التصور الراسخ عن الغاية من التعليم الجامعي في معظم دول العالم هو أن ينتج موظفين.
لكن في أماكن أخرى اختارت أن تشكل المستقبل، بدأت الجامعة تتحول إلى شيء مختلف جوهريا: مصنع للشركات لا للموظفين.
والفجوة بين النموذجين ليست فجوة مناهج أو تمويل فحسب، بل فجوة في تعريف الغاية من الجامعة نفسها.
اضافة اعلانلعقودٍ قام التعليم العالي في المنطقة العربية على عقد اجتماعي غير مكتوب: احصل على شهادة، تحصل على وظيفة، تنعم بالاستقرار.
كانت الوظيفة الحكومية هي المكافأة النهائية، وكانت الجامعة في جوهرها بنية تحتية تغذي القطاع العام بالموظفين.
وقد بنيت كل ثقافة الجامعة ومناهجها ومقاييس نجاحها حول هذا العقد.
هذا العقد انهار عمليا.
الوظائف الحكومية لم تعد تتسع للأعداد المتخرجة، والقطاع الخاص يطلب مهارات مختلفة عما تنتجه الجامعة.
لكن نموذج الجامعة لم يحدَث ليواكب هذا الواقع الجديد.
ما زلنا ندير مصنعا صمم لإنتاج موظفين لاقتصاد لم يعد قائما، ثم نتساءل عن سبب الفجوة الصارخة بين مخرجات الجامعات ومتطلبات الأسواق المحلية أو الإقليمية.
الاقتصاد الحديث يعالج هذا الغموض من أكثر من وجه، وأحد أوجهه هو الشركات الناشئة التي تحتاج إلى أشخاص قادرين على التعامل مع الغموض، واتخاذ القرارات بأقل قدر من المعلومات، والتحرك بسرعة، والتعامل مع الفشل باعتباره معلومة لا وصمة عار.
في المقابل، تعلم الجامعة العربية النقيض تماما: الحفظ والتلقين، وتجنب المخاطرة، والامتثال للسلطة، وتعريف النجاح على أنه علامة في امتحان لا أثر في الواقع.
لا يمكن بناء ثقافة ريادية داخل نظام يعاقب الإجابة الخاطئة بدلا من أن يعدها جزءا من التعلم.
الطالب الذي يدرَب طوال سنواته على أن الخطأ هو فشل، سيحمل هذا الدرس معه حين يفكر في تأسيس شركة، وسيتردد.
وريادة الأعمال في جوهرها سلسلة طويلة من الأخطاء المصحَحة.
العديد من الجامعات العالمية أدركت تغير قواعد الاقتصاد العالمي، واتخذت مبادرات ريادية في هذا السياق.
يرتبط معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بعدد من الصناديق الاستثمارية لتمويل مشاريع طلابه، منها صندوق E14 Fund وThe Engine.
كما أن جامعة أوكسفورد لديها مؤسسة Oxford Science Enterprises التي تفحص عشرات الفرص الاستثمارية سنويا من مخرجات الجامعة، إضافة إلى Oxonian Ventures التي تستثمر في شركات خريجيها.
وهذا ليس حكرا على الجامعات الكبرى فقط، بل إن العديد من الجامعات الأصغر حجما تشاركت في تأسيس صناديق مشتركة حين لم يكن حجم كل منها كافيا لصندوق مستقل.
حين تشغل الجامعة صندوقا استثماريا حقيقيا، تتغير المعادلة بالكامل.
يصبح للجامعة مصلحة مالية مباشرة في نجاح طلابها، فتتحول من جهة تمنح شهادات إلى جهة تصنع شركات.
ويحصل الطالب على رأس مال صبور من مؤسسة تعرفه وتثق به، فتتداخل الحدود عمدا بين البحث الأكاديمي والمشروع التجاري، ومن هذا التمازج يولد الابتكار.
قد يقال إن هذا نموذج غربي لا يصلح لواقعنا.
لكن الرد حاضر في المنطقة ذاتها.
فقد بنت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (KAUST) في السعودية ذراعا استثمارية حقيقية تستثمر في الشركات الناشئة الناتجة عن أبحاثها وطلابها، وحولت منظومتها إلى محرك فعلي لإنتاج شركات تقنية عميقة، وصل بعضها إلى أسواق عالمية.
النموذج ليس وصفة غربية عصية على التطبيق، بل تجربة أثبتت نجاحها في المنطقة، ضمن رؤية تنموية محلية.
في الأردن، أطلقت بعض الجامعات حاضنات ومسرعات أعمال؛ وهنا لا بد من تمييزٍ جوهري كثيرا ما يطمس.
فالحاضنة (Incubator) والمسرعة (Accelerator) وصندوق الاستثمار الجريء (VC) ليست مترادفات، بل حلقات متتابعة في سلسلة واحدة.
الحاضنة ترعى الفكرة في طورها الأول وغالبا بلا تمويل يذكر.
أما المسرعة فتدفع الشركة الوليدة عبر ضخ مبالغ صغيرة نسبيا لتصبح جاهزة للاستثمار.
في حين يعمل صندوق الاستثمار الجريء على مستوى مختلف تماما، بمبالغ أكبر بكثير وقدرة على مرافقة الشركة عبر جولات تمويلية متلاحقة.
الحاضنة تغذي المسرعة، والمسرعة تغذي الصندوق، وحين تغيب الحلقة الأخيرة، تتخرج الشركة الواعدة إلى فراغ.
هذا التمييز هو مفتاح فهم المعضلة.
فما أطلقته الجامعات الأردنية حتى الآن يقع في الحلقات الأولى من السلسلة: احتضان، وتسريع، وتدريب، وتجهيز.
وهي حلقات ضرورية لا شك، لكنها تبني الجزء المبكر والأرخص من السلم ثم تتوقف عند الدرجة التي يبدأ عندها الجزء الأصعب والأكثر حسما.
الشركة التي تتخرج من هذه البرامج تجد نفسها أمام فراغ تمويلي، لأن الحلقة التي يفترض أن تلتقطها وتمولها وترافقها في نموها غير موجودة داخل المنظومة الجامعية.
السؤال إذن ليس: لماذا لا تملك جامعاتنا حاضنات؟ فهي تملكها فعلا، بل أين الحلقة الأخيرة؟ أين صندوق الاستثمار الجامعي الذي يحول الفكرة المحتضنة إلى شركة قادرة على النمو والمنافسة؟ الفجوة ليست في غياب البنية، بل في اكتمالها الناقص.
والمقومات اللازمة لبناء ما ينقص حاضرة: كفاءات شبابية تقنية، وجامعات متخصصة، وحجم اقتصادي يسمح بالتجريب دون مخاطر ضخمة.
ما ينقص ليس القدرة، بل القرار.
وقد يكون العائق الأكبر أمام بناء هذه الحلقة هو حجم رأس المال المطلوب، وهو عائق حقيقي لجامعة منفردة في اقتصاد صغير.
لكن الحل نفسه موجود في التجربة التي أشير إليها سابقا: لا شيء يمنع عددا من الجامعات المحلية أو الإقليمية من أن تتشارك في تأسيس صندوق استثماري واحد مشترك، تجمع فيه مواردها المحدودة لتصنع كيانا تمويليا ذا وزن حقيقي وقدرة على المنافسة.
ما يعجز عنه كل منها منفردا قد تحققه مجتمعة.
صندوق جامعي إقليمي واحد قد يكون أقوى وأكثر استدامة من عشرة صناديق صغيرة متناثرة، وأقدر على التقاط الشركات الواعدة قبل أن تهاجر بحثا عن تمويل في أسواق أخرى.
وما ينطبق على الأردن ينطبق على معظم جامعات المنطقة.
ما زالت غالبيتها تعمل بمنطق مصنع الموظفين، بينما أثبتت تجربة KAUST بهدوء أن ثمة نموذجا آخر ممكنا هنا، لا في وادي السيليكون وحده.
الجامعة التي تكتفي بتخريج باحثين عن وظائف في زمن الذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة تفوت دورها الحقيقي كمحرك اقتصادي، وتتحول من رافعة للنمو إلى حلقة في نهايتها طابور انتظار طويل.
التحول لا يتطلب معجزة، بل إعادة تعريف: أن ترى الجامعة نفسها لا كجهة تمنح شهادات، بل كمؤسسة تصنع شركات وتملك حصصا فيها وتربح من نجاحها.
حين يتغير هذا التعريف يتغير كل ما بعده: المناهج، والحوافز، وعلاقة الأستاذ بالطالب، وعلاقة الجامعة برأس المال.
وحتى يحدث ذلك، ستبقى جامعاتنا تنتج بإتقان ما صممت أصلا لإنتاجه: موظفين لاقتصاد يتقلص، لا مؤسسين لاقتصاد ينمو.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك