نواكشوط ـ «القدس العربي»: رغم الجهود الحكومية والدولية المتواصلة خلال العقدين الأخيرين، لا تزال ظاهرة ختان الإناث تمثل واحدة من أكثر التحديات الاجتماعية والصحية تعقيداً في موريتانيا، حيث تكشف أحدث المعطيات الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة عن استمرار انتشار هذه الممارسة على نطاق واسع، خاصة في المناطق الداخلية، وسط صراع متواصل بين حملات التوعية ومتطلبات الأعراف الاجتماعية المتجذرة.
وأظهر التقرير السنوي لعام 2025 الصادر عن البرنامج المشترك بين صندوق الأمم المتحدة للسكان وصندوق الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» للقضاء على ختان الإناث، أن نسبة انتشار هذه الممارسة بين الفتيات والشابات الموريتانيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عاماً بلغت 56 في المئة سنة 2022، مقارنة بـ66 في المئة سنة 2000، ما يعكس تراجعاً بنحو عشر نقاط مئوية خلال أكثر من عقدين.
غير أن التقرير يؤكد أن هذا التقدم لا يزال بعيداً عن الوتيرة المطلوبة لتحقيق هدف القضاء على الظاهرة بحلول عام 2030، إذ يتطلب الأمر تسريع معدل التراجع الحالي بنحو عشرين مرة.
وتعد موريتانيا إحدى الدول الثماني عشرة المشمولة بالبرنامج الأممي المشترك لمناهضة ختان الإناث، وهو أكبر برنامج عالمي مخصص لمكافحة هذه الممارسة، ويعتمد مقاربة متعددة الأبعاد تشمل الجوانب الصحية والاجتماعية والقانونية والدينية والتربوية.
وتكشف الأرقام الواردة في التقرير أن الظاهرة لا تتوزع بشكل متساوٍ بين الولايات الموريتانية، إذ تسجل ولاية الحوض الغربي أعلى نسبة انتشار تصل إلى 94 في المئة، تليها تكانت بنسبة 88 في المئة، ثم كيدي ماغه بنسبة 85 في المئة، ولعصابه بنسبة 82 في المئة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن ختان الإناث لا يزال أكثر رسوخاً في المناطق الريفية وشبه الريفية، حيث تلعب الأعراف الاجتماعية والتقاليد المحلية دوراً حاسماً في استمرار الممارسة، بينما تبدو نسب التراجع أكبر في المدن الكبرى والمراكز الحضرية التي شهدت خلال السنوات الماضية حملات توعية أكثر كثافة وانتظاماً.
ويرى مختصون في قضايا النوع الاجتماعي أن المعدلات المرتفعة المسجلة في بعض الولايات تعكس ارتباط الظاهرة بمنظومات اجتماعية تعتبر الختان جزءاً من متطلبات التنشئة التقليدية للفتيات، أكثر مما تعكس قناعات صحية أو دينية.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في التقرير الأممي قصة السيدة الموريتانية السالكة منت الناتي، التي أقرت بأنها كانت تدرك المخاطر الصحية للختان، لكنها خضعت لضغوط المجتمع والأسرة ووافقت على إخضاع ابنتها للعملية.
وكادت الطفلة أن تفقد حياتها نتيجة نزيف حاد أعقب العملية، وهو ما دفع الأم لاحقاً إلى التحول إلى ناشطة في حملات التوعية ضد الختان داخل محيطها الاجتماعي.
وتبرز هذه القصة واحدة من أبرز الإشكالات التي تواجه جهود القضاء على الظاهرة، إذ إن المعرفة بالمخاطر الصحية لا تؤدي دائماً إلى التخلي عن الممارسة.
ففي كثير من الحالات تستمر الأسر في اللجوء إلى الختان خوفاً من الوصم الاجتماعي أو من تأثير ذلك على فرص زواج الفتيات مستقبلاً.
ويؤكد خبراء اجتماعيون أن ختان الإناث في موريتانيا لم يعد مرتبطاً بالجهل الطبي فقط، بل أصبح جزءاً من منظومة ضغط اجتماعي تدفع كثيراً من الأسر إلى الامتثال للأعراف السائدة حتى عندما تكون مقتنعة بالأضرار الصحية والنفسية المترتبة على هذه الممارسة.
هيمنة الممارسات التقليدياتورغم التطور النسبي في الخدمات الصحية، تشير بيانات التقرير إلى أن 92 في المئة من عمليات الختان التي تتعرض لها الفتيات بين سن صفر و14 عاماً ما تزال تنفذ على أيدي ممارسات تقليديات، وهو ما يضاعف المخاطر الصحية المرتبطة بالنزيف والالتهابات والمضاعفات طويلة الأمد.
وتحذر المنظمات الدولية من أن استمرار الاعتماد على الممارسات التقليدية يجعل مراقبة الظاهرة أكثر صعوبة، خاصة في القرى والمناطق النائية التي تفتقر إلى آليات فعالة للإبلاغ والمتابعة.
وعلى مستوى المكافحة، أفاد التقرير بأن البرنامج المشترك نجح خلال عام 2025 في إشراك 36 ألفاً و893 فتاة وشابة في أنشطة التوعية والتغيير السلوكي، كما أسهمت أنظمة المراقبة المجتمعية في حماية 22 ألفاً و925 فتاة من التعرض للختان.
كما تم تدريب 88 قاضياً وعنصراً من الشرطة على التعامل مع القضايا المرتبطة بهذه الممارسة، وأحيلت ثلاث قضايا إلى القضاء.
غير أن التقرير يقر بوجود تحديات كبيرة ما تزال تعرقل تحقيق تقدم أسرع، من أبرزها ضعف مشاركة النساء والفتيات في برامج التغيير الاجتماعي، وتراجع التغطية الإعلامية للقضية، ومحدودية إدماج موضوع مكافحة الختان في المناهج التعليمية والأنشطة المدرسية.
كما يشير التقرير إلى أن استدامة النتائج المحققة تظل رهينة بقدرة المؤسسات الرسمية والشركاء الدوليين والمجتمعات المحلية على توسيع نطاق التدخلات الحالية وتحويلها إلى سياسات مجتمعية طويلة الأمد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك