قناة الجزيرة مباشر - Behind the Headlines - Do the recent attacks in Mali reveal the army's continued weakness against... وكالة شينخوا الصينية - موقع تشييد جسر على خط سكة حديد في جنوب غربي الصين التلفزيون العربي - من اليمن إلى غزة.. احتفالات عربية بصعود المغرب لربع نهائي مونديال 2026 سكاي نيوز عربية - "ديما مغرب".. فرحة الأسود تعبر القارات وكالة شينخوا الصينية - مصرع 20 شخصا وفقدان أكثر من 100 آخرين إثر انقلاب قارب في جمهورية الكونغو الديمقراطية قناة القاهرة الإخبارية - زيارة مرتقبة لنتنياهو إلى واشنطن.. وعون يدعو ترامب إلى مواصلة دعم قضايا لبنان| تغطية خاصة العربي الجديد - كل هذا الفساد في العراق قناة التليفزيون العربي - ترمب: هزمنا فنزويلا في يوم واحد ووجهنا ضربات قاسية لإيران والآن نمنحها مهلة لتشييع الجنازة العربي الجديد - سورية المحتجّة والتحدّيات العنيفة العربي الجديد - المؤسّسات غير المرئية وإشكالية بناء الدولة الحديثة
عامة

المعنى المعلق بين النص والجسد في العرض المسرحي

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة
1

لا يبدأ المسرح عندما تُكتب الكلمات، بل عندما نتوقف عن امتلاكها. عند تلك اللحظة تحديدًا، يفقد النصّ براءته الأولى، ويصبح عرضًا يتقاسمه الغرباء: مخرج يعيد ترتيبه، ممثل يعيد نطقه، وجمهور يعيد تأويله بصمت...

لا يبدأ المسرح عندما تُكتب الكلمات، بل عندما نتوقف عن امتلاكها.

عند تلك اللحظة تحديدًا، يفقد النصّ براءته الأولى، ويصبح عرضًا يتقاسمه الغرباء: مخرج يعيد ترتيبه، ممثل يعيد نطقه، وجمهور يعيد تأويله بصمته قبل تصفيقه.

هنا لا يعود السؤال: ماذا أراد الكاتب؟ بل: ماذا بقي من إرادته بعد أن دخلت إلى جسدٍ آخر؟ وحين تتعدد الأجساد، تتعدد النسخ، ويتحول «المعنى» من يقينٍ مكتوب إلى احتمالٍ يتنفس فوق الخشبة.

في الفنون جميعها، ثمّة وهم قديم يُعاد إنتاجه كلّما وقف ناقد أمام عملٍ فني: وهمُ إمكان فصل العمل عن صانعه، كما تُفصل الآنية عن يد الخزّاف بعد أن تبرد.

هذا الوهم لم ينشأ من فراغ؛ لقد كان محاولةً لإنقاذ الفن من سطوة السيرة الشخصية، ومن ابتزاز النوايا، ومن ذلك الكسل النقدي الذي يهرب من مواجهة النص إلى مراقبة حياة كاتبه.

غير أنّ المسرح، أكثر من أي فن آخر، ظلّ يقاوم هذا الفصل بعنادٍ غريب، كأنّه يقول إنّ العمل لا يولد من فردٍ واحد، بل من سلسلة طويلة من الأيدي والأصوات والأنفاس والظلال.

النصّ المسرحي لا يعيش إلّا حين يدخل أجسادًا أُخرى.

ولذلك يبدو المسرح أقلّ الفنون طاعةً لفكرة «العمل الخالص»، وأكثرها انغماسًا في شبكة معقّدة من الحضور البشري.

ولعلّ المخرج البريطاني بيتر بروك (1925 ـ 2022) في كتابه «الفضاء الفارغ» لخّص جوهر هذه الفكرة قائلا: «يمكنني أن آخذ أي مساحة فارغة وأسمّيها خشبة مسرح.

رجل يمشي عبر هذه المساحة بينما يراقبه شخص آخر، وهذا يكفي لكي يبدأ فعل المسرح».

في هذا التعريف البسيط والمخادع بعمقه، لا يعود النصّ هو البداية الوحيدة، بل العلاقة نفسها بين الجسد والنظرة.

المسرح يبدأ حين يوجد مَن يفعل ومَن يشاهد، أي حين يدخل الإنسان بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرّد متلقٍّ له.

والمشكلة ليست في أنّ المسرح فنّ جماعي فحسب؛ فالسيمفونية أيضًا تُعزف بأيدٍ كثيرة، والسينما تُصنع عبر جيشٍ من التقنيين والفنّانين.

لكنّ المسرح يختلف لأنّ الجماعة فيه ليست خلف العمل، بل داخله.

الممثّل ليس وسيطًا محايدًا، بل كائنًا يبتلع الجملة ثم يُخرجها بنبرة لم تخطر حتّى لكاتبها نفسه.

كلمةٌ واحدة يمكن أن تتحوّل من اعترافٍ حميم إلى تهديدٍ بارد بسبب حركة كتف، أو بسبب وقفة صمت قصيرة قبل النطق بها.

هنا لا يعود النصّ نصًّا خالصًا، بل احتمالًا مفتوحًا.

ولهذا قال المخرج البولندي جيرزي غروتوفسكي في كتابه «في اتجاه مسرح فقير»: «المسرح يحدث بين الممثّل والمتفرّج.

كلّ شيء آخر يمكن الاستغناء عنه».

فالمعنى لا يُولد في الورق، بل في تلك المسافة المرتعشة بين الجسد الحيّ والعين التي تراقبه.

ولذلك فإنّ الممثّل لا ينقل النصّ، بل يُعيد خلقه.

وقد عبّر غروتوفسكي عن ذلك بوضوح أكبر حين قال: «الممثّل لا يعيد تمثيل الحقيقة، بل يكشفها».

من هنا أخطأ بعض النقّاد حين تصوّروا أنّ المعنى يقيم في الكلمات وحدها.

الكلمات في المسرح تشبه النوتة الموسيقية قبل العزف: أثرًا ناقصًا ينتظر الجسد والزمن والصوت.

النصّ المسرحي العظيم ليس نصًّا يفرض معنى واحدًا، بل نصٌّ يحتمل احتمالات متعارضة من دون أن ينهار.

إنّه يشبه بابًا يُفتح على ممرّات كثيرة، لا طريقًا مستقيمًا نحو نتيجة نهائية.

ولعلّ هذا ما يفسّر لماذا يمكن لمسرحية واحدة أن تولد عشرات المرّات عبر قراءات مختلفة، من دون أن تفقد هويّتها.

العرض الذي يُقدَّم في مدينةٍ فقيرة ليس هو ذاته حين يُقدَّم في عاصمة مترفة.

الجملة نفسها تكتسب نبرة أُخرى حين يسمعها جمهور خرج لتوّه من حرب، أو جمهور يعيش رخاءً باردًا.

المسرح لا يُعرض في الفراغ، بل داخل لحظة اجتماعية ونفسية وسياسية تتسلّل إلى الخشبة حتّى لو حاول الفنّ أن يتجاهلها.

وهنا يبدو ضروريا استحضار رؤية بيرتولد بريخت (1898-1956) كما جاءت في كتاب صدر عنه عام 1964 حمل عنوان «بريخت والمسرح» للناقد الانكليزي جون ويليت: «المسرح ليس مرآة تعكس الواقع، بل مطرقة تُستخدم لتشكيله».

المعنى، هنا، لا يُسلَّم جاهزًا، بل يُنتَج داخل وعي المتلقّي.

لهذا يبدو الحديث عن «موت المؤلف» في المسرح أقلّ دقّة من الحديث عن «توزّع السلطة».

المؤلف لا يموت؛ إنّه يفقد احتكاره للمعنى فقط.

المخرج يعيد ترتيب النبض الداخلي للنصّ، والممثّل يمنح الجملة حرارة جسده، ومصمّم الإضاءة يصنع من الظلّ تأويلًا موازيًا، والجمهور يختار ـ من حيث لا يدري ـ ما الذي سيبقى في ذاكرته وما الذي سيتبخّر بعد انتهاء العرض.

وقد عبّر المخرج الأميركي إيليا كازان (1909-2003) عن هذه الفكرة حين قال في مذكّراته: «النصّ المسرحي ليس مقدّسًا.

إنّه مادّة حيّة ينبغي أن تتنفّس فوق الخشبة «.

إنّ القداسة الوحيدة في المسرح ليست للنصّ، بل للحياة التي يستطيع أن يولّدها.

ولهذا فإنّ العروض العظيمة كثيرًا ما كانت قراءات جديدة للنصوص، لا تنفيذًا مطيعًا لها.

السؤال الأهمّ ليس: هل يموت المؤلف؟ بل: لماذا نُصرّ أصلًا على إقامة هذه الجنازة الرمزية؟ ثمّة نزعة حديثة تحاول التعامل مع العمل الفنّي كما لو كان مختبرًا معقّمًا، معزولًا عن كلّ ما هو إنساني.

كأنّ النقد لا يصبح «علميًّا» إلّا إذا أُبعدت عنه السيرة والتاريخ والانفعال والظروف.

غير أنّ الفنّ لم يكن يومًا معادلة رياضية.

إنّه أثر بشري قبل أي شيء آخر، وكلّ محاولة لتنظيفه من أصحابه تُشبه محاولة إزالة رائحة البحر من صدفة بحرية بحجّة الوصول إلى شكلها النقي.

هذا لا يعني بالطبع أنّ حياة الفنّان هي المفتاح السحري لفهم عمله.

كم من ناقدٍ فشل في قراءة رواية لأنّه انشغل بفضائح كاتبها، وكم من قارئٍ قتل قصيدة حين حوّلها إلى وثيقة سيرة ذاتية.

لكنّ الخطأ المقابل لا يقلّ فداحة: أن نتعامل مع الفنّ كما لو كان قد هبط من سماءٍ بلا تاريخ.

في المسرح تحديدًا، تبدو هذه الفكرة أكثر هشاشة.

العرض المسرحي حدثٌ زائل، يعيش في الزمن ثم يختفي.

وما يبقى منه ليس العمل نفسه، بل ذاكرته داخل المتفرّجين.

لذلك فإنّ المسرح أقرب إلى الطقس منه إلى الشيء.

إنّه يحدث ثم يتبدّد، ولا يمكن القبض عليه بالكامل مرّة ثانية.

حتّى التسجيل المصوّر لا ينقل إلّا شبح العرض، لا حضوره الحقيقي.

ولهذا قالت مؤسِسَة «مسرح الشمس» المخرجة الفرنسية أريان موشكين: «المسرح فنّ يُصنع لكي يختفي».

إنّها عبارة تختصر هشاشة هذا الفنّ وعظمته في آنٍ واحد.

فالمسرح لا يملك خلود اللوحة أو الكتاب، بل خلود الأثر العابر.

وربّما لهذا السبب يبقى حيًّا؛ لأنّه لا يتحوّل أبدًا إلى شيء مكتمل ونهائي.

ثمّة من يتوهّم أنّ وظيفة النقد هي الوصول إلى «المعنى الصحيح» للعمل الفنّي، لكنّ المسرح يسخر من هذه الفكرة في كلّ ليلة عرض.

أيّ معنى هو الصحيح؟ معنى المخرج؟ أم الممثّل؟ أم ذلك المتفرّج الذي خرج من القاعة وهو يبكي لأنّ جملةً عابرة ذكّرته بوالده الراحل؟ الفنّ لا يعيش عبر المعنى الواحد، بل عبر فائض المعاني.

وحين يتحوّل إلى تفسير نهائي، يصبح أقرب إلى التقرير منه إلى الإبداع.

في المسرح، تحديدًا، لا تكفي القراءة النصّية وحدها.

النصّ العظيم قد يموت فوق خشبة سيّئة، والنصّ المتواضع قد يكتسب حياة مدهشة عبر أداء استثنائي.

هنا تظهر محدودية الفكرة القائلة إنّ العمل يمكن عزله عن منفّذيه.

المسرحية ليست نصًّا فقط، بل حدثٌ حيّ.

والحدث لا يُختصر بالحبر.

وهنا يقول أنتونان أرتور(1896 – 1948) في كتابه» المسرح ومثيله»: «المسرح الحقيقي لا يقول الأشياء، بل يجعلها تحدث».

إنّه الفرق بين اللغة بوصفها وصفًا، واللغة بوصفها فعلًا حيًّا.

المسرح لا يشرح العالم فقط، بل يعيد خلقه مؤقتًا فوق الخشبة.

ولذلك فإنّ بعض أعظم اللحظات المسرحية في التاريخ لم تكن مكتوبة أصلًا.

كانت ارتجالًا، أو خطأً عابرًا، أو صمتًا مفاجئًا لم يكن في النصّ.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك