تستعد مدينة نيويورك لاستضافة قادة العالم مرة أخرى خلال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول المقبل، لكن خلف الكواليس تثير الزيارة المتوقعة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عاصفة أمنية ودبلوماسية وسياسية.
وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، سيواجه الوفد الإسرائيلي في نيويورك، خلال الأسبوع الحادي والثمانين من المناقشات الذي يُفتتح رسميًا في 22 سبتمبر/أيلول، سلسلة من التحديات المعقدة، بدءًا من الترتيبات الأمنية غير المسبوقة التي عُدّلت في اللحظة الأخيرة، ووصولًا إلى جدول زمني يتعارض بشكل مباشر مع التقويم العبري، وانتهاءً برئيس بلدية يُعد من أشد المنتقدين لإسرائيل.
ويدرك رئيس بلدية نيويورك، زهران ممداني، الذي تولى منصبه بدعم قوي من نشطاء ومنظمات مناهضة لإسرائيل والصهيونية، أن وصول نتنياهو يُرجّح أن يكون الاختبار السياسي الأكثر إحراجًا خلال ولايته حتى الآن.
وامتنع مكتب ممداني حتى الآن عن إصدار بيان رسمي بشأن الزيارة، لكن مسؤولًا رفيعًا في المكتب أقرّ، في حديث مع «يديعوت أحرونوت»، بأن البلدية تصف وصول نتنياهو بأنه «صداع» لا يُطاق.
وكان أحد أبرز وعود ممداني خلال حملته الانتخابية تنفيذ مذكرة التوقيف المثيرة للجدل الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، و«اعتقال نتنياهو فور وصوله إلى نيويورك ».
وينتظر العديد من النشطاء البارزين من قاعدته السياسية تنفيذ هذا الوعد، الذي كرره رئيس البلدية مرارًا، ويطالبونه بقيادة المظاهرات وإلقاء الخطابات، بل ومنع شرطة نيويورك من تأمين القوافل الإسرائيلية.
ومع ذلك، فإن الواقع العملي لإدارة المدينة يفرض قيودًا على ممداني، إذ إن مدينة نيويورك ملزمة، بموجب معاهدات الأمم المتحدة والقانون الفيدرالي الأميركي، بتوفير الحماية لرؤساء الدول، ولا تملك السلطات المحلية أي صلاحية قانونية لمنع تحرك موكب نتنياهو، الذي تتولى تأمينه الأجهزة الفيدرالية المختصة.
ووفقًا للصحيفة الإسرائيلية، برزت فجوة بين الخطاب الانتخابي والحدود الفعلية للسلطة في نيويورك، وهو ما ظهر في وقت سابق من هذا العام عندما شارك وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، في مسيرة «التحية الإسرائيلية» السنوية في الجادة الخامسة، الأمر الذي عرّض ممداني لانتقادات من مؤيديه، رغم صدور أمر قضائي سمح بإقامة الفعالية.
وعندما سُئل ممداني عن زيارة سموتريتش، جدّد تأكيده على ضرورة احترام قرارات المحكمة الجنائية الدولية ومنع دخول الشخصيات الإسرائيلية التي يتهمها بدعم «الإبادة الجماعية».
ومع اقتراب زيارة نتنياهو، يُتوقع أن تتفاقم الضغوط السياسية عليه.
ويدرك ممداني أن أي قرار يتخذه، سواء خفض مستوى حضوره الإعلامي أو تصعيد موقفه العلني بما قد يثير خلافات مع الحكومة الفيدرالية، سيحمل كلفة سياسية كبيرة.
على الصعيدين اللوجستي والأمني، يبذل الوفد الإسرائيلي، بالتعاون مع جهاز الأمن العام (الشاباك) وجهاز المخابرات (الموساد)، جهودًا حثيثة لسدّ الثغرات، إلا أن هناك مسألة مهمة لا تزال عالقة، فبينما حجزت جميع الوفود الدولية الأخرى فنادق في المدينة، لم يتم التوصل بعد إلى حل لإيواء نتنياهو.
ويُعد استمرار إسرائيل في البحث عن حل متأخرًا جدًا في سياق الاستعدادات لهذا التجمع.
ويعود سبب التأخير إلى القرار غير المعتاد برفض الإقامة الدائمة في فندق ريجنسي، حيث اعتاد رئيس الوزراء الإقامة خلال زياراته في السنوات الأخيرة، وذلك بعد ثغرة أمنية كُشفت خلال الزيارة السابقة، حين تبيّن أن جناح رئيس الوزراء والمناطق المحيطة به كانت عرضة لإطلاق النار عبر النوافذ الزجاجية الواسعة المطلة على الشارع.
وبناءً على الدروس المستفادة، سيقيم الوفد الإسرائيلي هذا العام في مجمع بديل، حيث ستُطبق إجراءات أمنية أكثر صرامة تضمن عزلاً تامًا لخط رؤية العناصر المعادية المحتملة تجاه نتنياهو ومرافقيه، مع إنشاء دوائر أمنية محكمة بعيدًا عن نوافذ ناطحات السحاب المجاورة لمقر الأمم المتحدة.
وبالتزامن مع الترتيبات الأمنية، أجرت إسرائيل محادثات مع الأمانة العامة للأمم المتحدة في محاولة لتغيير موعد خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة.
ووفقًا للتوزيع الأصلي للدول، كان من المقرر إلقاء الخطاب في نهاية الأسبوع، قبيل عيد المظال اليهودي الذي يوافق هذا العام يوم الجمعة 25 سبتمبر/أيلول.
ولتجنب «تدنيس حرمة العيد» -بحسب المعتقد الديني اليهودي- أو سيناريو بقاء نتنياهو ومرافقيه وفرق الأمن الضخمة في نيويورك دون التمكن من السفر إلى إسرائيل أو تنظيم ترتيباتهم قبل حلول العيد، طلبت إسرائيل من الأمم المتحدة نقل الخطاب إلى ظهر يوم الخميس 24 سبتمبر/أيلول.
وقد تمت الموافقة على هذا الطلب، بما يفترض أن يتيح لنتنياهو عقد اجتماعاته وإلقاء خطابه والعودة إلى إسرائيل قبل بدء العيد.
من المتوقع أن يكون جدول أعمال نتنياهو السياسي في نيويورك حافلًا، لكن أبرز ما يجري التخطيط له حاليًا خلف الكواليس هو لقاء رئاسي.
وتؤكد مصادر دبلوماسية أن مفاوضات متقدمة تُجرى مع البيت الأبيض لعقد اجتماع رسمي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب على هامش أعمال الجمعية العامة.
وبالنسبة إلى نتنياهو، لا تزال الصورة المشتركة والدعم العلني من الرئيس ترمب في قاعة مؤتمرات بمانهاتن، عشية الانتخابات الإسرائيلية، رصيدًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، لا سيما في ظل الرغبة في إظهار جبهة موحدة ضد إيران، رغم التقارير التي تتحدث عن وجود أزمة في العلاقات.
وأكد مكتب رئيس الوزراء أن نتنياهو وترمب تحدثا هاتفيًا و«اتفقا على الاجتماع قريبًا في الولايات المتحدة»، ومن المتوقع أن يُعقد الاجتماع المرتقب على هامش أعمال الجمعية العامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك