سنة أولى قيادة.
تحديات العام الأول في القيادة (3)في المقال السابق تحدثنا عن تحديات سنة أولى في المنصب القيادي.
وكان التركيز على شرنقة «الإنجاز الفردي» ثم حول «تحول الهوية المهنية: من «أنا» إلى «نحن»، واليوم حديثنا حول «تحقيق إنجازات سريعة».
في المقالين السابقين، تناولنا كيف يمكن لـ «فخ الإنجاز الفردي» وأزمة «الهوية المهنية» أن يعرقلا خطوات القائد الجديد في عامه الأول.
واليوم، نصل إلى واحد من أكثر التحديات ديناميكية وإثارة للجدل في بيئة العمل، وهو التحدي المرتبط بـإثبات الذات السريع.
عندما يتسلم قائد طموح، يمتلك سجلاً حافلاً بالتميز ورغبة مشتعلة في التطور المستمر، منصبه الجديد، فإنه يدخل المؤسسة محملًا بطاقة إنتاجية هائلة وحماس متدفق.
هذا الحماس، رغّم إيجابيته، قد يتحول إلى اندفاع غير مدروس، وخاصة عندما يقع القائد تحت وطأة شعور داخلي يملي عليه ضرورة إحداث تغييرات جذرية وفورية، ليثبت للإدارة العليا ولنفسه أنه يستحق هذا المنصب بجدارة.
هذا الاندفاع غالباً ما يوقعه في فخاخ تنظيمية كبرى، نستعرض تفاصيلها ومخاطرها في السطور التالية: سيكولوجية الاندفاع خلف كل قرار متسرع باتخاذ خطوة تطويرية كبرى يكمن دافع نفسي يسمى: البحث عن البصمة الفورية.
يرى القائد الجديد أن بقاء الوضع على ما هو عليه خلال أشهره الأولى يعكس ضعفاً فيه أو قلة ابتكار.
ولأن ملف إنجازه السابق كان يتحدث بصوت عالٍ من خلال مخرجات سريعة، فإنه يعتقد أن القيادة تعني قلب الطاولات وإعادة ترتيب الأوراق فوراً، دون أن يدرك أن المنظمات تشبه السفن الضخمة؛ الانعطاف الحاد والمفاجئ بها قد يؤدي إلى غرقها.
إن محاولة فرض واقع تنظيمي جديد دون تمهيد يحمل في طياته مخاطر استراتيجية قد تعصف بمستقبل القائد قبل أن يبدأ: 1.
الاصطدام بجدار «مقاومة التغيير» داخل كل مؤسسة يوجد من يسمون بـحراس الإرث أو الموظفين القدامى الذين قضوا سنوات في بناء الآلية الحالية للعمل.
عندما يأتي قائد جديد ويبدأ في نسف هذه الآليات في أسابيعه الأولى، فإن الرسالة الضمنية التي تصلهم هي: «كل ما فعلتموه طوال السنوات الماضية كان خاطئاً وعديم القيمة».
ونتيجة لذلك ينشأ تحالف صامت لمقاومة القائد الجديد، ليس كراهية فيه.
2.
الجهل بالسياق التاريخي كل إجراء أو نظام بيروقراطي أو بطيء يراه القائد الجديد في المؤسسة، غالباً ما تم وضعه في السابق لسبب وجيه، مثل حظر قانوني، تجنب كارثة رقابية سابقة، أو تلبية لخصوصية معينة في السوق المحلي.
إلغاء هذه الأنظمة دون فهم «لماذا وُضعت أصلاً؟ » يعد انتحاراً إدارياً.
الاستعجال في اتخاذ قرارات تبدو حديثة ورشيقة على الورق، لكنها تتسبب في كوارث تشغيلية أو قانونية عند التطبيق الفعلي، مما يضطر القائد للتراجع عنها لاحقاً، مهتز الصورة أمام إدارته وفريقه.
أمثلة واقعية من قلب الميدان المؤسسي قد يكون السلوك المتسرع يبدأ في الرغبة في توفير الميزانية وإظهار كفاءة مالية سريعة، حيث يقوم القائد بإيقاف التعاقد مع مورد قديم أو إلغاء مشروع تطويري بدأه سلفه، بحجة أنه لا يواكب المعايير الحديثة.
وللأسف يكتشف القائد (بعد فوات الأوان) أن هذا المورد كان يغطي ثغرة تقنية حرجة لا يعرفها إلا الموظفون التنفيذيون، أو أن المشروع الملغى مرتبط بامتثال لجهة تشريعية في الدولة، مما يضع المؤسسة تحت طائلة المخالفات القانونية.
لأن الرغبة في التطور المستمر هي ميزة تنافسية عظيمة، يجب على القائد الجديد ألا يطفئ هذا الحماس، بل يعيد توجيهه استراتيجياً عبر ثلاثة محاور أساسية: • مبدأ «الاستماع والتعلم والملاحظة»: اجعل أول 90 إلى 100 يوم بمثابة مرحلة تشخيصية.
التَقِ بالموظفين القدامى والجدد، اسألهم: «ما الذي يعمل بشكل ممتاز هنا ونحتاج للحفاظ عليه؟ • استراتيجية الانتصارات السريعة الصامتة: بدلاً من تغيير الهياكل والأنظمة، ابحث عن مشكلات صغيرة ومزمنة ترهق الموظفين (مثل: إجراء روتيني غير مفيد، نقص في أدوات مكتبية أو تقنية بسيطة، تحسين بيئة المكتب الفردية).
حلّ هذه المشكلات فوراً؛ فهذا يثبت فاعليتك ويمنحك رصيد ثقة.
• إشراك الفريق في صياغة المستقبل: عندما يحين وقت التغيير الجذري - بعد استيعاب السياق تماماً- لا تنفرد بالقرار، شكّل ورش عمل وعصف ذهني تجمع بين حماس الطاقات الشابة وخبرة الموظفين القدامى، واجعلهم يشعرون بأن التغيير نابع منهم وليس مفروضاً عليهم، وبذلك تتحول مقاومة التغيير إلى المشاركة في التغيير.
حكمة: «قبل أن تهدم سوراً بنته القيادة التي سبقتك، تريث واعرف جيداً لماذا تم بناؤه في هذا المكان تحديداً.
فالقائد الذكي لا يبني مجده على أنقاض الآخرين، بل يكمل البناء مستنداً إلى أساساتهم».
@hussainhalsayed.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك