تمر الولايات المتحدة بمنعطف تاريخي استثنائي وهي تحيي الذكرى الـ250 لإعلان استقلالها، وهي مناسبة تُشكل عادة سانحة للاحتفاء بالمنجزات واستحضار ملاحم التأسيس.
لكن احتفالات أمريكا هذا العام بعيد الاستقلال تخيم عليها ظلال كثيفة من الاستقطاب السياسي الشديد، والتراجع الاقتصادي النسبي، والانقسام المجتمعي العمودي الذي يطال الهوية الوطنية في صميمها.
list 1 of 2صحف عالمية: طهران أحسنت استغلال جنازة خامنئي ولم تبدد الشكوك بشأن مجتبىlist 2 of 2كاتب إسرائيلي: هل الطلاب الإسرائيليون أغبياء إلى هذا الحد؟ففي مقال تحليلي مطول نشرته صحيفة التايمز البريطانية، يرى كاتب عمود الرأي جيرارد بيكر أن المزاج الأمريكي في الذكرى الـ250 للاستقلال هو الأكثر تشاؤمًا منذ عقود، إذ تحل المناسبة وسط استقطاب سياسي حاد، وتراجع في الثقة بالمؤسسات، وقلق واسع بشأن المستقبل الاقتصادي والسياسي للبلاد.
ويتساءل بيكر عما إذا كانت أمريكا قد استنفدت طاقتها وقدراتها بعد قرنين ونصف من الزمان، مستعرضا في عنوان مقاله ملامح بلد غدا" منقسما، ساخطا، ومتهرئا"، على حد تعبيره.
واستهل بيكر قراءته باستدعاء حوار طريف دار قبل سنوات خلال حفل عشاء استضافه السفير الأمريكي في لندن بحضور الملكة الراحلة إليزابيث الثانية والأمير فيليب.
وفي تلك الأمسية، أشار السفير ممازحا إلى الخلاف الذي نشأ قبل قرنين وفضل بعده الأمريكيون المضي في طريقهم المستقل، ليرد عليه الأمير بتهكم لاذع: " نعم، وكيف سارت الأمور معكم بعد الانفصال عن بريطانيا؟ ".
ويوضح الكاتب أن هذا السؤال الذي طالما أجاب عنه الأمريكيون بثقة عبر تاريخهم الحديث، أصبح اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
ووفقا للصحيفة، فقد رسخت في أذهان الأمريكيين، منذ نعومة أظفارهم، روايةٌ مفادها أن بلادهم بدأت جماعةً متمردة من مستعمرين كان يُنظر إليهم بازدراء، تحدّوا أعظم قوة إمبراطورية في العالم، ثم نجحت في تجاوز انقساماتها ووصمة العبودية، لتغدو الدولة الأولى في العالم، متربعة على قمة نظام دولي أسهمت هي نفسها في تأسيسه، عبر انتصارها في الحروب العالمية وبقوة المثال الذي قدمته، بوصفها نموذجا للحرية والازدهار.
ويعقد بيكر مقارنة تاريخية مع احتفالات الذكرى المئوية الثانية عام 1976، حين كانت أمريكا تعيش أزمة وطنية خانقة متمثلة في فضيحة ووترغيت التي أجبرت الرئيس ريتشارد نيكسون على الاستقالة، والانسحاب المهين من فيتنام، فضلا عن الركود الاقتصادي والتضخم.
ولكن في ذلك الصيف من عام 1976، حظي الأمريكيون بلحظة عابرة للتخلص من الشعور بأن بلادهم تمضي في طريق الانحدار.
فقد نحّى الخصوم السياسيون خلافاتهم جانبا، ولو ليوم واحد، واحتفلوا معا.
أما اليوم، وبعد مرور 50 عاما على تلك المناسبة، فإن احتفالات هذا العام 2026 تبدو -برأي بيكر- باهتة ومنقسمة، حيث قاطعت بعض الولايات التي يقودها حكام ينتمون إلى الحزب الديمقراطي، فعاليات رسمية، وتحول الاحتفال المركزي إلى مناسبة يغلب عليها الطابع السياسي المرتبط بالرئيس دونالد ترمب أكثر من كونها احتفالا وطنيا جامعا.
ويستند بيكر إلى استطلاعات للرأي تظهر أن 34% فقط من الأمريكيين يعتقدون أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح، بينما يرى قرابة 60% أنها تمضي في المسار الخاطئ.
كما أن أكثر من 3 أرباع المواطنين يعتقدون أن أبناءهم سيكونون في وضع أسوأ منهم مستقبلا، في حين انخفضت نسبة من يصفون أنفسهم بأنهم" فخورون للغاية" بكونهم أمريكيين إلى مستويات غير مسبوقة.
ويربط الكاتب هذا التشاؤم بجملة من العوامل، في مقدمتها الانقسام الحاد حول إدارة ترمب، حيث يرى معارضوه أنه يقوض الديمقراطية ويعزز السلطة التنفيذية بصورة غير مسبوقة، في حين يجادل أنصاره بأن تطرفه ليس إلا رد فعل ضروري على محاولات اليسار لتدمير التراث الأمريكي عبر الأيديولوجيات التقدمية، والحدود المفتوحة، وتقديم الهوية العرقية والجنسية على المواطنة.
ويتزامن هذا الصراع الداخلي -بحسب التايمز- مع تحديات خارجية مرعبة؛ أبرزها صعود الصين الذي يهدد الهيمنة الاقتصادية والأمنية الأمريكية، والإخفاقات الإستراتيجية المتتالية من أفغانستان إلى إيران، ناهيك عن المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تفتيت الحياة الاجتماعية.
ومع ذلك، يحذر جيرارد بيكر من التسرع في كتابة شهادة وفاة الجمهورية الأمريكية، حيث يرفض الاستنتاج بأن الولايات المتحدة دخلت مرحلة الانحدار النهائي.
النظام الدستوري الأمريكي ما زال قادرا على فرض الضوابط والتوازنات، وليس أدل على ذلك من قرارات المحكمة العليا التي أبطلت بعض أبرز أوامر ترمب التنفيذية، مثل فرض الرسوم الجمركية ومحاولة إنهاء حق المواطنة بالولادةبواسطة الكاتب جيرارد بيكرويعتبر الكاتب أن قراءة التاريخ بعمق تكشف عن مصادر قوة غير مرئية تمنح أمريكا مرونة لا تضاهى، مؤكدا أن تاريخها حافل بأزمات أشد قسوة لكنها استطاعت تجاوزها.
ويوضح أن الاقتصاد الأمريكي ما زال يحتفظ بتفوقه العالمي، إذ يواصل استقطاب الاستثمارات ورؤوس الأموال، وتظل الولايات المتحدة صاحبة النصيب الأكبر من الأصول والأسواق المالية العالمية، كما تقود الابتكار في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مع استمرار ظهور شركات عملاقة جديدة بوتيرة لا تضاهيها الاقتصادات المنافسة.
وفي حين تراجعت اليابان وأوروبا وصعدت الصين، تظل الولايات المتحدة اللاعب الأكبر، حيث تستأثر بنحو نصف الأصول المالية العالمية، وتستحوذ على 70% من قيم الأسهم العالمية، وهو أكثر من ضعف حصتها قبل 20 عاما.
ويستشهد بيكرهنا بمقولة جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك" جيه بي مورغان تشيس"، الذي وصف الأمر باختبار ذكاء قائلا إنك إذا سألت أي شخص في العالم عن البلد الذي يفضل وضع كل أمواله فيه، فلن يختار سوى بلد واحد وهو أمريكا.
ورغم تضخم الدين الوطني ليصل إلى نحو 40 تريليون دولار، فإن الإنتاجية والابتكار المستمر، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، يحميان الاقتصاد من الانهيار.
أما على الصعيد السياسي، يقر بيكر بتراجع مؤشرات الديمقراطية الأمريكية في السنوات الأخيرة، مستندا إلى تقارير مؤسسة فريدوم هاوس، التي أشارت إلى توسع نفوذ السلطة التنفيذية وتراجع البيئة الداعمة لحرية الصحافة وارتفاع مستويات الفساد بسرعة أكبر من دول الاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، فإن الكاتب يرى أن النظام الدستوري الأمريكي ما زال قادرا على فرض الضوابط والتوازنات، مستدلاً بأحكام المحكمة العليا التي أبطلت مؤخرا بعض أبرز قرارات ترمب، مثل فرض الرسوم الجمركية دون موافقة الكونغرس ومحاولة إنهاء حق المواطنة بالولادة، فضلا عن استمرار الكونغرس والقضاء ووسائل الإعلام في ممارسة أدوار رقابية تحد من تغول السلطة التنفيذية.
وفي قراءة مختلفة وأكثر تشاؤما، يرفض الكاتب في صحيفة الغارديان جميل سميث، أصلا اعتبار الرابع من يوليو/تموز مناسبة تستحق الاحتفال، معتبرا أن إعلان الاستقلال عام 1776 لم يكن" شهادة ميلاد" حقيقية لدولة الحرية والمساواة، لأن الولايات المتحدة كانت آنذاك لا تزال تقوم على نظام العبودية.
ويرى أن التاريخ الحقيقي للحرية الأمريكية مر بمحطات لاحقة، أبرزها التعديلات الدستورية بعد الحرب الأهلية وذكرى" جونتينث" (يوم تحرير العبيد)، الذي أنهى العبودية عمليا.
ويقول سميث إن الولايات المتحدة ليست بناءً مكتملا، وإنما مشروع لا يزال بحاجة إلى إصلاح دائم، معتبرا أن قرارات المحكمة العليا الأخيرة تعكس هذا الصراع؛ فمن جهة حافظت المحكمة على مبدأ حق المواطنة بالولادة، لكنها من جهة أخرى اتخذت قرارات رأى أنها أضعفت الضمانات الدستورية ضد الفساد والتمييز، ووسعت نفوذ المال في السياسة، كما انتقد مواقفها المتعلقة بالمتحولين جنسيا.
ويؤكد الكاتب أن إصلاح الولايات المتحدة لا يتحقق عبر الاحتفالات أو الخطابات الوطنية، وإنما من خلال حماية الديمقراطية، وتوسيع الحقوق المدنية، وتحسين أوضاع الإسكان، والحد من نفوذ المال السياسي، وصون الذاكرة التاريخية، محذرا من أن تقويض هذه الأسس يجري بصورة تدريجية عبر المؤسسات نفسها وليس بالضرورة عبر انقلاب مباشر على النظام.
وتكتمل الصورة الإخبارية من خلال التقرير الميداني الذي أعدته صوفيا كاي، مراسلة البيت الأبيض لصحيفة" بوليتيكو" الأمريكية، حيث تكشف فيه عن الكيفية التي استولى بها فريق دونالد ترمب على احتفالات الذكرى الـ250.
وتشير كاي إلى أن الاحتفال الذي يراه الأمريكيون اليوم ليس هو ذلك الذي أمضى المنظمون العقد الماضي في التخطيط له.
فقد وضعت لجنة" أمريكا 250" الحزبية والمفوضة من الكونغرس خطة لإحياء ذكرى مدنية غير سياسية تركز على التاريخ والخدمة المجتمعية، وكان من بين خططها تحويل بلدة ميدورا الصغيرة في ولاية داكوتا الشمالية إلى متحف حي يجسد تجربة الرئيس ثيودور روزفلت واستقطاب ربع مليون زائر، إلا أن الافتتاح تم هذا الأسبوع بحضور ترمب وغياب اللجنة بسبب نقص التمويل الفدرالي.
وتكشف مراسلة بوليتيكو عن أزمة تمويل حادة، حيث كان من المتوقع أن تحصل اللجنة على 100 مليون دولار من أصل 150 مليونا خصصها الكونغرس، لكنها لم تتسلم سوى 25 مليون دولار فقط.
وتنقل عن رئيسة لجنة" أمريكا 250″، روزي ريوس، تأكيدها أن فلسفة اللجنة كانت تقوم على شعار" لا سياسة… بل هدف"، وأن برامجها المدنية، مثل تشجيع العمل التطوعي، ورحلات الطلاب إلى المواقع التاريخية، والمبادرات المجتمعية، لا تزال مستمرة رغم تقلص الموارد المالية، إلا أن المشهد البصري والإعلامي للاحتفالات بات مِلكاً لترمب.
كما تنقل كاي عن روكو فيتالي، رئيس شركة" بيروتيكنيكو" المسؤولة عن الألعاب النارية، تفاصيل العرض الختامي الذي وُصف بأنه الأضخم في تاريخ أمريكا، حيث يشمل إطلاق 850 ألف قذيفة ألعاب نارية على مدار 40 دقيقة تمتد لأكثر من ميل عبر واشنطن، بمرافقة موسيقى تصويرية وطنية شعبية.
هذا التحول جعل الاحتفال الوطني يبدو في نظر الكثيرين أشبه بتجمع انتخابي لترمب منه إلى حفلة وطنية جامعة، مما يجسد بوضوح عمق الاستقطاب الذي يعيشه البلد في يوم ميلاده الـ250.
ويبقى السؤال الذي طرحه جيرارد بيكر في مستهل مقاله بصحيفة التايمز حاضرا بقوة مع دخول الولايات المتحدة ربع الألفية الثالثة من عمرها: هل تمثل هذه المرحلة بداية أفول القوة الأمريكية، أم أنها مجرد محطة جديدة في تاريخ طويل من الأزمات التي نجحت الجمهورية الأمريكية في تجاوزها؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك