نجاح أي حوار وطني مقترح في السودان، يشترط توفر العناصر والمقومات الأساسية التالية:أولا: الإرادة السياسية الصادقة عند كل الأطراف، وتوافقهم على الهدف الرئيسي من الحوار، وغياب أي من هذين العنصرين سيحول الحوار إلى «مسرحية سياسية» أو «مناورة تكتيكية.
» الإرادة السياسية الصادقة هي «المحرك» للحوار، وبدونها، يتحول النقاش إلى خطابات إنشائية لا تجيب على أسئلة المواطن.
وهي ليست مجرد شعور داخلي، بل سلوكيات قابلة للملاحظة، ورهان عملي يمكن قياسه بسؤال واحد: هل هذا الحوار سيخاطب جذور الأزمة فعلياً، أم هو مجرد وسيلة لكسب الوقت وإعادة إنتاج الوضع القائم؟ والإرادة السياسية الصادقة تحكمها مجموعة من المعايير، منها: 1- الاعتراف بالآخر وبشرعيته كشريك وطني وليس عدواً يجب إقصاؤه، حتى لو اختلفت معه في الرؤى.
2- الجرأة على طرح الملفات الصعبة والقضايا الخلافية منذ الجلسة الأولى، كالمحاسبة، والعدالة الإنتقالية، وسلاح الفصائل، والمصالحة…إلخ، بدلاً من إرجائها إلى «مرحلة لاحقة» غير محددة.
3- المصداقية وتطابق الأقوال مع الأفعال، كإصدار قرارات تنفيذية فورية أثناء الحوار، مثل وقف الحملات الإعلامية، فتح ممرات إنسانية…إلخ.
4- فهم التنازل كاستراتيجية لا كخسارة، بمعنى أن كل طرف لديه «منطقة مرونة» يمكنه التفاوض عليها، وأنه يدرك أن التنازل في الجزئيات مقابل الحفاظ على الكليات، الوطن، هو مكسب، وليس هزيمة.
5- الالتزام بالمؤسسية وبالآليات المتفق عليها، كالجداول الزمنية، المرجعية قانونية، الوسيط المحايد، حتى عندما تكون النتائج المؤقتة غير مرضية.
الحريات الديمقراطية التي تشترط إتاحتها للمشاركة في الحوار، ما هي في الواقع سوى جزء يسير مما يفترض أن يخرج به الحوار، في حالة نجاحهوالإرادة السياسية الصادقة لا تقاس بالوعود والتصريحات الإعلامية، وإنما بمؤشرات سلوكية وفعلية، منها: *معرفة إذا كانت الأطراف مستعدة للتنازل عن مكاسب آنية ودفع ثمن سياسي من أجل نجاح الحوار، كالإستعداد لتغيير الخطاب الجماهيري الذي يرضي القاعدة الشعبية، لصالح لغة أكثر اعتدالاً.
*مؤشر الجدول الزمني، أي وضع سقف زمني للحوار، والالتزام بمراحله الانتقالية المحددة سلفاً.
فالحوار المفتوح دون سقف زمني هو غالباً أداة للمماطلة.
*مراقبة مدى سرعة تحويل مخرجات الحوار إلى قرارات نافذة.
فإذا انتهت الجلسات عند حدود «التوصيات» فقط، فهذا دليل على غياب الإرادة السياسية الصادقة.
*مؤشر إدارة الأزمات، حيث تظهر الإرادة الصادقة في لحظات التوتر والأزمة المفاجئة، حادث أمني أو تسريب سياسي، وهل سيتعامل الطرفان بالحوار لحلها، أم يعودان فوراً للغة الاتهام المتبادل والتهديد؟ *مقياس مدى قبول الأطراف بوجود جهة ثالثة من خارجها، محلية أو دولية، كآلية رقابة تتابع تنفيذ الالتزامات.
فمن يملك إرادة صادقة لا يخاف من المتابعة والشفافية.
وهكذا، فإن نجاح أي حوار الوطني يقاس بمدى استعداد كل طرف لتغيير سلوكه في ثلاث لحظات: لحظة التنازل، ولحظة التنفيذ، ولحظة الأزمة.
فإذا اجتاز هذه الاختبارات الثلاثة، فهذه هي الإرادة الصادقة بأجلى معانيها.
التوافق على هدف الحوار الرئيسي هو «البوصلة»: هل هو حوار لإنقاذ الوطن من الانهيار؟ أم تسوية لإعادة توزيع السلطة؟ وإذا اختلفت الأطراف حولها، فسيكون الحوار أشبه بسفينة تائهة عن مرساها.
أطراف الحوار الوطني يجب أن تتوافق على أن هدفه الرئيسي، هو المواطن والوطن، وليس المكسب لهذا الطرف أو ذاك، وأن الغاية هي بناء دولة قانون تحقق الأمن والكرامة لجميع السودانيين.
عندها يصبح كل خلاف جزئي قابلاً للحل، فالبوصلة واحدة.
ثانيا: بناء الثقة بين الأطراف قبل بدء الحوار.
فإذا كانت الإرادة السياسية الصادقة هي المحرك، والتوافق على الهدف هو البوصلة، فإن بناء الثقة قبل بدء الحوار هو الوقود والتربة الخصبة التي بدونها لن يتحرك المحرك ولن تعمل البوصلة.
ولكن، عبارة بناء الثقة قبل الحوار، قد تبدو للوهلة الأولى، وكأنها مفارقة أو يتلبسها التناقض.
فالثقة عادةً ما تكون نتيجة للحوار، وليس شرطاً قبله.
ولكن في السياقات الوطنية المعقدة، خاصة بعد النزاعات الدامية أو الانقسامات الحادة، السودان نموذجا، تكمن الحكمة في أن الحوار في حد ذاته لا يخلق الثقة، بل يستنزفها إذا بدأ دون الاستناد إلى أرضية صلبة تبنى بتطبيق إجراءات بناء الثقة، وتهيئة المناخ الملائم لإجراء حوار وطني حقيقي بين أطراف متكافئة.
وبناء الثقة وتهيئة المناخ الملائم للحوار لا يتمان بإبداء النوايا الطيبة، ولا يمكن اختزالهما في تصريحات ووعود من هذا الطرف أو ذاك، بل يتطلبان تنفيذ تدابير وإجراءات واضحة، منها إلتزام كل الأطراف بوقف إطلاق النار والسماح بمرور المساعدات الإنسانية للمناطق المحتاجة، ومنها إطلاق سراح المعتقلين والمحكومين سياسيا وإسقاط التهم والدعاوى القضائية السياسية، ومنها أيضا تجميد العمل بالقوانين المقيدة للحريات، وإتاحة حرية الاجتماع والتنظيم والتعبير والحركة، حتى يتوفر الجو الملائم لحوار متكافئ، وحتى يمارس الشعب حقه الكامل في متابعة الحوار الدائر بشأن مستقبله، بل والمشاركة فيه مشاركة حقيقية، وعدم اختزاله في تسويات وصفقات بين النخب.
إبان حوار «الوثبة»، إشترطت القوى التي رفضت المشاركة في الحوار تنفيذ إجراءات بناء الثقة وتهيئة المناخ الملائم قبل بدء الحوار، محاججة أن نظام «الإنقاذ» يدخل الحوار مستخدما كل إمكانات الدولة المتاحة له: هيبة السلطة وعلاقاتها الدولية، وموارد الوطن وثرواته، وأجهزة الدولة الضاربة في القوات النظامية والقوات الموازية وقوات الأمن والاستخبارات، وقوات الدعم السريع آنذاك، وشبكة الإعلام الداخلي والخارجي…الخ، في حين إمكانات القوى المعارضة المادية اقل بكثير، لذلك، هي تتمسك بتنفيذ إجراءات بناء الثقة وتهيئة المناخ الملائم، لأنها ترغب، إلى جانب تمكين الشعب من إبداء رأيه والمشاركة في صياغة مستقبله، في أن تختبر مدى جدية النظام الذي رسب بإمتياز في كل إختبارات الجدية والثقة السابقة.
كما أن الحريات الديمقراطية التي تشترط إتاحتها للمشاركة في الحوار، ما هي في الواقع سوى جزء يسير مما يفترض أن يخرج به الحوار، في حالة نجاحه، أي هي لا تعدو أن تكون عربونا بالجدية من جانب النظام.
ونواصل المناقشة في المقالات القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك