مع اندلاع حرب السودان التي دخلت عامها الرابع تعرضت البنية التحتية لقطاع الكهرباء لأضرار كبيرة شملت محطات التوليد وخطوط النقل وشبكات التوزيع ومستودعات الوقود، إذ فقدت البلاد نحو 40 في المئة من طاقة التوليد الكلية خلال عام 2025، مما أدى إلى تراجع معدلات الكهرباء بنسبة تراوح ما بين 45 و60 في المئة مع تركيز الخدمة في المناطق الرئيسة، في وقت لجأ سكان المناطق التي تأثرت بالنزاع للاعتماد بصورة رئيسة على حلول بديلة في مقدمها الطاقة الشمسية التي زاد الطلب عليها بمستويات قياسية.
لكن ثمة سؤالاً يدور في أوساط المجتمع، هل بالإمكان أن تتحول الطاقة الشمسية من وسيلة للتكيف مع الأزمة إلى رؤية طويلة الأمد في ظل شلل قطاع الكهرباء والتحديات الماثلة؟في السياق يقول المتخصص في أنظمة الطاقة الشمسية أمين يحيى إن" الطاقة الشمسية أصبحت في السودان من ضمن الحاجات الأساسية لاستقرار المواطنين العائدين إلى مناطقهم التي كانت مرهونة باستقرار الإمداد الكهربائي، لكن مع طول أمد أزمة الكهرباء في البلاد توجهوا إلى حلول بديلة في مقدمها أنظمة الطاقة الشمسية".
وأوضح يحيى أن" الطلب يتزايد على ألواح الطاقة الشمسية بوصفها استجابة سريعة بسبب الظروف التي فرضتها الحرب، بخاصة في الجانب السكني، بينما الزراعي يعتمد بصورة كاملة عليها في ظل انقطاع الكهرباء لساعات، بل أيام وشهور متتالية لتشغيل الآبار لري الأراضي الزراعية، فضلاً عن معضلة الوقود، مما أدى إلى أن تصبح استخداماتها واسعة النطاق".
وتابع" في تقديري إن انتشار الألواح الشمسية جلب فوائد اقتصادية لناحية زيادة إنتاجية المساحات المزروعة، إذ أتاحت للمزارعين التوسع في زراعة محاصيل أخرى، كما جرى في الولاية الشمالية، فضلاً عن تحويل 110 منشآت صحية للعمل بالطاقة الشمسية، مما أسهم في تقديم الخدمات الصحية، بما في ذلك حفظ اللقاحات وتشغيل الأجهزة الطبية في مناطق تأثرت بانقطاع مستمر للكهرباء".
وبين أن" الطاقة الشمسية المناسبة للمنزل المتوسط تتكون عادة من محول بقدرة 3 كيلوواط ونحو أربعة إلى ستة ألواح بإنتاج ألفي واط، إضافة إلى بطاريتين سعة 200 أمبير لتوفير الكهرباء خلال ساعات الليل، لا سيما أن هذه المنظومة تتيح تشغيل الحاجات المنزلية مثل الإضاءة والثلاجة والمراوح، بينما المنازل ذات الاستهلاك الأقل تحتاج ألواحاً وكلفة بسيطة".
واستطرد" فيما يتعلق بالكلفة، فإن الأسعار تختلف باختلاف المواصفات، إلا أن الألواح بقدرة 500 واط يبلغ سعرها خمسة ملايين و200 ألف جنيه (999 دولاراً)، بينما سعر اللوح بقدرة 590 واط نحو 6 ملايين جنيه (1165 دولاراً)، ويبلغ سعر البطارية سعة 200 أمبير نحو 4 ملايين جنيه (832 دولاراً)، فيما يصل سعر المحول بقدرة ثلاثة كيلوواط إلى 10 ملايين و400 ألف جنيه (1998 دولاراً)".
ومضى في حديثه، " صحيح حين المقارنة بين الطاقة الشمية والمولد الحراري، نجد أن كلفة شراء الأخير أقل، لكن كلفته التشغيلية باتت عالية بسبب أزمة الوقود، أما الطاقة الشمسية فكلفتها الإنشائية عالية والتشغيلية صفر".
وقال المتخصص في أنظمة الطاقة الشمسية، " لضمان السلامة العامة وحماية الممتلكات، من الضروري الانتباه في تثبيت ألواح الطاقة الشمسية بطريقة آمنة مع التأكد من أن الألواح مثبتة بإحكام ولا تعتمد فقط على عملية التركيب من دون إشراف فني متخصص، بيد أن الألواح غير المثبتة بطريقة جيدة تتحول إلى خطر قاتل عند الرياح العاتية، وتزداد الأخطار في فصل الخريف عند هطول الأمطار الغزيرة وحدوث زوابع رعدية، مما يؤدي إلى تلف المحولات".
ويرى مصعب عبدالمنعم الذي يعمل في قطاع الكهرباء أن" الأضرار الكبيرة التي لحقت بقطاع الكهرباء نتيجة استهداف محطات التوليد وخطوط النقل وشبكات التوزيع، وفقدان نسبة كبيرة من طاقة التوليد الكلية، إلى جانب مستودعات الوقود، وإحداث خسائر بلغت مليارات الدولارات، أدى ذلك إلى تراجع معدلات الوصول إلى الكهرباء ولجوء المواطنين إلى حلول سريعة متمثلة في الطاقة الشمسية".
وأوضح عبدالمنعم أن" السودان يمتلك أحد أكبر الموارد الشمسية في أفريقيا، إذ إن متوسط الإشعاع الشمسي اليومي يراوح بين 3 و7,6 كيلوواط في الساعة لكل متر مربع، فيما تتجاوز الإشعاعات السنوية 2400 كيلوواط ساعة لكل متر مربع في أجزاء واسعة من البلاد، مما يضع السودان ضمن الدول التي لها إمكانات عالية لتوليد الكهرباء من الشمس".
وواصل المتحدث، " في تقديري هذه الميزة الطبيعية برزت خلال سنوات الحرب بسبب حاجة السكان إلى بدائل خارج الشبكة القومية للكهرباء في ظل رفع الطلب على أنظمة الطاقة الشمسية، بالتالي حدثت زيادة ملحوظة في واردات ألواح الطاقة الشمسية، بالتوازي مع تراجع الاعتماد على المولدات الحرارية التي أصبحت كلفة تشغيلها عالية مع ارتفاع أسعار الوقود".
وأشار الموظف في قطاع الكهرباء إلى أن" الطلب على الطاقة الشمسية يتزايد من جانب الأسر نتيجة عدم استقرار التيار الكهربائي، وكذلك في القطاع الزراعي، في حين تقل في القطاع الصناعي نسبياً بسبب ارتفاع كلفة الأنظمة لتشغيل المنشآت الكبيرة".
من جانبه أشار معتز الحاج أحد المستوردين لأنظمة الطاقة الشمسية إلى أن" جميع مدخلات الطاقة الشمسية يجري استيرادها من الخارج، في ظل عدم استقرار سعر الصرف، الذي يمثل العامل الأكثر تأثيراً في تحديد الأسعار داخل السوق المحلية".
وقال الحاج، " الإعفاءات الجمركية المتاحة تجعل الرسوم أقل تأثيراً من تقلبات سعر الصرف، لكن زيادة الطلب أو حدوث نقص في المعروض يؤديان إلى تفاقم الأسعار".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ولفت مستورد أنظمة الطاقة الشمسية إلى أن" هناك تفاوتاً كبيراً في جودة المنتجات المتاحة حالياً في الأسواق، إذ تتوزع بين فئات اقتصادية ومتوسطة وعالية الجودة، وهو ما ينعكس على العمر التشغيلي والكفاءة الفنية للأنظمة".
معلوم أن السودان كان يعتمد بصورة كبيرة على التوليد الكهرومائي الذي يوفر نحو 60 في المئة من الكهرباء، فيما يأتي الجزء المتبقي من محطات التوليد الحراري الذي يعتمد على الوقود المستورد، أما مصادر الطاقة المتجددة، وفي مقدمها الطاقة الشمسية فظلت تشكل نسبة محدودة للغاية لا تتجاوز واحداً في المئة.
في غضون ذلك، قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حجم الخسائر التي ألحقت بقطاع الكهرباء بنحو 3 مليارات دولار منذ نشوب الحرب في أبريل (نيسان) 2023، وهو رقم يعكس جانباً من حجم الدمار الذي طاول محطات التوليد وخطوط النقل وشبكات التوزيع، مشيراً إلى أنه ظل يقدم دعماً بتركيب ما يقارب 300 نظام شمسي للاستخدامات المنزلية والزراعية، مما أسهم في خفض كلفة الوقود في بعض المشروعات بنسبة وصلت 70 في المئة.
في المقابل حذر متخصصون من استخدام الطاقة الشمسية في التوصيل غير الآمن وتسببها في تلف المحولات، مؤكدين أنه بات من الضروري التنبيه مع انتشار منظومات الطاقة الشمسية في السودان بأخطار محتملة قد تصاحب هذا الاستخدام في فصل الخريف الذي يشهد أمطاراً غزيرة ورياحاً قوية وزوابع رعدية قد تتحول إلى أعاصير في بعض المناطق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك