لستُ مؤرخاً، لكن ليس صعباً عليّ شأن كتّاب كثر في لبنان هذه الأيام أن أحصي بعض الأعاجيب والخوارق التي تشكّل تاريخ هذا الكيان المتنوّع.
يكفي، بدايةً، أن أشير إلى أن تأسيس «دولة لبنان الكبير» لم يكن نتيجة استفتاء شعبي، أو قرار مؤتمر وطني، أو انتخابات عامة، بل كان نتيجة قرارٍ للمفوض السامي (قائد القوات الفرنسية المحتلة) الجنرال غورو بتاريخ أول سبتمبر 1920.
قرار تأسيس «دولة لبنان الكبير» كان بحد ذاته وبتوقيته ومضمونه أعجوبة، أليس أمراً خارقاً وإعجازياً جمع كل تلك الطوائف والمناطق والعشائر المتباعدة، في إطار إداري وسياسي واحد؟ فإلى متصرفية جبل لبنان التي كانت قائمة منذ سنة 1862 جرى ضم أقضية بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا، التي كانت تابعة لولاية دمشق العثمانية، وكذلك ما تبقّى من ولاية بيروت العثمانية السابقة، أي سنجق بيروت، وسنجق صيدا، وسنجق طرابلس، بعد فصل ما كان ملحقاً بها من المناطق (عكا في الجنوب واللاذقية في الشمال).
أصدر الجنرال غورو قراراً برقم 336 تاريخ اول سبتمبر 1920 تضمّن القانون الأساسي لدولة لبنان الكبير، الذي حدّد جهازها الإداري المكوّن من أربع متصرفيات وبلديتي بيروت وطرابلس.
هذا القانون الأساسي بقي معمولاً به لغاية صدور الدستور (في عهد الإنتداب الفرنسي) سنة 1926، ومع ذلك ظلّ لبنان محكوماً من جانب جنرالات فرنسا إلى ما بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية 1945-1939 واضطرار فرنسا الحرة بقيادة الجنرال ديغول إلى سحب قواتها نهائياً وجلائها عن لبنان في 31 ديسمبر 1946.
لعل انشغال كبار دول العالم وصغارها بمخاطر وتحديات مقلقة لديها في هذه الآونة، يتيح لنا اغتنام الفرصة التاريخية لمعالجة شؤوننا بمنأى عن تدخلات الخارج ووكلائه المحليينذكرتُ كل هذه التفاصيل لسببٍ وجيه: لأن اللبنانيين، بعد استعمار فرنسي دام نحو 25 عاماً، إستطاعوا لأول مرة في تاريخهم أن يصنعوا سنة 1943 أعجوبة اسمها ومضمونها الوفاق الوطني الجامع، حول اول حكومة استقلالية بقيادة رئيس الجمهورية بشارة الخوري، ورئيس الحكومة رياض الصلح التي كانت قد عدّلت الدستور وألغت صلاحيات المفوض السامي الفرنسي، ما أجبر الفرنسيين تحت الضغط الشعبي، إلى إطلاق سراح الخوري والصلح، فأصبح بذلك استقلال لبنان ناجزاً.
هل بمقدور اللبنانيين الآن صنع أعجوبة وفاق وطني مماثلة لتلك المنجزة سنة 1943، بحيث تكون سبيلاً إلى إنقـاذ البلد من المخاطر والتحديات المحيطة به والمصحوبة غالباً بتدخلٍ من دولة إقليمية كبرى، أو من دولة عالمية عظمى؟نعم، يجيب قياديون عابرون للطوائف من القوى الوطنية النهضوية بل يؤكدون أن ذلك ممكن إذا اتفق زعماء ومسؤولو مختلف الجماعات والفئات السياسية اللبنانية المتنافرة على تحديد القضايا والمواضيع الأكثر مدعاة للخلاف في ما بينهم كي يُصار إلى التوافق على حلها أو تسويتها من خلال تطبيق القوانين اللبنانية النافذة بمنأى عن تدخل ايّ جهة خارجية.
في هذا السياق، يرى قياديون في القوى الوطنية النهضوية أن أبرز وأخطر القضايا والمواضيع الأكثر مدعاة للخلاف بين اللبنانيين خمسة:أولاً: عدم تطبيق أحكام الدستور والقوانين النافذة.
ثانياً: استشراء الفساد وعدم محاسبة الفاسدين.
ثالثاً: تقصير الحكومات المتعاقبة في مواجهة الاعتداءات والاحتلالات الإسرائيلية، الأمر الذي حمل المواطنين المتضررين والهيئات السياسية الحاضنة لهم إلى تكوين تنظيمات مسلحة لمقاومة العدوان الإسرائيلي المتواصل باستقلال عن السلطات الرسمية.
رابعاً: اعتقاد بعض الجماعات والفئات السياسية المسيحية، أن نشاط التنظيمات المسلحة الناهضة بمواجهة العدوان الإسرائيلي أدى إلى الإخلال بموازين القوى داخل الفضاء السياسي اللبناني والتسبّب تالياً بصدامات سياسية وأمنية.
خامساً: تفاقم تداعيات النزوح جرّاء الاعتداءات والاحتلالات الإسرائيلية، الأمر الذي جعل من إعادة الإعمار ومواجهة الضائقة المعيشية، أولى اولويات المواجهة السياسية والاجتماعية المطلوبة.
يُقدّم دعاة هذه المقاربة السياسية الاجتماعية مساراً مبرمجاً للمواجهة والتنفيذ مدته سنتان، وهي المدة ذاتها التي جرى إقرارها أخيراً لتمديد ولاية مجلس النواب الحالي، على أن يتضمن المسار المبرمج التدابير الآتية:دعوة يوجهها الرئيس نبيه بري، بصفته نائباً منتخباً غير مطعون بنيابته ورئيساً لمجلس النواب منذ نحو 35 سنة، إلى عقد مؤتمر للوفاق الوطني في مبنى مجلس النواب، على أن يشارك فيه أصالةً أو وكالةً ممثل واحد عن كل من الهيئات والمؤسسات الآتية: رئاسة الجمهورية ـ رئاسة مجلس الوزراء ـ رئاسة مجلس القضاء الأعلى ـ الأحزاب والتنظيمات اللبنانية، حسب أقدمية تأسيسها وهي: الحزب الشيوعي اللبناني، الحزب السوري القومي الاجتماعي، حزب الكتائب اللبنانية، الحزب التقدمي الاشتراكي، التنظيم الشعبي الناصري (اسامة سعد)، حركة أمل، حزب الله، اللقاء الوطني الحر(جبران باسيل)، حزب القوات اللبنانية (سمير جعجع)، الجماعة الإسلامية، المؤتمر الشعبي اللبناني، الجبهة العربية التقدمية، الحزب الديمقراطي الشعبي، التحالف الوطني للإنقاذ والتغيير، اللقاء الوطني الموسّع (المنعقد في 29 أبريل 2026)، نقابة الأطباء في بيروت، نقابتا المحامين في بيروت وطرابلس، نقابتا المهندسين في بيروت وطرابلس.
يكون من حق الرئيس نبيه بري، كما سائر الهيئات والأحزاب والنقابات المشارِكة في المؤتمر الوطني، تقديم مشروع «نهج للوفاق الوطني الجامع» يتضمن المبادئ والخطوات المراد اتخاذها واعتمادها للخروج من الأزمة الراهنة.
(جـ) تضمين مشاريع «نهج الوفاق الوطني الجامع» مقترحات بشأن الأولويات الإصلاحية المطلوبة للمرحلة الراهنة واهها:* تنفيذ احكام الدستور كلها، ولاسيما المواد 22 و 24 و95 منه.
* تعهد قوى المقاومة بقيادة حزب الله بمتابعة نشاطها وعملياتها ضد العدو الصهيوني، طالما هو محتل في جنوب لبنان ومثابر على أعمال القتل والتفجير والتدمير والتجريف، والتعهد بوقف عمليات المقاومة وتسليم سلاحها للدولة في حال ثبوت انسحاب قوات العدو الصهيوني إلى ما وراء الحدود الدولية، وفق اتفاقية الهدنة لعام 1949.
* قيام قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل بوضع استراتيجيا متكاملة للدفاع الوطني تتضمن وسائل تسليح الجيش من كل المصادر المتاحة ليكون دائماً المؤسسة الوطنية المسؤولة عن حماية البلاد وأمنها القومي في وجه الأعداء، أياً كان انتماءهم ومطمعهم.
* إنشاء المجلس الأعلى للإعمار والإنماء.
* إنشاء لجنة متابعة لتنفيذ توصيات المؤتمر الوطني.
(د) يؤلف رئيس المؤتمر الوطني لجنةً تنظيمية لجمع وتوزيع المشاريع والأوراق المقدمة من المشاركين في المؤتمر لعرضها على الهيئة العامة للمؤتمر بغية مناقشتها واتخاذ التوصيات اللازمة بشأنها، خلال خمسة أيام لا أكثر، يُصار بعدها إلى إعلان التوصيات التي جرى إقرارها، وتكليف لجنة المتابعة مهمة ملاحقة وضعها موضع التنفيذ.
هذه المقاربة ليست تمريناً في التعجيز، بل هي مبادرة نهضوية إصلاحية جادة لقبول التحدي والحاجة إلى صنع أعجوبة وفاق وطني جامع يكون قادراً وكفيلاً بإخراج البلاد مما هي فيه من أزمة خانقة.
ولعل انشغال كبار دول العالم وصغارها بمخاطر وتحديات مقلقة لديها في هذه الآونة، يتيح لنا اغتنام هذه الفرصة التاريخية لمعالجة شؤوننا ومشاكلنا بمنأى عن تدخلات الخارج ووكلائه المحليين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك