عاشت ولاية خنشلة، الخميس على وقع حدث سياسي مميز، مع توافد المواطنين منذ الساعات الأولى إلى مراكز ومكاتب الاقتراع لاختيار ممثليهم وفرسانهم في المجلس الشعبي الوطني، حيث شهدت الانتخابات التشريعية لهذه السنة مشاهد استثنائية ستبقى راسخة في ذاكرة أبناء الولاية، بعد ما أصر عدد من الشيوخ والمسنين من الجنسين، ممن تجاوزت أعمارهم المائة سنة، على التنقل إلى مراكز الاقتراع وأداء واجبهم الانتخابي رغم تقدمهم الكبير في السن، في صورة مؤثرة جسدت عمق الوعي الوطني وروح المواطنة، ورسالة قوية مفادها أن خدمة الوطن لا ترتبط بعمر، بل بالإيمان بالواجب والمسؤولية.
وقد تحولت تلك اللحظات إلى محطات إنسانية مؤثرة، حيث حظي هؤلاء المعمّرين باستقبال وتقدير كبيرين من طرف المؤطرين والمواطنين، ليؤكدوا أن الجزائر الجديدة، ستبنى بسواعد جميع أبنائها، وأن صوت المواطن يبقى أمانة مهما تقدم به العمر.
ولعل أكثر المشاهد تأثيراً خلال هذا الاستحقاق الانتخابي كان إصرار الحاج لزهر صحراوي، البالغ من العمر 100 سنة، على التنقل إلى مركز الاقتراع والإدلاء بصوته رغم تقدمه في السن، مؤكداً أن حب الوطن والوفاء له لا يعرفان عمراً، حيث قدم بطاقة الناخب وأبى إلا أن يحمل بطاقته الشخصية المدوّن عليها مواليد 2026.
كما خطفت المعمرة فطوم ساري، البالغة من العمر 105 سنوات، الأنظار وهي تتوجه إلى صندوق الاقتراع بكل عزيمة وإصرار، معبرة عن رغبتها في المساهمة في اختيار ممثلي الشعب وصناعة التغيير، وعندما سألتها الشروق اليومي عن سرّ “شبابها”، ابتسمت وسألت: “وعلاه ما نفوطيش؟ ”.
الحاجة فطوم وزعت على المتواجدين في مركز الانتخاب وعلى الناخبات زهورا من الأدعية والنصائح، ووعدتهم بالعودة في المحليات القادمة وحتى الرئاسيات القادمة.
وتواصل المشهد من مدينة يابوس، مع إصرار الحاج محمد الشريف طاهري، المعروف بين أبناء منطقته بعمي حمه، على أداء واجبه الانتخابي بكل فخر رغم تقدمه الكبير في السن واقترابه من المائة واثنان عام، وقد وصف يوم الاقتراع بـيوم عرس، مؤكداً أن حرية الاختيار هي ثمرة التضحيات الجسام التي قدمها الشهداء والمجاهدون من أجل أن يعيش الجزائري حراً في اختيار من يمثله، مضيفا أنه لم يتخلف عن أي استحقاق انتخابي منذ بلوغه السن القانونية، إيماناً منه بأن للوطن حقاً على أبنائه، وأن المشاركة في الانتخابات واجب وطني يساهم في ترسيخ دعائم المؤسسات الدستورية وتعزيز المسار الديمقراطي، وبمثل هذه النماذج، أثبت كبار السن بخنشلة أن الوطنية لا تسقط مع العمر، وأن حب الجزائر يبقى راسخاً في القلوب مهما تقدمت السنون، في رسالة ملهمة للأجيال الصاعدة بأهمية المشاركة وتحمل المسؤولية تجاه الوطن.
وفي ولاية قسنطينة جاءت الحاجة المسماة العطرة بن تومي بسنواتها المائة إلى مركز طارق بن زياد، رفقة حفيد حفيدها وهو في الرابعة عشرة من عمره، وراحت تشرح: “تزوجت في سن الخامسة عشرة في سنة 1951، وسعيت دائما على تزويج أبنائي وأحفادي في سن مبكرة، وصار لي حفيد وعمري 32 سنة فقط في سنة 1958، وأنا الآن في مصاحبة حفيد حفيدي”، وعن الاقتراع تقول: “إن أول أانتخاب لي كان في الفاتح من جويلية 1962 الخاص بتقرير المصير، الذي مهّد للخامس من جويلية استقلال الجزائر، ومن ذلك الوقت أي من انتخابات 1962 إلى 2026، ومرورا بانتخابات الدستور والميثاق الوطني في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، لا يمكنني التخلف عن موعد الاقتراع”.
بينما تحدى الشيخ الوزان ابن الخروب مرضه وسنواته التي هي على تخوم المائة، فهو قعيد الفراش منذ 2017، بسبب أزمة عصبية أفقدته الحركة في شبه شلل ضرب أطرافه العلوية والسفلية، ولكنه أصر على أبنائه أن ينقلوه إلى أقرب مركز اقتراع لاختيار ممثله في البرلمان وتمنى أن يتحمل المنتخبون الجدد مسؤولياتهم، معتبرا الانتخاب واجب ونوع من الكفاح على حدّ تعبيره، ويتذكر هو أيضا بكثير من الأحاسيس أول انتخاب له في حياته الذي منح الجزائر الاستقلال المجيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك