بيروت - أشعلت التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موجة عارمة من السجال السياسي والإعلامي في الأوساط اللبنانية والإقليمية، بعدما زعم في مقابلة تلفزيونية أن بعض البلدات المسيحية في جنوب لبنان طالبت بالانضمام إلى إسرائيل لحمايتها من ضربات حزب الله.
وتأتي الادعاءات في توقيت بالغ الحساسية يشهد فيه الجنوب اللبناني تصعيداً عسكرياً غير مسبوق وتوغلات ميدانية إسرائيلية، مما يضفي على هذه التصريحات أبعادا خطيرة تتجاوز مجرد الحرب النفسية لتلامس وتد اللحمة الوطنية اللبنانية والتركيبة الديمغرافية المعقدة للمنطقة الحدودية.
واستدعت هذه المواقف ردا فوريا وحاسما من مختلف القوى السياسية والدينية في لبنان، حيث تداعت المرجعيات المسيحية، وفي مقدمتها الكنيسة المارونية والشخصيات السياسية البارزة في الجنوب، إلى نفي هذه المزاعم جملة وتفصيلاً، معتبرة إياها محاولة مكشوفة لبث الفتنة الطائفية وشق الصف الداخلي اللبناني.
ويرى المراقبون في هذه التصريحات محاولة إسرائيلية مكررة لتوظيف التنوع الطائفي في لبنان، واستدعاء لملفات تاريخية مؤلمة ارتبطت بمرحلة الشريط الحدودي السابق قبل عام ألفين، وهو الأمر الذي يرفضه الإجماع المسيحي الحالي الذي يصر على التمسك بالهوية اللبنانية والدولة ومؤسساتها الشرعية رغم كل الخلافات السياسية القائمة حول سلاح حزب الله أو القرارات السلمية والحربية.
وتفتقر الادعاءات الإسرائيلية إلى أي مستند واقعي على الأرض، إذ يعيش سكان القرى المسيحية الحدودية مثل رميش وعين إبل ودبل ومرجعيون معاناة هائلة جراء القصف المستمر والدمار، لكنهم يعبرون باستمرار عن تمسكهم بأرضهم تحت سيادة الدولة اللبنانية ويسعون لحلحلة الأزمات عبر حشد دعم الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل الدولية وليس عبر الاستقواء بالاحتلال.
تشير القراءة التحليلية للخطاب الإسرائيلي إلى أن الهدف الأساسي من وراء هذه المزاعم هو توجيه رسائل إلى المجتمع الدولي، والولايات المتحدة على وجه الخصوص عبر شاشة" فوكس نيوز"، لإظهار إسرائيل بمظهر الحامي للأقليات الدينية في الشرق الأوسط في مواجهة ما تصفه بالتطرف، وبالتالي تبرير عملياتها العسكرية الواسعة واحتلالها لأجزاء من الأراضي اللبنانية تحت ذريعة المظلة الإنسانية والأمنية، وهو ما تقوم به أيضا في سوريا.
وتتزامن هذه البروباغندا السياسية مع مخاوف حقيقية لدى اللبنانيين من مخططات إسرائيلية أبعد مدى تتعلق بإنشاء مناطق عازلة دائمة أو فرض واقع جغرافي جديد يطيح بالقرارات الدولية وفي مقدمتها القرار ألف وسبعمائة وواحد.
ويؤكد الخبراء العسكريون أن إثارة مثل هذه الملفات الحساسة تنعكس سلباً على الاستقرار الداخلي وتزيد من منسوب التوجس والشكوك بين المكونات اللبنانية، مما يستدعي خطة طوارئ وطنية وإعلامية تفند الأكاذيب وتبرز التضامن الميداني بين مختلف البيئات الاجتماعية والسياسية في الجنوب.
ويرى الخبراء أن الذاكرة الجماعية لأبناء الجنوب اللبناني بمختلف طوائفهم قد تجاوزت صيغ الإدارة المدنية السابقة التي فرضها الاحتلال في العقود الماضية، وأصبح هناك وعي بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا من خلال بسط سلطة الدولة اللبنانية وقواها الذاتية.
وبحسب هؤلاء، فإن الواقع يفرض على الحكومة اللبنانية نشاطا مكثفا لتعرية هذه الادعاءات في المحافل الدولية، وبيان حجم المعاناة التي يتكبدها المدنيون اللبنانيون جراء الآلة العسكرية الإسرائيلية التي لا تميز بين قرية وأخرى بناءً على الهوية الدينية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك