أستغرب كثيرًا من نظرة بعض الناس لمن يتحدث مع نفسه، وكأن هذا الأمر دليل على الجنون أو الخروج عن المألوف.
بينما الحقيقة أن الإنسان أحيانًا لا يجد أصدق من نفسه ليحدثها، ولا أرحم من قلبه ليسمع ما فيه.
نحن نعيش في زمن كثرت فيه الأصوات، وكثرت فيه الآراء والتدخلات، حتى أصبح الإنسان يخشى أن يفتح قلبه لأحد، فيُساء فهمه أو يُستخدم كلامه ضده.
لذلك يلجأ إلى نفسه، يحاورها، ويرتب أفكاره معها، ويستعرض مواقفه، ويبحث عن إجابات لأسئلة لا يستطيع طرحها على الآخرين.
الحديث مع النفس ليس دائمًا ضعفًا أو وحدة، بل قد يكون قوة ووعيًا ونضجًا.
فهناك من يجلس مع نفسه ليحاسبها، وهناك من يواسيها، وهناك من يشجعها على الاستمرار حين لا يجد من يشجعه.
وأحيانًا تكون النفس أصدق مستشار حين تختلط الأصوات من حولنا.
ربما يكون الدافع خوفًا من الناس، أو حذرًا من بعضهم، أو رغبة في تجنب الدخول في نقاشات لا فائدة منها.
وربما يكون مجرد تفريغ لما تراكم في الداخل من أفكار ومشاعر.
وفي جميع الأحوال يبقى الحديث مع النفس أهون من أن يحمل الإنسان همومه إلى من لا يقدرها.
العيب الوحيد في الأمر أن بعض الناس إذا رأوك تتحدث مع نفسك ابتسموا وقالوا: “هذا مجنون”.
بينما هم لا يعلمون أن كثيرًا من العقلاء والحكماء وأصحاب التجارب الطويلة كانت لهم جلساتهم الخاصة مع أنفسهم، يراجعون فيها حياتهم ويعيدون ترتيب أولوياتهم.
لذلك لا أرى في الحديث مع النفس جنونًا بقدر ما أراه مساحة آمنة يلجأ إليها الإنسان حين تضيق به الطرق.
فليس كل ما يقال للناس يجب أن يسمعوه، وليس كل ما نشعر به يحتاج إلى مستمع.
أحيانًا تكفي جلسة هادئة مع النفس، لنخرج منها أخف قلبًا، وأوضح فكرة، وأكثر سلامًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك