في مقالين سابقين تحت هذا العنوان، أشرت إلى اكتفائنا الدائم بالمتعة والإشادة بما نشاهده من تجارب الآخرين الناجحة، دون أن نتعلم منها الدروس.
وتناولت تظاهرة كأس العالم بوصفها حدثاً كروياً عالمياً يمر علينا كل أربع سنوات، نتابعه ونستمتع به، دون أن نتعلم، لا نحن المهتمين بالشأن الكروي، ولا القائمين على الرياضة في بلدنا، شيئاً مما يقدمه من نماذج وتجارب.
ومع استمرار هذا الحدث العالمي الكبير، تتوالى الدروس التي تستحق التوقف عندها.
ومن بين هذه الدروس ما سأتناوله اليوم، وهو ما قدمه منتخب المغرب خلال لقائه بنظيره الكندي، الذي كسبه بثلاثة أهداف نظيفة.
وفي هذا اللقاء قدم المغرب درسين لبقية الأفارقة الذين يمارسون كرة القدم، بما فيهم نحن السودانيين.
الدرس الأول هو أن البداية السيئة لا تعني بالضرورة الهزيمة.
فعلى الرغم من تلك البداية السيئة أمام المنتخب الكندي، قلب المغاربة المعادلة رأساً على عقب، وقدموا أداءً مغايراً تماماً في الشوط الثاني، ليثبتوا لنا جميعاً أن العزيمة والإصرار قادران على تصحيح المسار، شريطة أن يكون الجالسون على الخط من أصحاب القراءة الجيدة والرؤية الثاقبة.
ولا ننسى هنا الإشارة إلى أن حارسهم بونو أثبت للجميع أن حارس المرمى يمثل أكثر من نصف الفريق؛ فقد منح زملاءه ومدربه الوقت الكافي، وحافظ على التعادل السلبي إلى حين تصحيح الأوضاع التي اختلت خلال الدقائق الـ45 الأولى، على غير العادة في هذه البطولة.
أما الدرس الثاني، والأهم، فهو تلك العقلية التي تميز بها لاعبو المنتخب المغربي.
فمع اقتراب نهاية المباراة وتقدمهم بهدفين، رأينا إصراراً عجيباً وصلابة دفاعية مميزة لمنع الكنديين من تسجيل أي هدف؛ إذ إن دخول هدف في ذلك الوقت الحرج كان سيؤدي إلى دخول الثاني، وربما الثالث، مثلما حدث مع منتخبات أفريقية أخرى.
ولم يكتفِ المغاربة بالمحافظة على الشباك النظيفة، بل استغلوا أول سانحة لتسجيل هدف ثالث في الثواني الأخيرة، ضمنوا به قتل المباراة، حتى لو مدد الحكم الوقت المحتسب بدل الضائع لدقائق أخرى.
وهنا يظهر اختلاف العقلية بين المنتخب المغربي ومدربه، وبين بقية المنتخبات التي خسرت في الدقائق الأخيرة بعد أن كانت متقدمة في النتيجة.
والجدير بالذكر أن جُلّ لاعبي المنتخب المغربي وُلدوا وتكوّنوا كروياً في بلدان أوروبية، وهو ما ينطبق على معظم لاعبي الرأس الأخضر الذين تعلموا أساسيات الكرة في أكاديميات البرتغال.
لذلك، عندما يقول البعض إن ثمة مشكلة في عقلية اللاعب الأفريقي، فلا ينبغي أن يُنظر إلى هذا الطرح من زاوية العنصرية أو غيرها، بل باعتباره قضية تستحق النقاش.
فطالما أن لاعبنا، عندما يبدأ ممارسة كرة القدم في سن مبكرة خارج بلدان قارتنا، يستطيع تقديم مستويات يعجز عنها كثير ممن يمارسون اللعبة حتى سن متقدمة داخل القارة، فإن ذلك يدعو إلى التأمل في طبيعة البيئة الكروية ومنظومة التكوين، أكثر من كونه مرتبطاً بأصل اللاعب أو انتمائه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك