باستثناء صحافية أميركية، لم يعبُر إلى غزّة، في أثناء حرب الإبادة التي أكملت أول من أمس أيامها الألف، أيُّ صحافيٍّ من خارج القطاع.
أمكن للزميلة، ساعاتٍ ثلاثاً فقط، في أثناء هدنةٍ عارضة، أن تكون في رفح الفلسطينية برفقة فريق مساعداتٍ وإسعاف طبّي عربي.
ولكن المصوّر الصحافي الفرنسي جوليان يُخبرنا بأنه كان من صحافيين غربيين قلائل سُمح لهم، في فبراير/ شباط 2025، بدخول القطاع، وهو مثل كثيرين، على ما يروي، كان قد شاهد صوراً ومقاطع فيديو عديدة للأماكن المدمّرة" لكنّ ثمّة فرقاً شاسعاً بين أن ترى وأن توجد هناك".
ولمّا كان (الزميل؟ ) جوليان هذا شخصيةً في رواية المغربي الفرنسي، رشيد بن الزين، " أن تقرأ كتباً في غزّة" (صدرت بالفرنسية في 2025، وبالعربية بترجمة عبد المجيد سباطة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2026)، أي إنه متخيّلٌ، في عملٍ روائي، فإن لك أن" تتسامح" مع هذا الافتراض.
والرواية تنشغل بمقاطع من سيرة غزّة، من خلال حكي فلسطينيٍّ من سكّانها، يملك مكتبةً هناك، لاجئ من بلدةٍ قرب حيفا إلى مخيّم عقبة جبر (مسقط رأس كاتب هذه السطور) في الغور الفلسطيني، ثم إلى مخيّم جباليا في القطاع.
والبادي أن الروائي بن الزين (باحث في العلوم السياسية والدراسات الدينية) أراد دخول جوليان غزّة، ليس فقط ليصوّر، بالكلمات لا بالكاميرا، اختفاء كل ما كان موجوداً هناك (تقريباً على ما يوضح).
وليكتب" يمثل كل منزل مدمّرٍ عائلةً، وحكايةً، وحيوات"، وإنما أيضاً لتنطق هذه الزيارة بمقولة الرواية الأساس، إن الغازي الإسرائيلي لا يرتكب في غزّة قتلاً وتدميراً وتهجيراً فقط، وإنما أيضاً محو المروية الفلسطينية وشهودها، فالراوي الأساس هو صاحب المكتبة، المسيحي من أمٍّ مسلمة، نبيل الجابر، المولود في عام النكبة (1948).
يسمع منه جوليان حكاية الفقد والتهجير والحرمان، والكفاح والبناء، والمقاومة ورحلة الفلسطيني في مسارات الحياة، متعلّماً وفدائياً ومثقّفاً ومحبّاً للمسرح والفنون، وقارئ شعر وروايات، وأسيراً في سجون الاحتلال.
ثم مغيّباً في غزّة بفعل آلة القتل والتهديم الإسرائيلية في حرب الإبادة.
البساطة في رواية رشيد بن الزين باهظة، فهي تقليديّة المبنى، لا تجريبَ فيها ولا إشراقات تخييليّة، ولا تناوب أزمنةٍ أو ساردين.
تبدو معنيّةً بالحكاية الفلسطينية كلها وإيجازها، من حيث الحادث في غزّة التي كان جوليان قد زارها غير مرّة، وتعرّف على صاحب المكتبة الذي يقرأ الكتب، ويحكي له عن والديه وأخيه الشهيد وأخته التي درست معه في الجامعة في القاهرة، القانون ثم استكملت دراسته في الولايات المتحدة التي صارت تقيم فيها، فيما هو عاد إلى جباليا، مع رفاقٍ وأصحابٍ له، ممن مضوا في مطالع السبعينيات إلى شؤونهم، في منظّمة التحرير وفي مناكب العيش، ثم لتصير حرب 1982 في لبنان، ثم تستجدّ تسوية" أوسلو"، ثم تنهض حركة حماس، وتزداد أعداد المحجّبات في المجتمع الغزّي، وتخفت الأحلام.
وفي الأثناء، تداوم إسرائيل على اقتراف جرائم العدوان المتكرّر، وفي إحداها يفقد صديقٌ للراوي حفيدته.
تضجّ حكاية نبيل الجابر بمرويات الرحيل والحب والحنين، وفي مكتبته وفي حافظته وذاكرته نصوص من مريد البرغوثي وماركيز ومحمود درويش، ومن ذاكرته يطلع الجزائري محمد ديب و" هاملت" شكسبير.
وتضجّ كاميرا جوليان بعينيه، في مقاطع حكيه، بمشهدياتٌ من الألم الغزّي المضفور بلحظات بهجةٍ طفيفةٍ.
ولعلّ من أميز مقاطع الرواية، الشديدة البساطة على ما يحسُن التكرار، مفتتحُها، عندما يهبط صاحبنا المصوّر الفرنسي من الفندق إلى الشوارع والحارات وبين المباني المهدّمة، فيرى، في الأثناء، مع كل ما يرى من أنقاض وشظايا زجاج و" حياة مسروقة"، يرى" صورةً لأحد الأجداد وهو يرتدي الكوفية تتحدّى الزمن" (من نباهات غير قليلة لكاتب الرواية المجتهد)، ويرى أيضاً أن الحياة، مع ذلك، تستمرّ، " مسرحٌ من البؤس والجنون، كحفلةٍ بشعةٍ حيث الأحياء لم يعودوا أحياء تماماً، لكنهم ليسوا أمواتاً بالمطلق أيضاً".
تلحظ عيون جوليان، وهو المصوّر، بهجة أطفالٍ يركضون و" يتقاذفون كرة قديمة منبعجة، ويتسلّلون بين الأنقاض، ملعب كأي ملعب آخر، بل أغنى".
بين بانورامية تُفتتح بها الرواية، قبل أن يُصادف الشاهد الفرنسي صاحب المكتبة، حارس الحكاية، وبانورامية تختتم بها الرواية، من مشاهد حرب الإبادة، حيث غياب المكتبة وصاحبها وذاكرته، ثمة الحكاية المصونة تلك، الممتدّة منذ النكبة إلى ما بعد اليوم الألف لحرب الإبادة المشهودة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك