إيلاف من طهران: مع بزوغ فجر اليوم السبت 4 يوليو 2026، توافدت حشود إيرانية مليونية إلى" مصلّى طهران الكبير"؛ للمشاركة في مراسم التشييع والوداع التاريخية للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي.
وخيمت على أرجاء العاصمة أجواء بالغة التعقيد، تداخل فيها الحزن العميق بالتعبئة السياسية القصوى والشعارات الغاضبة التي تدعو علانية إلى" الرد المباشر والثأر".
وغمر اللون الأسود باحات المصلّى، حيث تداخلت الرايات الحمراء —التي ترمز تقليدياً في الوعي المذهبي لطلب الدم والثأر— مع لافتات وشعارات" انتقام" المكتوبة باللغتين الفارسية والإنكليزية، بينما برزت في المشهد صور نجل المرشد الراحل، مجتبى خامنئي، في أول ظهور رمزي له منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على البلاد في 28 فبراير/شباط الماضي.
ولم تغب الشعارات الكلاسيكية الصاخبة المناهضة للغرب؛ حيث ردّد المشيعون هتافات" الموت لأميركا والموت لإسرائيل"، تزامناً مع رفع لافتات صريحة تدعو إلى" قتل" الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ومن جانبه، دعا رئيس مجلس الشورى وكبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، إلى" تعبئة شعبية شاملة"، معتبراً أن هذا الحشد المليوني يمثل رداً شعبياً حاسماً على مقتل المرشد، ومؤكداً أن" نداء الأمة للثأر يجب أن يتردد صداه في العالم".
“لسنا هنا للتشييع بل للانتقام”ونقلت وكالة" فرانس برس" عن أحد المشاركين في المراسم، التي أعلن التلفزيون الرسمي انطلاقها عند الساعة السادسة صباحاً (2: 30 ت غ)، قوله: " نحن لسنا هنا من أجل التشييع، بل من أجل الانتقام".
وفي السياق ذاته، قال الطالب حميد رضا شباني (18 عاماً): " علينا أن ننهض، وبإذن الله سننتقم لدماء قائدنا"، بينما عبّر جواد أكبري (43 عاماً)، وهو موظف، عن حزنه لعدم تمكنه من رؤية المرشد عن قرب قبل وفاته عن عمر ناهز 86 عاماً.
وُضع نعش خامنئي وجثامين أفراد من عائلته الذين قضوا معه في الضربة الصاروخية التي استهدفت مقر إقامته في اليوم الأول للحرب، على منصة مرتفعة في الباحة الخارجية للمصلّى، شُيدت هندسياً لتشابه المنصة التقليدية التي كان يطل منها المرشد داخل حسينية الإمام الخميني.
وطغت التلاوات القرآنية وأناشيد اللطم الرمزية على الحشود، في وقت تحولت فيه منطقة وسط طهران إلى ما يشبه" الثكنة العسكرية"، حيث أغلقت القوات الأمنية كافة الطرق المؤدية إلى المصلّى ضمن نطاق كيلومترين باستخدام الحواجز الخرسانية وسيارات الشرطة، تزامناً مع رش رذاذ المياه لتبريد الأجواء مع قفز درجات الحرارة فوق عتبة 35 مئوية.
استعراض التماسك الداخلي ومحطات العراقوتُعد هذه الجنازة، وفق التوصيف الرسمي، الأضخم في تاريخ إيران الحديث منذ رحيل مؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام الخميني عام 1989؛ وتأتي في توقيت إستراتيجي حساس تسعى فيه الدولة لإظهار صلابة قاعدتها الشعبية وتماسكها الهيكلي، بعد سلسلة من التحديات الأمنية والسياسية العاصفة، شملت حرب عام 2025 مع إسرائيل، ثم الحرب الأميركية-الإسرائيلية اللاحقة، وصولاً إلى احتجاجات داخلية شهدتها البلاد مطلع عام 2026 الحالي.
يذكر أن هذه المراسم الممتدة لـ 6 أيام تأتي بعد نحو أسبوعين فقط من توقيع واشنطن وطهران مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب تمهيداً لمفاوضات السلام النهائية.
ومن المقرر أن يظل الجثمان في مصلّى العاصمة حتى يوم الاثنين ليجوب شوارع طهران في موكب جنائزي حاشد، قبل أن يُنقل إلى مدينة قم، ومنها إلى العراق في 8 يوليو/تموز الجاري لزيارة العتبات المقدسة في النجف وكربلاء، على أن يُختتم المسار بالدفن النهائي في مرقد الإمام الرضا بمدينة مشهد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك