منذ اللحظات الأولى لحرب الإبادة في غزة، لم يعد الفلسطيني رامي أبو شرخ (47 عاماً) يَحسب الأيام كما كان يفعل من قبل، بل بات يقيس الزمن بحجم الألم الذي يرافقه، وعدد المرات التي جدد فيها تحويلته الطبية، والسنوات التي أمضاها منتظراً فرصة واحدة للسفر وإجراء عملية جراحية قد تعيد إليه القدرة على الحركة بصورة طبيعية.
كان رامي أبو شرخ في بداية الحرب داخل منزله الواقع بالقرب من مستشفى الوفاء شرقي مدينة غزة، عندما دوى انفجار عنيف في محيط المنطقة.
أدرك في تلك اللحظة أن البقاء داخل المنزل قد يعرضه وعائلته لخطر الموت، في ظل استمرار الغارات الجوية التي كانت تستهدف الأحياء السكنية.
غادر مسرعاً محاولاً الابتعاد عن المكان، لكن ما ظنه طريقاً للنجاة سرعان ما تحول، في لحظات، إلى مسرح لإصابته.
يقول أبو شرخ لـ" العربي الجديد"، إن الطائرات الحربية واصلت قصف المنطقة بعد دقائق من خروجه من المنزل، قبل أن تستهدف موقعاً قريباً منه، فأصيب إصابة مباشرة وعنيفة في قدمه، ليسقط أرضاً عاجزاً عن الحركة، فيما كانت أصوات الانفجارات تتردد من حوله.
أسفرت الإصابة عن كسور معقدة في القدم، وتحطم عدد من عظامها، إضافة إلى خروج المفصل من مكانه، فضلاً عن إصابته بحروق استدعت تدخلاً طبياً عاجلاً.
ونُقل أبو شرخ إلى مستشفى الشفاء، حيث خضع لعمليات تنظيف للحروق وتثبيت أولي للكسور، وسط ظروف صحية بالغة الصعوبة، في ظل التدفق الكبير للجرحى والنقص الحاد في الإمكانيات الطبية.
لم تكن رحلة علاج أبو شرخ مستقرة، إذ اضطر إلى مغادرة مستشفى الشفاء بعد اقتحامه، لينتقل إلى مستشفى أبو يوسف النجار في مدينة رفح، حيث واصل تلقي العلاج لمدة شهرين.
ورغم الجهود التي بذلتها الطواقم الطبية، فإن محدودية الإمكانيات حالت دون استكمال علاجه بالشكل المطلوب، إذ كانت إصابته تستدعي تدخلاً جراحياً متخصصاً لم يكن متاحاً داخل قطاع غزة.
ويوضح أن مرحلة جديدة وأكثر قسوة بدأت بعد خروجه من المستشفى، فلم يكن قادراً على الوقوف أو المشي بصورة طبيعية، واضطر إلى استخدام كرسي متحرك لمدة ستة أشهر كاملة، معتمداً على أفراد عائلته في تلبية احتياجاته اليومية، بعد أن فقد القدرة على القيام بأبسط الأنشطة التي كانت جزءاً من حياته المعتادة.
ويلفت إلى أنه ومع مرور الوقت، تحسنت قدرته على الحركة بشكل محدود، لكنه لا يزال يعاني حتى اليوم آثار الإصابة، فكل خطوة يخطوها تذكره بما حدث، إذ ترافقه تشنجات مستمرة في القدم، وآلام حادة تزداد مع أي مجهود، حتى وإن كان بسيطاً، الأمر الذي يحد من قدرته على الحركة والعمل وممارسة حياته بصورة طبيعية.
ويؤكد أبو شرخ أن التقارير الطبية أوصت بإجراء عملية جراحية لإعادة ترميم المفصل ومعالجة الأضرار التي لحقت به، وهي عملية لا يمكن إجراؤها داخل القطاع في ظل الانهيار الكبير الذي أصاب المنظومة الصحية، ونقص الأجهزة الطبية والأدوات اللازمة، إضافة إلى غياب كثير من التخصصات الجراحية الدقيقة.
ولذلك حصل على تحويلة طبية للعلاج في الخارج قبل إغلاق المعبر، وكان يأمل أن يتمكن من السفر سريعاً لاستكمال علاجه، إلا أن ذلك لم يحدث، ويقول إن غياب آلية واضحة لسفر المرضى واختيار الحالات التي يسمح لها بالمغادرة حال دون حصوله على حقه في العلاج، رغم امتلاكه جميع الأوراق الطبية اللازمة.
ويضيف أبو شرخ أنه اضطر إلى تجديد تحويلته الطبية ثلاث مرات من دون أن يتمكن من السفر لتلقي العلاج.
وكانت أولى هذه التحويلات في يناير/كانون الثاني 2024، فيما صدرت آخرها في مايو/أيار الماضي، إلا أنها جميعاً بقيت حبراً على ورق، من دون تحديد موعد للسفر أو أي مؤشر يبعث على الأمل بإمكانية خروجه لاستكمال علاجه.
ويشعر بأن الوقت لم يعد يعمل لصالحه، فالإصابات المعقدة في المفاصل تحتاج إلى تدخل جراحي في الوقت المناسب، وتأخير العلاج لفترات طويلة قد يؤدي إلى مضاعفات دائمة، تشمل تيبس المفصل، وضعف الحركة، وربما فقدان القدرة على استخدام القدم بالشكل الطبيعي.
ويقول إن أكثر ما يرهقه ليس الألم الجسدي وحده، بل الشعور بالعجز أمام استمرار الانتظار، فكلما راجع حالته الطبية كان الجواب نفسه: " العملية ضرورية، لكن تنفيذها مرتبط بالسفر خارج القطاع"، وبين الحاجة الملحة إلى العلاج واستمرار إغلاق أبواب السفر، يجد نفسه عالقاً في دائرة لا تنتهي.
ويضيف أن حياته اليومية أصبحت محكومة بقدرة قدمه على تحمل الحركة، فالمسافات القصيرة تستنزف طاقته، والوقوف لفترات محدودة يضاعف الألم، فيما تمنعه التشنجات المتكررة من النوم أحياناً أو ممارسة أي نشاط يتطلب جهداً بدنياً.
وتعكس قصة رامي أبو شرخ واقع آلاف الجرحى في قطاع غزة، ممن تجاوزوا مرحلة الخطر الأولية، لكنهم ما زالوا ينتظرون استكمال علاجهم خارج القطاع، بعد أن أصبح النظام الصحي عاجزاً عن توفير كثير من العمليات الجراحية التخصصية أو برامج التأهيل اللازمة.
وبالنسبة لأبو شرخ، لم تعد التحويلة الطبية مجرد ورقة رسمية، بل تمثل الأمل الأخير في إنقاذ قدمه واستعادة جزء من حياته التي توقفت منذ لحظة إصابته، فيما يبقى السؤال الذي يرافقه كل يوم: " هل يصل إلى غرفة العمليات قبل أن يصبح العلاج غير ذي جدوى؟ ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك