تدخل الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة يتزايد فيها الاعتماد على الطائرات المسيرة، وسط تصعيد متبادل للهجمات بعيدة المدى، وتنافس متسارع على تطوير هذا السلاح الذي بات يشكل أحد أبرز عوامل الحسم في المعارك، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية أمريكية لإحياء فرص التوصل إلى تسوية سياسية.
وفي جبهات مقاطعة زاباروجيا جنوب أوكرانيا، تواصل وحدات المسيرات الأوكرانية تنفيذ مهام الاستطلاع ورصد الأهداف والهجمات الدقيقة، في وقت أصبحت فيه ساعات الصباح الباكر الأنسب للتحرك بعد انحسار موجات الهجمات الليلية بالطائرات المسيرة.
ويروي أفراد إحدى وحدات المسيرات الأوكرانية لمراسل الجزيرة من خاركيف عمر الحاج، أن قواتهم خسرت إحدى المسيرات بعد إسقاطها أثناء تنفيذ مهمة في عمق المناطق التي تسيطر عليها روسيا، مؤكدين أن الدفاعات الروسية باتت تخصص إمكانات كبيرة لحماية مستودعات الذخيرة ومناطق تجمع القوات من الهجمات الجوية غير المأهولة.
وسرعان ما دفعت الوحدة بمسيرة جديدة لاستكمال المهمة، في مشهد يعكس طبيعة الحرب الحالية التي أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على هذا السلاح، سواء في الاستطلاع أو توجيه المدفعية أو تنفيذ الضربات المباشرة.
وخلال سنوات الحرب، توسعت صناعة المسيرات في أوكرانيا بصورة لافتة، إذ ارتفع عدد الشركات العاملة في هذا القطاع إلى أكثر من 250 شركة، تعمل منفردة أو بالشراكة مع دول حليفة، من بينها المملكة المتحدة وكندا والنرويج وألمانيا والدنمارك.
وتتنوع المسيرات الأوكرانية بين الطائرات الانتحارية من نوع (FPV)، وهي الأكثر استخداما ضد الأفراد والعربات والتحصينات القريبة، ومسيرات الاستطلاع التي توفر معلومات دقيقة للقوات البرية، إضافة إلى القاذفات الثقيلة مثل" بيرون" و" فامباير" القادرة على حمل قذائف المدفعية والدبابات، فضلا عن المسيرات المجنحة التي يصل مداها إلى نحو ألفي كيلومتر، والتي استخدمت في تنفيذ ضربات داخل العمق الروسي.
ويؤكد جنود أوكرانيون أن القاذفات الثقيلة، وعلى رأسها" بيرون"، لا تقتصر على حمل الذخائر، بل تستطيع نقل مسيرات أصغر إلى عمق الجبهات لتنفيذ عمليات مركبة، كما تتميز بدقة إصابة عالية تقلص هامش الخطأ إلى نحو متر واحد، ما يجعلها, بحسبهم، أكثر فاعلية من المدفعية التقليدية في كثير من المهام.
ويرى العسكريون الأوكرانيون أن الاعتماد المتزايد على المسيرات أسهم في تقليل الخسائر البشرية وتعويض جزء من الفارق العددي مع القوات الروسية، إلا أنهم يقرون بأن فاعلية هذا السلاح تتراجع في الظروف الجوية السيئة، في حين يعتقد مراقبون أن سباق التطوير المستمر بين الطرفين قد يطيل أمد الحرب.
سياسيا، كشف مستشار الكرملين يوري أوشاكوف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عرض، خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، المساعدة في إيجاد تسوية للحرب، مؤكدا استمرار جهود المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر واستعدادهما لإجراء زيارة جديدة إلى موسكو.
ووصف أوشاكوف الاتصال بأنه" عملي وبناء"، مؤكدا أن موسكو ما زالت تفضل الحل السياسي والدبلوماسي بما يراعي ما وصفه بالمبادئ الأساسية لروسيا، في حين اتهم أوكرانيا وحلفاءها الأوروبيين بالسعي إلى إطالة أمد الحرب وتصعيدها.
وقال مراسل الجزيرة إن أوكرانيا باتت تعتمد بصورة متزايدة على استهداف المنشآت الإستراتيجية داخل روسيا، ولا سيما مصافي النفط وخزانات الوقود والمجمعات الصناعية التي تنتج مكونات الصواريخ، باعتبارها وسيلة لتعويض النقص في العتاد والقوة البشرية مقارنة بروسيا.
وأضاف أن كييف وسعت دائرة أهدافها لتشمل محطات الكهرباء والبنية التحتية في شبه جزيرة القرم والمناطق الخاضعة للسيطرة الروسية في لوهانسك وزاباروجيا، في محاولة لتعطيل الحياة اليومية والقدرات اللوجستية الروسية، معتبرا أن أوكرانيا تقدم هذه الضربات بوصفها ردا مماثلا على الهجمات الروسية التي تستهدف منشآت الطاقة داخل الأراضي الأوكرانية.
من جهتها، أقرت موسكو بتأثير الضربات الأوكرانية على منشآت الطاقة داخل روسيا، إذ قالت مراسلة الجزيرة في موسكو رانيا دريدي إن الرئيس فلاديمير بوتين أقر بأن الهجمات تسببت بأزمة في إمدادات الوقود ونقص في البنزين داخل بعض المناطق الروسية.
لكن السلطات الروسية تؤكد في الوقت نفسه أن هذه الهجمات لم تؤثر في سير العمليات العسكرية، إذ قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن تكثيف أوكرانيا ضرباتها يعكس، من وجهة النظر الروسية، خسائرها الميدانية وتراجعها على طول خطوط القتال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك