لا يحتاج المرء إلى أن يكون خبيراً أمنياً كي يعرف درجة هشاشة المفهوم الأمني.
فبعد ثلاث سنوات تقريبا من الحرب، نجحت الحكومة اليمينية في استنزاف الجيش الإسرائيلي والاحتياط، وإثارة التوتر في خمس جبهات، وفرض عزلة دولية غير مسبوقة، وانهيار العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتعزيز مكانة إيران في المنطقة.
هذا الدمار هو نتيجة سياسة رفضت منذ 7 أكتوبر أي محاولة للتوصل إلى تسوية سياسية تكسب بشكل كامل من إنجازات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة وسوريا ولبنان.
وتم بذل جهود كبيرة لتقويض أي تسوية مستقبلية في الضفة الغربية.
على خلفية هذا الصدع الشديد، كان يتوقع أن تقدم أحزاب المعارضة بديلاً واضحاً لهذا الاستعراض العبثي، ولكن بقدر ما كان التوقع كبيراً كانت خيبة الأمل.
لا يتوقع الكثير من الثنائي نفتالي بينيت ويئير لبيد، أحدهما المدير العام لمجلس “يشع”، ويعمل على ضم معظم أراضي الضفة الغربية، والآخر أعلن عن تأييده لحل الدولتين.
وحتى افيغدور ليبرمان، المؤيد الصريح لمشروع الاستيطان، يعجز عن تقديم أي حل جديد، وفكرته عن تبادل السكان لا أهمية لها.
ولكن هناك مرشحان جديدان واعدان، الأول رئيس الأركان الممتاز والمحبوب، والثاني نائبه الذي تنبأ بالمسارات التي تمر فيها الضفة الغربية، التي أصبحت الآن دولة إسرائيل.
الاثنان يترأسان أحزاب معارضة بارزة، ويعرفان عمق الانقسام الذي تعاني منه السياسة الأمنية الآن، ويعدان بمسار جديد.
تكمن المشكلة في صعوبة فهم المسار الجديد الذي سيسير فيه غادي آيزنكوت، وكيف سيؤدي إلى أفق سياسي – أمني واضح أكثر، في حين أن ما يقدمه يئير غولان أكثر تفصيلاً، لكنه لا يرقى إلى مستوى برنامج انتخابي جذاب.
يسعى حزب آيزنكوت إلى جذب مصوتي اليمين المعتدل، وشعارات مثل “تقوية الجيش الإسرائيلي” وتحويل إسرائيل إلى “قوة إقليمية” لا تثير أي معارضة.
صحيح أن “توسيع دائرة السلام” تُذكره كهدف أيضاً، لكن من المنطقي أنه لا يمكن تحقيق هذا الهدف دون حل الدولتين.
يسعى حزب آيزنكوت إلى جذب مصوتي اليمين المعتدل، وشعارات مثل “تقوية الجيش الإسرائيلي” وتحويل إسرائيل إلى “قوة إقليمية” لا تثير أي معارضةوالأكثر غرابة هو البرنامج السياسي – الأمني لحزب “الديمقراطيين”.
وحسب استطلاع أجراه معهد “متافيم” في حزيران 2026، أيد 51 في المئة من المستطلعين بشكل كبير جداً أو بشكل كبير اتفاقاً دولياً شاملاً يشمل دولة فلسطينية منزوعة السلاح ونزع سلاح حماس وإنهاء السيطرة في قطاع غزة والتطبيع بشكل كامل مع العالم العربي، وعارض ذلك 49 في المئة.
لا يحتاج المرء إلى أن يكون خبيراً في الانتخابات لمعرفة أن الديمقراطيين سيستمدون القوة من الذين يؤيدون هذا الحل.
صيغة سؤال في الاستطلاع تعكس مبادرة السلام العربية (مبادرة السعودية من العام 2002)، التي تطالب بإنهاء الصراع وتطبيع كامل بين إسرائيل والدول العربية والاسلامية، باستثناء إيران، مقابل انسحاب إسرائيل من كل الأراضي التي احتلتها في العام 1967.
ويتوافق حل النزاع حسب هذه الصيغة مع اقتراحات التسوية مثل خارطة الطريق للرباعية في العام 2003، أو اقتراح السعودية وفرنسا من تموز 2025، الذي حدث مبادرة السلام العربية وحول مبادئها إلى خطة عملياتية متدرجة.
وحتى لو لم يوافق غولان وفريقه على هذا الاقتراح بالكامل، فإنه يمكنهم تقديمه كأساس للمفاوضات التي سيكون لإسرائيل فيها طلباتها الخاصة.
مثلاً، يمكنهم المطالبة بأن لا يتجاوز عدد اللاجئين المسموح لهم بالعودة إلى إسرائيل (العقبة الرئيسية في الاقتراح العربي) عدد المواطنين الإسرائيليين الذين يعيشون في الأحياء العربية في القدس.
سيصبحون جزءاً من الدولة الفلسطينية المنوي إقامتها.
وهكذا سيتم الحفاظ على التوازن الديمغرافي بين اليهود والعرب في دولة إسرائيل حتى بعد استيعاب اللاجئين الفلسطينيين.
ولا يجب أن يشكل ضم الكتل الاستيطانية أي عائق، لأن الاقتراح يشمل تبادل الأراضي.
لذلك، لا يوجد ما يمنع الديمقراطيين من تقديم خطة سياسية بعنوان “نعم لمبادرة السلام العربية – نعم لأمن إسرائيل”.
وسيكون أساسها وعداً ببناء الأمن على الاتفاقيات وليس على الحروب.
هذا لن يخاطب اليمين المعتدل الذي يسعى آيزنكوت إلى تجنيده، لكنه سيعيد عدداً غير قليل من الأصوات التي ذهبت إلى معسكر “يشار” اليميني إلى معسكر السلام الإسرائيلي.
غير واضح لماذا يستمر غولان، الذي لا يستخف بصموده، في استخدام كلمات نمطية تبدو كورقة عمل كتبها أشخاص ممتازون مع نوايا حسنة، لكن قوة تأثيرها ورؤيتها لا تختلف عما يمكن أن تقدمه قائمة المشتريات.
يمكن توقع رؤية واضحة ومقبولة على مصوتيها من قيادة كهذه.
يمكن لهذه الرؤية أن تضع الحزب في مكان فريد وواقعي حول أهم قضية لمستقبل إسرائيل.
وأيضاً ستطرح مسألة البديل الواضح والوحيد لرؤية نتنياهو “إسبرطة” و”العيش على حد السيف”، وستحدد أيضاً التوجه الذي سيسير فيه الحزب إذا أصبح قوة مركزية في الحكومة القادمة.
هذا صحيح سياسياً وانتخابياً.
لقد حان الوقت للتفكير فيه جدياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك