صراحة نيوز – م مدحت الخطيبهناك فرقٌ شاسع بين من يدخل التحكيم لأنه يحفظ مواد القانون، وبين من يدخله بعقلٍ صاغته الهندسة، وربّته المعادلات، وعلّمته العلوم أن لكل قوةٍ توازنًا، ولكل حركةٍ تفسيرًا، ولكل قرارٍ أساسًا لا يحتمل الارتجالالحكم الأردني أدهم مخادمة ليس مجرد حكمٍ يدير مباراة، بل نموذجٌ يثبت أن التحكيم علمٌ قبل أن يكون موهبة، وانضباطٌ قبل أن يكون حضورًامن ينهل من علوم الديناميكا الحرارية والاستاتيكا والرسم الهندسي وعلم المواد وسواها من علوم الهندسة، لا يستغرب أحدٌ أن يراه يرسم خطوط العدالة داخل المستطيل الأخضر بثقة، ويقود أكثر المباريات تعقيدًا بثبات، ويُحسن قراءة زوايا اللعب كما يقرأ المهندس المخططات الدقيقةفالعقل الذي اعتاد أن يحسب الأحمال، ويفهم الاتزان، ويُدرك أثر أصغر المتغيرات، يصعب أن تهزه ضغوط الجماهير، أو تؤثر فيه صيحات المدرجات، أو تميل به الألوان والانتماءات.
إنه عقلٌ لا يعرف إلا الحقيقة، ولا ينحاز إلا للقانون.
التحكيم ليس جريًا خلف الكرة، ولا إطلاق صفارةٍ عند كل مخالفة، بل فنٌ في قراءة التفاصيل، وسرعةٌ في التحليل، وشجاعةٌ في اتخاذ القرار، وهي صفاتٌ لا تُولد صدفة، بل تصنعها سنواتٌ من العلم والانضباط والتدريبولهذا، حين يقف أدهم مخادمة في منتصف الملعب، فإنه لا يحمل صافرةً فقط، بل يحمل ثقافة مهندس، ودقة عالم، وثبات قائد، ورسالة حكمٍ يعرف أن العدالة لا تُدار بالعاطفة، وإنما بالعقل والضميرهكذا تُصنع القامات… وهكذا يرفع الأردنيون اسم وطنهم في أكبر المحافل.
فالنجاح لا يعرف المصادفة، والتميز لا يأتي من فراغ، وإنما هو حصيلة علمٍ راسخ، وجهدٍ متواصل، وشخصيةٍ لا تنحني إلا للحق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك