كثيراً ما تبدأ الحروب في الشرق الأوسط بتفصيل صغير، ثم تنتهي بتسوياتٍ لم يكن أحد يتخيّلها.
وكما لم يكن كثيرون يتوقعون أن تفتح زيارة نيكسون الصين باباً لتحوّل عالمي في السبعينيات، فإن مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، إذا صحّت بنودها وصمدت أمام اختبار التنفيذ، قد تفتح باباً لتحوّل لا يقل عمقاً في الشرق الأوسط.
فعلى امتداد ما يقارب نصف قرن، بُني جزء كبير من النظام الأمني في المنطقة على حقيقة واحدة: الخصومة المفتوحة بين واشنطن وطهران.
تعاقبت الإدارات الأميركية، وتبدلت الحكومات الإيرانية، وتغيرت خرائط الحروب والتحالفات، لكن هذه الحقيقة بقيت ثابتة.
ومع هذا، لا تبدو هذه الوثيقة محاولة لإدارة الصراع فقط، بل محاولة لإعادة تعريفه بالكامل.
ما يلفت الانتباه في الاتفاق ليس الجانب النووي وحده، بل التحول في طبيعة العلاقة نفسها، فالنص لا يتحدث فقط عن رقابة على التخصيب أو خفض للمخزون النووي، بل عن رفع العقوبات، وتحرير الأصول المجمّدة، وضمان صادرات النفط، وفتح الطريق أمام خطة تنمية وإعمار لا تقل عن ثلاثمائة مليار دولار.
وهنا يبرز السؤال المركزي: ماذا تغيّر حتى تنتقل واشنطن من سياسة الضغط الأقصى إلى سياسة إعادة الإدماج؟ وما الذي ستحصل عليه في المقابل؟ هل حصلت على ضمانات نووية كافية؟ هل حصلت على تهدئة إقليمية حقيقية؟ هل حصلت على أمن الملاحة في هرمز، أم أن إيران نالت مكاسب اقتصادية ضخمة مقابل تعهدات سياسية قابلة للتأويل؟البند السادس هو قلب الاتفاق الحقيقي.
فثلاثمائة مليار دولار لإعادة إعمار إيران ليست تفصيلًا ماليًا، بل إعلان سياسي.
إنها تعني أن واشنطن لا تفكر فقط في احتواء إيران، بل في إعادة تأهيلها.
وهذا وحده كافٍ لإثارة أسئلة كبرى لدى إسرائيل، ودول الخليج، وخصوم إيران، بل وحتى داخل إيران نفسها.
خرجت إيران من سنوات العقوبات الطويلة أكثر خبرة في الصمود، لكنها أقل قدرة على تحمّل عزلة مفتوحة بلا نهايةجزء من الإجابة يتعلق بالتحولات الكبرى في النظام الدولي، فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط مركز الصراع الرئيسي في العالم.
لقد انتقل ثقل التنافس نحو آسيا، حيث الصين هي التحدي الأكبر.
ومن هذه الزاوية، قد تكون واشنطن قد وجدت أن استمرار عزل إيران لا يضعفها بالضرورة، بل يدفعها أكثر نحو بكين وموسكو.
أما روسيا، فقد تكون من الخاسرين الصامتين.
فإيران المعزولة كانت أقرب إلى موسكو بحكم الضرورة، أما إيران المنفتحة فستملك هامشاً أوسع للمناورة.
وعودة النفط الإيراني إلى الأسواق، وفتح الباب أمام الاستثمارات الغربية والآسيوية، قد يقلصان حاجة طهران إلى التحالف الاضطراري مع روسيا.
وقد خرجت إيران من سنوات العقوبات الطويلة أكثر خبرة في الصمود، لكنها أقل قدرة على تحمّل عزلة مفتوحة بلا نهاية.
صحيحٌ أنها طوّرت شبكة نفوذ إقليمية واسعة، لكنها لم تستطع تحويل ذلك النفوذ إلى ازدهار داخلي أو استقرار اجتماعي مستدام.
ولذلك تبدو القيادة الإيرانية، وفق منطق هذه الوثيقة، كأنها تحاول تحويل مكاسب الصمود إلى مكاسب اقتصادية وسياسية.
لا تكفي قراءة الاتفاق من زاويتي واشنطن وطهران وحدهما، فالنص يكشف عن محاولة لإعادة ترتيب البيئة الإقليمية بأكملها.
حين يتحدث البند الأول عن وقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات، فإن الأمر يتجاوز العلاقة الأميركية الإيرانية إلى شبكة الصراعات الممتدة من لبنان إلى العراق وسورية واليمن والخليج.
وهنا تظهر إحدى أكثر نقاط الوثيقة حساسية: الإشارة إلى “الحلفاء”.
فهل يعني هذا أن القوى المرتبطة بإيران في المنطقة مشمولة ضمنًا بالتسوية؟ وهل يتم التعامل معها كأذرع عسكرية يجب ضبطها، أم كأطراف واقعية في معادلة إقليمية جديدة؟ هذا السؤال وحده يكفي لجعل الاتفاق أخطر من مجرّد تفاهم ثنائي.
المشكلة الإسرائيلية ليست فقط في أجهزة الطرد المركزي، بل في إيران جديدة قد تدخل النظام الدولي من بوابة الشرعية الاقتصادية والسياسةفي اليمن، يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة، فإذا كان وقف الحرب يشمل جميع الجبهات، فقد يجد الحوثيون أنفسهم أمام لحظة اختبار: هل يستمرون قوة حرب، أم ينتقلون إلى مسار سياسي؟ غير أن السلام في اليمن لا يمكن أن يولد من تفاهم خارجي وحده؛ فهو يحتاج دولة، وعدالة انتقالية، وضمانات داخلية، وتسوية وطنية لا تختزل اليمن واحدةً من ساحات التفاوض بين الآخرين.
تقرأ إسرائيل الاتفاق بقلق عميق، لا بسبب الملف النووي وحده، بل بسبب احتمال ولادة إيران أقل عزلة وأكثر ثراءً وأكثر قدرة على الحركة؛ فالمشكلة الإسرائيلية ليست فقط في أجهزة الطرد المركزي، بل في إيران جديدة قد تدخل النظام الدولي من بوابة الشرعية الاقتصادية والسياسية.
وستقف دول الخليج أمام معادلة أكثر تعقيدأً.
فمن جهة، قد يخفف الاتفاق احتمالات الحرب في الخليج، ويحمي طرق الطاقة، ويفتح الباب أمام استقرار أوسع.
ومن جهة أخرى، قد ينتج إيران أكثر قوة، وأكثر قدرة على الاستثمار في نفوذها الإقليمي.
لذلك لن يكون السؤال الخليجي: هل نرحب بالاتفاق أم نرفضه؟ بل: كيف نتعامل مع شرق أوسط تعود فيه إيران من باب الاقتصاد بعدما دخلته طويلاً من أبواب السلاح والمليشيات والصراع؟الاتفاق، إن صحّ، ليس نهاية القصة بل بدايتها.
إنه رهان أميركي على أن إدماج إيران قد يكون أقل كلفة من محاصرتهالكن الخاسرين من الاتفاق لا يقتصرون على الدول.
فهناك شبكات كاملة عاشت على اقتصاد العقوبات، وعلى تهريب النفط، وعلى السوق السوداء، وعلى خطاب العداء الدائم.
داخل إيران وخارجها، هناك قوى بنت نفوذها وثروتها على استمرار الأزمة.
ولن تنظر هذه القوى إلى السلام فرصة، بل تهديداً مباشراً لمصالحها.
ومع هذا، لا ينبغي التعامل مع الوثيقة بوصفها سلاماً ناجزاً، فكل اتفاق كبير يحمل داخله احتمالات الفشل.
قد تعرقل السياسة الأميركية الداخلية رفع العقوبات.
وقد يرفض الكونغرس بعض الترتيبات، وها هي إسرائيل ترى الاتفاق يهدّد أمنها.
ولهذا، الاتفاق، إن صح، ليس نهاية القصة بل بدايتها.
إنه رهان أميركي على أن إدماج إيران قد يكون أقل كلفة من محاصرتها، ورهان إيراني على أن الصمود الطويل يمكن تحويله مكاسب اقتصادية وسياسية، ورهاناً إقليميّاً على أن التهدئة قد تفتح باباً للخروج من دورة الحروب المتكررة.
ويبقى السؤال الذي سيحدّد مصير المنطقة في السنوات المقبلة: هل نحن أمام سلام تاريخي يعيد تشكيل الشرق الأوسط، أم أمام هدنة كبرى تؤجل الصراع إلى موعد آخر؟
لا تزال الإجابة معلقة بين نص الاتفاق وواقع المنطقة.
لكن المؤكّد أن الشرق الأوسط الذي قد يخرج من هذه التسوية لن يكون الذي عرفناه في العقود الأربعة الماضية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك