض في أعراضهم بحسب بيانات مؤسسة SavantCare المتخصصة في الصحة النفسية والطب النفسي في أميركا، بينما تشير مراجعات أوسع إلى أن التعرض للطبيعة قد يقلص أعراض القلق والاكتئاب بنسبة 36 في المئة أو أكثر مقارنة بالبيئات الحضرية، مع آثار مهدئة قد تستمر ساعات بعد انتهاء التجربة.

مراجعة أخرى نشرت عام 2019 بعنوان" آثار حمامات الغابات على مستويات الكورتيزول كمؤشر حيوي للإجهاد"، تناولت" الاستحمام الغابي" تحديداً وجدت أثراً قصير المدى واضحاً في خفض الكورتيزول، أحد أبرز مؤشرات التوتر.

والآلية هنا ليست نفسية فقط، إنما فيزيولوجية مباشرة، إذ يخفض التعرض للطبيعة مستويات هرمون الكورتيزول، ويقلل ضغط الدم، ويخفف أعراض القلق والاكتئاب، فضلاً عن أن البيئات الخضراء تخلق مناخاً يقوّي اليقظة الذهنية ويقلص التشتت العقلي.

وحين ينهار النظام المحيط بالإنسان، من مدينته وبيته وإحساسه بالأمان، يبقى جهازه العصبي قادراً على" إعادة التزامن" عبر منبّه واحد ثابت لم يتغير منذ آلاف السنين، هو الطبيعة.

لبنان مختبر مفتوح على التاريخيملك لبنان، على رغم صغر مساحته التي لا تتجاوز 10452 كيلومتراً مربعاً، تضاريس جغرافية متنوعة، من الساحل إلى السهل إلى الجبل المكسو بالثلوج، ما يجعل الهروب من الحرب إلى الطبيعة عملية تستغرق ساعة قيادة على الأكثر.

وخلال الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990، التي قُدّر عدد ضحاياها بنحو 150 ألف قتيل و300 ألف جريح ومعوّق و17 ألف مفقود، وهجرت نحو مليون شخص من بلد كان عدد سكانه ثلاثة ملايين نسمة فقط، تحولت القرى الجبلية والمناطق الريفية إلى مساحات نزوح جماعي.

وكان الانتقال هروباً إلى الجبل من خطوط القتال في بيروت بمثابة عودة إلى بنية اجتماعية وزراعية أبطأ وأكثر اتصالاً بالأرض، بكرومها وأشجارها، ووفّر إطاراً يومياً يمنح إحساساً بالاستمرارية وسط الانهيار الشامل للدولة والمدينة.

في حرب عام 2024 بين إسرائيل و" حزب الله"، وهي النموذج الأحدث والأكثر توثيقاً بالأرقام، تجاوز عدد القتلى 3800 شخص والجرحى 15800، مع نزوح نحو 900 ألف شخص داخلياً وقرابة نصف مليون عبر الحدود.

ونفذت إسرائيل ما لا يقل عن 13250 غارة جوية على القرى والبلدات والمدن اللبنانية بين أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 ونوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، أي بمعدل 32 غارة يومياً، أو أكثر من غارة واحدة في كل ساعة.

وأعلنت وزارة الزراعة اللبنانية حينها تضرر 22 في المئة من إجمالي مساحة الأراضي الزراعية جراء الحرب، بينما وثّق ناشطون محليون عمليات منظمة غير مسبوقة لاقتلاع آلاف أشجار الزيتون ونقلها، ما مثّل ضربة نفسية موجعة لأهالي البلدات المنكوبة، ودليلاً إضافياً على أن تدمير الطبيعة في الحرب ضربة مقصودة لمصدر الصمود النفسي والاقتصادي للمجتمعات الريفية، وليس مجرد أمر عرضي.

وبقيت المفارقة الأكثر دلالة هي ما حدث بعد إعلان وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر عام 2024، حين عادت مشاهد الازدحام باتجاه الجنوب، حاملة العائلات العائدة إلى قراها على رغم أن غالبيتها وجدت منازله مهدمة.

هذه العودة المتكررة إلى الأرض، التي يصفها الباحثون بأنها" دورة تهجير وعودة" تاريخية في جنوب لبنان، هي بالضبط الديناميكية التي تشير الدراسات النفسية إلى أنها تُعيد للناجين إحساسهم بالسيطرة، والعلاقة المادية بالأرض حتى بالبيت المهدوم نفسه، وبشجرة الزيتون التي بقيت واقفة، والنبع الذي لم يجفّ، فتصبح فعل استعادة نفسية بقدر ما هي فعل عودة جغرافية.

لم تكن حرب عام 2024 آخر الفصول.

ففي الثاني من مارس (آذار) عام 2026، وفي خضم الحرب الدائرة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، عادت المواجهات بين" حزب الله" وإسرائيل، واشتعل لبنان من جديد، غارات في الجنوب وبيروت والبقاع إضافة إلى إنذارات إخلاء شملت أكثر من 50 قرية في جنوب لبنان وسهل البقاع.

وامتدت هذه الجولة أشهراً، إذ أظهرت بيانات وزارة الصحة اللبنانية أن عدد القتلى تجاوز 4000، وعدد الجرحى فاق 12 ألفاً بحلول منتصف يونيو (حزيران) عام 2026، بينهم أكثر من 130 من المسعفين والعاملين في القطاع الصحي وحده.

وتجاوز عدد النازحين مليون شخص، أي نحو خمس سكان لبنان، في وقت استمرت الغارات شبه اليومية حتى بعد إعلان تفاهم أميركي - إيراني منتصف يونيو خفّض حدة العنف موقتاً، قبل أن تعود موجات القصف في اليوم التالي مباشرة لتخلّف عشرات القتلى في بلدات جنوبية عدة.

وفي 26 يونيو عام 2026، وقّع لبنان مع إسرائيل اتفاقاً إطارياً في واشنطن، بعد خمس جولات من المفاوضات المباشرة برعاية أميركية، هدفه رسم مسار لإنهاء النزاع، من دون أن يعني ذلك توقف الخروقات كلياً على الأرض.

لكن هذه الحرب الجديدة، التي جاءت بعد أقل من عامين على سابقتها، أعادت إنتاج المشهد نفسه، نازحون يبحثون عن ملاذ في الجبل والساحل، وأشجار زيتون تصبح مرة أخرى شاهداً على ما تبقى من الأرض حين يغيب كل شيء آخر.

ثروة صغيرة لكنها كبيرة الأثريضم لبنان نحو 15 محمية طبيعية، تشكل نحو ثلاثة في المئة فقط من مساحته، لكنها تحتوي على تنوع بيولوجي غني يضم نحو 370 نوعاً من الطيور المقيمة والمهاجرة، وما يزيد على 2000 نوع من النباتات والأزهار البرية، ونحو 30 نوعاً من الثدييات.

وتشكل المساحات الخضراء عموماً نحو 21 في المئة من إجمالي مساحة لبنان، وهي نسبة مرتفعة نسبياً لبلد بهذه الكثافة السكانية والاضطراب السياسي.

هذه المحميات، من أرز الشوف (جبل لبنان)، إلى وادي قاديشا (شمال)، إلى محمية اليمونة (البقاع) بأنهرها الأربعة الدائمة، لم تُبنَ كملاجئ نفسية بالمعنى الحرفي، لكنها أصبحت كذلك بحكم الواقع، فهي مساحات لم تطأها المعارك مباشرة، يهرب إليها اللبنانيون سياحياً في أوقات السلم، ووجودياً في أوقات الانهيار، بحثاً عن إعادة ضبط الجهاز العصبي والعلاج النفسي بكلفة ممكنة ومن دون أي وصمة.

توضح الأرقام النفسية في لبنان حجم الحاجة إلى أي مصدر تخفيف متاح ومجاني، إذ يعاني نحو نصف السكان من الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة، وسط نظام صحي ضعيف وشحّ في الموارد، علماً أن الجروح في لبنان لا تنحصر بحرب واحدة، فهي تتراكم منذ الحرب الأهلية التي انتهت بعفو عام من دون مساءلة قانونية أو مصالحة وطنية حقيقية، إضافة إلى أزمات اللجوء الفلسطيني والنزوح السوري التي أضافت أبعاداً جديدة للتحديات النفسية الاجتماعية في بلد لا يستطيع نظامه الصحي الحكومي مواجهتها، وهذا الواقع يفسّر جزئياً لماذا لا تُعامل الطبيعة في لبنان كرفاهية بيئية، إنما كمورد نفسي حيوي شبه مجاني في غياب بنية علاجية مؤسسية كافية، ومن هنا يكتسب مفهوم العدالة البيئية والنفسية وزنه، فحرمان شعب من مساحاته الخضراء هو انتهاك لحقه في التعافي والاستشفاء، تماماً كما هو الحرمان من دواء أو من طبيب.

الطبيعة تحافظ على الإنسانما يكشفه النموذج اللبناني هو أن العلاقة بين الطبيعة والتعافي من الحرب ليست علاقة هروب بقدر ما هي علاقة تثبيت، فالجهاز العصبي البشري، الذي تطور عبر آلاف السنين وسط الغابات والجبال والأنهار، يجد في هذه العناصر تذكيراً حسياً بأن العالم لم ينهَر بالكامل، حتى حين تنهار المدن والمؤسسات من حوله، ولهذا، حين تستهدف الحرب الحقول وأشجار الزيتون والمحميات، فإنها تستهدف أحد آخر مرتكزات الصمود النفسي المتاحة لشعب أنهكته الأزمات المتراكمة، فالطبيعة تفعل عكس ما تفعله الحرب تماماً، إذ تقطع الحرب السبل وتجعل الإنسان أسير حالة إنذار دائمة، بينما تمنحه الطبيعة ذلك القلب الكبير الذي يذكّره بأن في الحياة فسحة أمل أثناء الأزمات، وتبقيه إنساناً بعد النجاة.

وعلى رغم أن الطبيعة ليست بديلاً عن العدالة، ولا توقف الحرب، ولا تساعد الناس على العودة إلى بيوتهم وأراضيهم، ولا تستطيع إعادة إعمار ما هدمته الحرب، إلا أنها في لحظة الانهيار تقدّم ما لا تقدمه المؤسسات أحياناً، حضناً من دون أحكام ولا شروط، وتذكيراً هادئاً بأن الإنسان ابن الأرض قبل أن يصبح رقماً في نشرات النزوح.

وفي ذلك الكوخ الفرنسي، بعيداً من جنوب لم نصل إليه ذلك العام، كانت شجرتا الزيتون تقفان كأنهما تعرفان شيئاً لم نعرفه نحن بعد، أن الأرض، أينما كانت، تعرف كيف تحتضن من فقد أرضه.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك