صراحة نيوز – د.
ثابت المومنيمتخصص في إدارة موارد المياه في الأردنشهد عام 2021 تحولاً تاريخياً في مسار مشاريع المياه في الأردن، إذ انتهت عملياً فكرة ناقل البحرين التي استمرت أكثر من ثلاثين عاماً، وبدأت في المقابل مرحلة الناقل الوطني باعتباره المشروع الذي تعول عليه الدولة لتعزيز الأمن المائي.
ويستعرض هذا المقال الفروق الجوهرية بين المشروعين؛ إذ كان ناقل البحرين مشروعاً متعدد الأهداف يقوم على توليد الطاقة الكهربائية، وتحلية مياه البحر الأحمر، والمساهمة في الحد من تراجع منسوب البحر الميت، بينما اقتصر الناقل الوطني على تحلية مياه البحر الأحمر ونقلها إلى المحافظات لتوفير مياه الشرب.
كما يتناول المقال التطور التاريخي للكلفة التقديرية للمشروعين، حيث ارتفعت كلفة ناقل البحرين من نحو ملياري دولار إلى أكثر من اثني عشر مليار دولار عام 2010، مع تقديرات تشير إلى أن تنفيذه اليوم قد يتطلب عشرات المليارات، في حين ارتفعت الكلفة المعلنة للناقل الوطني من نحو 1.
5 مليار دولار إلى 5.
8 مليارات دولار خلال سنوات قليلة.
ولا يقتصر المقال على الجانب التاريخي، بل يقدم قراءة تحليلية للناقل الوطني من حيث كلفته الاقتصادية الحقيقية، والكلفة المتوقعة للمتر المكعب من المياه، وتأثير استمرار ارتفاع الفاقد المائي على الخزينة العامة، إضافة إلى رؤية مستقبلية ترى أن المشروع، رغم أهميته، لن يكون كافياً بمفرده لتحقيق الأمن المائي المستدام إذا لم يترافق مع خفض جذري للفاقد، وتطبيق الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وتنويع مصادر المياه لمواجهة النمو السكاني المتسارع.
ناقل البحرين… فكرة انتهت بعد أكثر من ثلاثة عقودولدت فكرة ناقل البحرين في ثمانينيات القرن الماضي، وأصبحت مشروعاً رسمياً بعد توقيع معاهدة وادي عربة عام 1994.
وقامت على نقل مياه البحر الأحمر للاستفادة من فرق المناسيب في توليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه، مع رفد البحر الميت بجزء من المياه للحد من تراجع منسوبه.
وخلال سنوات الدراسة ارتفعت الكلفة التقديرية للمشروع بصورة متسارعة، فبعد أن كانت تقارب ملياري دولار، تجاوزت 12 مليار دولار عام 2010، بينما تشير تقديرات بعض المختصين إلى أن تنفيذ المشروع في الوقت الحاضر قد يحتاج إلى عشرات المليارات من الدولارات.
وفي عام 2021 أُسدل الستار عملياً على هذه الفكرة، لتنتهي رحلة مشروع استمر أكثر من ثلاثين عاماً دون أن يرى النور.
الناقل الوطني… البديل الذي اختاره الأردنبعد انتهاء فكرة ناقل البحرين، اتجه الأردن إلى مشروع الناقل الوطني القائم على تحلية مياه البحر الأحمر في العقبة ونقلها إلى العاصمة عمّان وبقية المحافظات.
وبدأت الكلفة التقديرية للمشروع بنحو 1.
5 مليار دولار، ثم ارتفعت تدريجياً حتى وصلت، وفق أحدث التصريحات والوثائق الحكومية، إلى نحو 5.
8 مليارات دولار، في حين يرى بعض المختصين أن الكلفة الإنشائية النهائية قد تكون أعلى من ذلك.
برأيي، فإن الكلفة الحقيقية للناقل الوطني لا تتمثل في الإنشاء فقط، وإنما في مجموع الكلف المترتبة على المشروع طوال عمره، بما في ذلك التشغيل، ومدفوعات شراء المياه حتى عام 2056، والأعباء الناتجة عن استمرار ارتفاع نسبة الفاقد المائي.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، أرى أن الكلفة الإنشائية قد تتجاوز 6 مليارات دولار، وربما تصل إلى 8 أو 9 مليارات دولار، بينما قد يتراوح إجمالي العبء المالي للمشروع بين 20 و25 مليار دولار خلال عمره التشغيلي، وهي تقديرات تمثل رأياً وتحليلاً شخصياً.
كما أتوقع أن تتراوح الكلفة الفعلية للمتر المكعب الواحد من مياه الناقل الوطني بين دينارين ونصف وأربعة دنانير عند احتساب جميع الكلف المباشرة وغير المباشرة، وهو ما يجعل خفض الفاقد المائي عاملاً حاسماً في نجاح المشروع اقتصادياً.
من وجهة نظري، فإن الناقل الوطني لن يحقق الأمن المائي المنشود إلا بصورة نظرية إذا استمرت نسب الفاقد المائي عند مستوياتها الحالية، واستمر النمو السكاني بالوتيرة نفسها.
كما أنني لا أتوقع أن يلمس المواطن الأردني تحسناً جوهرياً في واقع التزويد المائي خلال عام 2027 مقارنة بعامي 2025 و2026، بل قد يستمر الواقع المائي بالتراجع حتى بعد تشغيل الناقل الوطني عام 2030، مع توقع ازدياد الضغوط المائية بصورة أوضح اعتباراً من عام 2035.
ولذلك، فإن تحقيق الأمن المائي لا يعتمد على مشروع واحد، وإنما على منظومة متكاملة تشمل خفض الفاقد المائي، وتعظيم الاستفادة من المياه المعالجة، وحصاد مياه الأمطار، وحماية المياه الجوفية، وتطبيق الإدارة المتكاملة للموارد المائية.
فهذه الإجراءات، إلى جانب الناقل الوطني، هي التي يمكن أن تقود إلى أمن مائي أكثر استدامة للأردن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك