منذ وصوله إلى السلطة على أنقاض حكم آل الأسد نهاية عام 2024، لم يترك الرئيس السورى أحمد الشرع مناسبة إلا وأكد فيها أن بلاده «لا تسعى إلى الحرب مع إسرائيل»، وأن خيارها الوحيد فى هذه المرحلة هو «الدبلوماسية».
وخلال تلك الفترة، تطور خطابه من مجرد استبعاد المواجهة مع إسرائيل، والتأكيد أنه لا يسعى إلى استفزازها، مرورًا بأن الطرفين يواجهان أعداء مشتركين، وصولًا إلى الإقرار بأن التوصل إلى اتفاق أمنى معها أصبح «أمرًا لا مفر منه».
كان ذلك تحولًا جذريًا فى خطاب سلطة يقودها رجل خرج من عباءة التنظيمات الجهادية، ويضم فريقه شخصيات تشكلت عقائديًا وسياسيًا فى بيئة رفعت لعقود شعار «تحرير القدس من دنس العدو الصهيونى فريضة».
هذا التحول لم يقابله أى تغير فى السلوك الإسرائيلى؛ على العكس، واصلت تل أبيب سياسة فرض الأمر الواقع، فوسعت من نطاق سيطرتها على الجنوب السورى، وأقامت مواقع جديدة فيما أسمته بـ«المنطقة العازلة»، ونفذت غارات متكررة طالت القصر الرئاسى ومقر وزارة الدفاع، بينما اكتفت دمشق ببيانات الإدانة والتنديد.
وعندما طلب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب من رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو إبداء حسن نية والانسحاب من بعض المواقع التى احتلها فى الجنوب السورى لتخفيف الضغوط عن حليف واشنطن الجديد، جاء الرد بأن «الانسحاب من المنطقة العازلة خط أحمر أمنى».
وبينما يسوق نتنياهو رفضه الانسحاب من جنوب لبنان باعتباره ضرورة أمنية مرتبطة ببقاء سلاح حزب الله، فإنه يبرر استمرار احتلاله أجزاء من الجنوب السورى ــ رغم أن سلطة دمشق الجديدة لم تطلق رصاصة واحدة على إسرائيل ــ بذريعة أن الانسحاب قد يخلق فراغًا أمنيًا تستغله جهات معادية لتل أبيب.
لم يكن هذا السلوك الإسرائيلى مجرد إحراج سياسى للشرع، بل ضربًا للأساس الذى بنى عليه استراتيجيته؛ فكيف يمكن لرئيس يراهن على التفاوض أن يقنع شعبه بجدوى هذا الخيار، بينما الاحتلال يتمدد، والأرض تُقتطع، والسيادة تُنتهك فيما تكتفى السلطة ببيانات تعبر فيها عن إدانتها وشجبها؟حديث ترامب عن إمكانية إسناد دور إلى الشرع فى مواجهة حزب الله أضاف بعدًا آخر للمشهد؛ صحيح أن الشرع تحفظ على الفكرة، لكن مجرد طرحها يعيد إلى الأذهان ما جرى فى منتصف سبعينيات القرن الماضى، عندما رأت واشنطن أن دمشق تستطيع أداء وظيفة أمنية داخل لبنان، فانتهى الأمر بوجود سورى استمر نحو ثلاثة عقود.
اليوم يبرز السؤال نفسه بصورة مختلفة: هل تريد واشنطن أن يؤدى الشرع دورًا أمنيًا فى لبنان نيابة عن واشنطن وتل أبيب، بينما تعجز سلطته عن وقف التوغلات الإسرائيلية داخل الأراضى السورية؟الأخطر أن إسرائيل تبدو وكأنها تعمل بشكل متسارع على حرق المشروع الذى راهن عليه الشرع، فالرجل افترض أن ضبط النفس سيقود إلى التهدئة، وأن الدبلوماسية ستحد من الاعتداءات، وأن رسائل التطمين ستقابلها رسائل رضا من تل أبيب، فإذا بنتيجة معاكسة تماما؛ فإسرائيل التى «احتلت الجولان لحماية سكان الشمال تتوغل الآن داخل الجنوب السورى بحجة حماية الجولان، وربما تتذرع بعد سنوات بحماية الجنوب السورى فتحتل وسط البلاد»، حسب تعبير للشرع فى مقابلة أجراها مع «واشنطن بوست» قبل شهور.
ومن رحم هذه المعادلة بدأ مشهد جديد يتشكل، ففى قرى ريف درعا والقنيطرة، خرج الأهالى يتصدون لتوغلات جيش الاحتلال بعدما فقدوا الثقة فى دبلوماسية سلطة دمشق.
وبالتوازى، طفت على السطح مجموعات مسلحة، مثل «سرايا الثبات» و«أولى البأس»، لتعلن تبنيها خيار المقاومة، وتنفيذ عمليات ضد الوجود الإسرائيلى والأمريكى فى سوريا.
وبغض النظر عن حجم هذه التنظيمات أو قدراتها أو ارتباطاتها، فالأهم هو البيئة الحاضنة التى خرجت منها؛ فالمقاومة لا تُولد بقرار تنظيمى، بل عندما يقتنع الناس بأن لا يوجد أمامهم خيارات أخرى.
قد لا تدرك إسرائيل أن استمرار احتلالها للجنوب السورى واستهانتها بسلطة دمشق، يغرس بذور فصائل مقاومة، وأن هذه البذور ستنمو كلما زاد صلف الاحتلال من جهة وتمسكت حكومة الشرع بدبلوماسيتها من جهة أخرى.
للشرع خياراته، أما الشعب السورى الذى يرى أرضه تُحتل وسيادته تُنتهك، فسيبحث، عاجلًا أو آجلًا، عن ضروراته؛ وكما أن اجتياح إسرائيل للبنان مطلع ثمانينيات القرن الماضى أنبت حزب الله كفصيل مقاوم استنزف ولا يزال الوجود الإسرائيلى هناك، فإن استمرار الاحتلال بالجنوب السورى سيفضى حتما إلى ذات النتيجة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك