القدس العربي - بريطانيا تشدد قواعد تلقي التبرعات السياسية من الخارج سكاي نيوز عربية - لندن تشدد قواعد تلقي التبرعات السياسية من الخارج وكالة شينخوا الصينية - اندلاع حريق كبير في مستودع بولاية ويست فيرجينيا الأمريكية قناة الجزيرة مباشر - Sudan: Rising Displacement and Critical Health Conditions in Darfur CNN بالعربية - روسيا تشن هجوما صاروخيا باليستيا على كييف عشية قمة الناتو الجزيرة نت - أحرقوا العلم الإسرائيلي.. أمريكيون يطلبون "الاستقلال" عن إسرائيل بذكرى الاستقلال العربي الجديد - هلا بالصيف 2026... الدوحة تعيد تعريف السياحة الخليجية العربي الجديد - أزمة زيوت المحركات تضرب نقل وطاقة غزة قناة العالم الإيرانية - انتهاء مراسم الوداع مع الجثمان الطاهر لقائد الثورة الشهيد في مصلى طهران العربي الجديد - هل تفلح أوكرانيا وبولندا في تجاوز خلافات الماضي؟
عامة

الاتحاد السوفييتي وإيران.

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة
1

مع صعود حكومة عراقية جديدة أكثر ميلاً إلى تفكيك الفصائل وتفعيل دور الدولة، بوصفها الشرعية الوحيدة التي تحتكر القوّة، ومع تصاعد الضغوط الأميركية والإسرائيلية على شبكات النفوذ الإيرانية في المنطقة، يدخل...

مع صعود حكومة عراقية جديدة أكثر ميلاً إلى تفكيك الفصائل وتفعيل دور الدولة، بوصفها الشرعية الوحيدة التي تحتكر القوّة، ومع تصاعد الضغوط الأميركية والإسرائيلية على شبكات النفوذ الإيرانية في المنطقة، يدخل الشرق الأوسط مرحلة مختلفة عن التي حكمته في العقدَين الماضيَين.

فالمشهد الذي تشكّل بعد 2003، والقائم على تمدّد النفوذ الإيراني عبر الفصائل الحليفة والأذرع المسلّحة العابرة للحدود، يواجه اليوم واحدةً من أكثر لحظاته هشاشةً منذ سنوات، وأكثرها حسماً وجدّية أيضاً.

لا يتعلّق الأمر هنا بتراجع نفوذ فصيل بعينه، أو بخسارة ساحة إقليمية محدّدة، بقدر ما يتعلّق باهتزاز نموذج كامل من النفوذ الإقليمي؛ فإيران التي عبّأت مليشياتها في العراق ولبنان وسورية واليمن بالتحالف مع شبكات محلّية، تبدو اليوم أمام واقع جديد يتآكل فيه تدريجياً المجال" الحيوي" الذي سمح لها، عقوداً مضت، بتوسيع قوّتها خارج حدودها.

وفي هذا السياق، لا يمثّل مسار نزع سلاح الفصائل العراقية، بوصفها أحد أثقل مراكز النفوذ الإيراني إقليمياً، مجرّد خسارة طرفية، بقدر ما يعزّز مسارات تفتيت التماسك الأهم في منظومة النفوذ الإيرانية الخارجية.

وعليه؛ يمكن تقديم قراءة تفحّص الكيفية التي تتحوّل بها الهزائم والضغوط المتراكمة في الأطراف إلى عوامل تؤثّر تدريجياً في استقرار المركز وتماسكه الداخلي، بل وزواله كما أظهرت التجربة السوفييتية في مراحلها الأخيرة.

ولهذا، تبني هذه الورقة مقاربتها المقارنة على فرضية مفادها بأنّ القوى الكُبرى، بما فيها الإقليمية ذات الطموحات التوسعية القائمة على القهر، لا تتراجع عادة بصورة مفاجئة، وإنما تبدأ أزماتها وعمليات الحتّ والتعرية، حين تفقد الأدوات والشبكات التي مكّنتها من إدارة المجال الإقليمي المحيط بها.

وتجد هذه الفرضية إطارها النظري في مفهوم" فرط التمدّد الإمبراطوري" الذي صاغه المؤرّخ البريطاني بول كينيدي في كتابه المرجعي" نشوء وسقوط القوى العظمى"، وهو مفهوم يمكن تلمّس بعض تجلياته في توسيع المجال الحيوي الإيراني حتى وصل إلى البحر المتوسّط، إلى أن دخلت بيئات النفوذ تلك في مسارات اضطراب وتفكّك واستنزاف متزامن لتسقط كمتوالية، كما يستند التقرير إلى كل من الأكاديمي والمؤرخ الأميركي، مارك كرامر، في دراسته" انهيار الكتلة السوفيتية"، والباحثين رافائيل ريفيني وعاصم براكاش في دراستهما" حرب أفغانستان وانهيار الاتحاد السوفييتي"، بوصفها طبقة تحليل إضافية؛ تعتمد على مقاربة تُظهر كيف يمكن للتآكل الخارجي أن يتحول إلى أزمة داخلية تصيب بنية المركز نفسه.

يعزّز نزع سلاح الفصائل العراقية مسارات تفتيت التماسك الأهم في منظومة نفوذ إيران الخارجيةالتقاطعات العامة بين النموذجَينلا تحاول هذه الورقة ادّعاء أنّ إيران ستنهار بالكيفية نفسها التي انهار بها الاتحاد السوفييتي، كما لا تسعى إلى إنتاج تنبؤات حتمية بشأن مستقبل، إنما تُظهر المتشابهات بين النموذجين؛ إذ وعلى الرغم من وجود فوارق بنيوية وتاريخية كبيرة بين الاتحاد السوفييتي وإيران، تكشف المقارنة بينهما تكشف عدة تقاطعاتٍ عامة؛ أبرزها أنّ كليهما واجه لحظات انكسار وتفكّك في فضاءات النفوذ الإقليمي المحيط بهما، سواء عبر تفكّك الكتلة السوفييتية في أوروبا الشرقية، أو من خلال إسقاط بعض شبكات النفوذ الإقليمية وتآكل بعضها الآخر، التي شكّلت لعقود إحدى أهم مرتكزات القوة الإيرانية خارج حدودها الوطنية.

كما يشترك النموذجان في الانخراط في حروب ممتدّة خارج نطاق الدفاع التقليدي للدولة، إذ خاض الاتحاد السوفييتي حرب أفغانستان وخرج منها مثقلاً بالاستنزاف والهزيمة، بينما شَنَّت إيران سلسلةً حروب إقليمية متعدّدة المستويات، كان أطولها وأكثرها كلفةً الحرب في سورية، التي مثّلت، أكثر من عقد، الركيزة الأهم في مشروعها الإقليمي.

غير أنّ هذه الحرب انتهت، رغم حجم الاستثمار الإيراني العسكري والسياسي والاقتصادي فيها، إلى إسقاط رأس النظام (المحور) الحليف نفسه، بما حوّل الساحة السورية من نقطة ارتكاز استراتيجية لإيران إلى واحدةٍ من أكبر خسائرها الجيوسياسية.

إضافة إلى هذا، استند كلا النموذجَين إلى مرجعية عقائدية عابرة للحدود، تمثّلت في" عقيدة بريجنيف" في الحالة السوفييتية، التي شرعنت التدخّل العسكري للحفاظ على المجال الحيوي السوفييتي، ومنع تفكّك فضاءاته التابعة.

وفي فكرة" تصدير الثورة" في الحالة الإيرانية، بما يجعل من البُعد الأيديولوجي حاضراً في عملية تفسير امتداد النفوذ وحدوده.

لا تنبع أهمية هذه التقاطعات من مجرّد التشابه بين الحالتَين، وإنّما من قدرتها على كشف آليات متكرّرة تطبع أزمات القوى الممتدّة خارج حدودها، من دون أن يعني هذا بالضرورة حتمية السقوط والانهيار.

فهذه الآليات تظلّ مفتوحةً على مسارات تاريخية غير يقينية، وهو ما يذكّر به كينيدي في كتابه المرجعي" نشوء وسقوط القوى العظمى"، حين يؤكّد أنّ التاريخ لا يخضع لمسارات يقينية ثابتة، وأنّه لا يمكن تقديم أحكام مستقبلية تتمتّع باليقين، إذ إنّ الأحداث غير المتوقّعة والحوادث العرضية قد تُفسد أكثر التوقعات منطقية.

يقدّم كينيدي إطاراً تفسيرياً تاريخياً يربط بين القدرة العسكرية والقاعدة الاقتصادية للدولة، فما" من شيء يعتمد على الأوضاع الاقتصادية أكثر من الجيش والبحرية"، وأن صعود القوى الكبرى أو تراجعها ارتبط تاريخياً بقدرتها على استدامة الإنفاق على الالتزامات الخارجية وكلفة العسكرة.

وفي هذا السياق، يشدّد كينيدي على أنّ" جميع التبدّلات في موازين القوة العسكرية العالمية ارتبطت بالتغيّرات الحاصلة في الموازين الإنتاجية"، وأنّ نشوء وسقوط الدول والإمبراطوريات في المسرح الدولي كانا، في أحيانٍ كثيرة، نتاجاً مباشراً للحروب الكبرى بين القوى العظمى، إذ كان التفوّق يميل، في النهاية، إلى الطرف الأقدر على تعبئة الموارد المالية والإنتاجية بصورة أكثر استدامة.

فالحروب الممتدّة، حين تترافق مع اتّساع الالتزامات الخارجية وتزايد كلفة إدارة المجال الحيوي، لا تبقى مجرّد أدوات للنفوذ فحسب، إنما قد تتحوّل تدريجياً إلى مصدر استنزاف يضغط على المركز نفسه اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً؛ وهو خلاصة يصل إليها بول كينيدي في مفهومه حول" فرط التمدّد الإمبراطوري"، بوصفه الحالة التي تتجاوز فيها الالتزامات الخارجية للدولة قدرتها الفعلية على الإدارة والسيطرة والاستدامة.

ولذلك حذّر القوى الكبرى من أنها تدخل منطقة الخطر عندما تصبح مصالحها والتزاماتها العالمية أكبر من قدرتها على الدفاع عنها أو إدارتها في آن.

ومن هذا المنظور، لا يمكن الدفع نحو قراءة الحالة الإيرانية تكراراً ميكانيكياً للتجربة السوفييتية، إنّما هي دعوة إلى التأمل في فكرة مفادها بأنّ التماثل في المُشتركات قد يقود، في ظروف معينة، إلى التماثل في المآلات.

الأثر الارتدادي على المركزوفي هذا السياق، يقدّم مارك كرامر تفسيراً بالغ الأهمية لتحوّلات أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيّات، إذ لا يرى أن تصدّع الكتلة السوفييتية كان نتيجة انهيار مفاجئ في القدرة العسكرية، إنما جاء نتيجة تغيّر تدريجي في نمط استخدام القوة، إذ اختار الاتحاد السوفييتي عدم التدخّل في الحراك الذي كان يدفع نحو تفتّت أنظمة أوروبا الشرقية الحليفة، وهو ما سرّع عمليات إعادة تشكيل ميزان القوى داخل المجال السوفييتي نفسه.

ففي 1989 قال غورباتشوف بشكل قاطع: " تغيّرت الأوضاع الاجتماعية والسياسية في بعض الدول (في أوروبا) في الماضي، وقد تتغيّر مرّة أخرى في المستقبل.

ومع هذا، يخصّ هذا الأمر الشعوب نفسها لتقرّر؛ إنه اختيارهم.

أيّ تدخل في الشؤون الداخلية، أو أيّ محاولات للحَدّ من سيادة الدول (بما في ذلك الأصدقاء والحلفاء، أو أي طرف آخر) غير مقبولة".

وفي الحالة الإيرانية، يمكن قراءة العلاقة بشكل معكوس كُليّاً، إذ لا تكمن المشكلة في" قرار عدم التدخل"، بل في حدّة العجز عن التدخل، أو مَنْع عمليات فكّ ارتباط الأطراف بالمركز.

تكاد النتيجة تتطابق بين النموذجَين: الانكفاء عن التدخل عجزاً أو خياراً.

في كل الأحوال، برزت قيادة" غورباتشوفية" إيرانية تقطع مع سياسات الهيمنة غداً أو بعد عام، أو استمر المسار الحالي في اتجاه مزيد من تآكل الجغرافيا الداعمة، تبدو التحوّلات الإقليمية الأخيرة المناوئة لإيران مرشّحة لمزيد من انكشاف المركز.

وهنا يمكن الانتقال من مستوى التفكك عبر فقدان" المجال الحيوي" كما قدّمه (كرامر) إلى مستوى أعمق عند ريفيني وبراكاش: الحرب بوصفها آلية تفكيك داخلي مباشر.

أحد أخطر تناقضات القوة السوفييتية هو عجزها عن تحقيق التوازن بين الإنفاق العسكري الضخم ومتطلّبات التطوّر الاقتصادي والتكنولوجي، ما أدّى إلى استنزاف القدرة التنافسية للمركز نفسهالاستنزاف العسكري وتآكل المركزصنّف الباحثان ريفيني وبراكاش آثار الحرب السوفييتية في أفغانستان إلى أربعة أنواع من التأثيرات: تأثيرات في الإدراك لدى النخبة الحاكمة؛ تأثيرات عسكرية؛ وتأثيرات على الشرعية الداخلية؛ وتأثيرات الانفتاح الإعلامي (الغلاسنوست).

ويؤكّد الباحثان أن هذه الفئات ليست متساوية في الوزن التفسيري عند تحليل أثر الحرب على السياسة السوفييتية، وبالتالي على مسار تفكك الاتحاد السوفييتي، وبذلك تتجاوز حرب أفغانستان (1989- 1979)، كما تقاربها الدراسة، أن تكون مجرّد نزاع طويل الأمد، لتغدو عاملاً مُسرّعاً في تفكّك النظام السوفييتي ككل، عبر أربع حلقات مترابطة التأثير.

ويكتسب تفكيك البعد العسكري أولوية في الطرح، بوصفه أحد أهم بؤر الاستنزاف التي تربط بين الخارج والداخل في نموذج الانهيار المركّب.

فقد نجم عن الأداء المتعثّر للجيش السوفييتي في أفغانستان تقويض صورة المؤسّسة العسكرية بوصفها رمز القوة والردع، وهو ما انعكس على مكانتها داخل النظام السياسي، فقد آلت الإخفاقات العسكرية إلى تغيير عميق في إدراك القيادة السوفييتية لجدوى استخدام القوّة في الحفاظ على الجنسيات غير السوفييتية داخل الاتحاد، وهو ما يمكن تسميتها تأثيرات الإدراك السياسي التي أعادت تعريف حدود السيطرة الإمبراطورية بالقوة العسكرية.

ويُفهم من هذا أنّ حرب أفغانستان كانت ساحة قتال خارجية عكست حدود (تعثّر) النموذج السوفييتي نفسه؛ إذ إن تَدَخّل عام 1979، الذي صُوّر في البداية عملية محدودة وسريعة، تحوّل إلى حرب طويلة الأمد استنزفت كثيراً من الموارد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ما جعلها من أكثر الحروب كلفة في تاريخ الاتحاد السوفييتي المتأخّر.

ساهم هذا التحوّل من عملية محدودة إلى استنزاف ممتدّ في إعادة تشكيل نظرة النخبة الحاكمة إلى قدرتها على ضبط الأطراف والحفاظ على تماسك الإمبراطورية، فالجيش السوفييتي الذي كان يُنظر إليه رمز النصر في الحرب العالمية الثانية وركيزة الهُويّة السوفييتية، بدأ يفقد هالته الرمزية تدريجياً نتيجة الأداء المتعثّر في أفغانستان.

هذا التآكل في صورة المؤسّسة العسكرية تجاوز أنّه مجرّد ضرر معنوي، ليصل إلى خلخلة بنيوية في التوازنات الداخلية بين القوى المحافظة والإصلاحية داخل الدولة، وأضعف، أيضاً، قدرة المؤسسة العسكرية على لعب دور الضامن لوحدة الاتحاد.

وعلى مستوى تأثيرات الإدراك عند النخبة الحاكمة، ساهمت الحرب في إعادة تشكيل إدراك القيادة السوفييتية جدوى استخدام القوة لحيازة المجال الحيوي ممثلاً بأفغانستان، إذ بدأت تتراجع الثقة بقدرة الجيش على ضبط التماسك الإمبراطوري أو إدارة التنوع القومي بالقوّة.

على صعيد الشرعية الداخلية، ساهمت الحرب في إضعاف التماسك السياسي والاجتماعي داخل الاتحاد السوفييتي متعدّد القوميات، وهو ما يمثّل أحد أبرز مسارات التقاطع البنيوي التي يتيحها النموذج المقارن بين الحالتَين السوفييتية والإيرانية.

فقد بدأت قطاعات واسعة من الجمهوريات غير الروسية، الآسيوية والأوروبية، تنظر إلى الحرب بوصفها حرباً روسية تُدار باسم المركز وتُخاض بأبناء الأطراف، ما عمّق الشعور التاريخي بالتهميش وعدم التكافؤ داخل الاتحاد.

ومع تصاعد أعداد القتلى واتساع كلفة الحرب، أخذت المقارنات تتزايد بين القمع السوفييتي في أفغانستان والقمع المفروض على الجمهوريات غير الروسية، الأمر الذي ساهم تدريجياً في تآكل شرعية النظام وتشجيع النزعات الانفصالية داخل أطراف الاتحاد نفسه، فـ" الحروب الكبرى تؤثّر في شكل حاسم على السياسة الداخلية من خلال إحداث تغييرات اجتماعية دائمة ومن خلال إعادة توزيع السلطة السياسية بين المجموعات".

ومع صعوبة فرض الرواية الرسمية، بدأت وسائل الإعلام السوفييتية، حتّى في ظلّ الرقابة الصارمة، تُظهر مؤشّرات على قدر من الاستقلالية النسبية، إذ انتقلت من مجرّد أداة لنقل الخطاب الرسمي إلى مؤشّر يعكس تفاوت الرأي العام.

وهو ما سرّع من ديناميات الانفتاح السياسي وحرّية التعبير وتعميق الشفافية المعروفة لاحقاً بالغلاسنوست.

وفق المنظور السابق؛ يتضح أنّ أفغانستان شكّلت نقطة كشف دقيقة ومفصلية في آنٍ، لحدود القدرة الإمبراطورية السوفييتية على الاستمرار.

ولا يخلو هذا الاستنتاج من دلالة إضافية تتعلق بطبيعة الاستنزاف المتبادل الذي فرضته الحرب، إذ لم تقتصر على تكبيد الاتحاد السوفييتي خسائر بشرية وعسكرية كبيرة، بل حوّلت ساحة الصراع ذاتها إلى فضاء لإنتاج عداوة طويلة الأمد بين المركز السوفييتي والبيئة الأفغانية التي أصبحت لاحقاً مجالاً معادياً له.

يقدّم النموذج السوفييتي مثالاً على انكشاف المركز تحت ضغط تآكل الأطراف، وقد تتيح الحالة الإيرانية المسار نفسهوتعزّز هذه الخلاصات ما تورده دراسة عسكرية أعدتها هيئة الأركان العامة الروسية، ونُشرت لاحقاً بترجمة أكاديمية عنوانها" الحرب السوفييتية - الأفغانية: كيف قاتلت قوة عظمى وخسرت"، وتُحصي فيها أنّ الاتحاد السوفييتي خسر نحو 26 ألف جندي، بينهم 2990 ضابطاً، فيما أسفر التدخّل السوفييتي عن مقتل نحو 1.

3 مليون أفغاني، وأجبر 5.

5 ملايين شخص، أي ما يقارب ثلث سكان أفغانستان قبل الحرب، على اللجوء خارج البلاد، إضافة إلى نحو مليونَي نازح داخلي.

وهي فجائع تتقاطع في البنية، لا في القياس المباشر، مع ما ارتكبته إيران في ساحة حرب واحدة، السورية، ناهيك عن الساحات الأخرى.

وتكشف هذه الأرقام حجم الاستنزاف العسكري والإنساني والسياسي الذي رافق الحرب، وتجاوز حدود الميدان الأفغاني ليصيب صورة الاتحاد السوفييتي وقدرته على الاستمرار كقوة مهيمنة.

وبذلك، لا تقدم المقارنة بين النموذجين تطابقاً مباشراً بقدر ما تكشف عن نمط بنيوي في تجارب القوى الممتدّة خارج حدودها؛ إذ قد ينجح التمدّد الخارجي في إنتاج النفوذ لفترة زمنية، وخاصّة إذا وجد ترحيباً من تابعٍ أو عميل، غير أنّ استدامته تصبح موضع اختبار حين تتسع ساحات الالتزام العسكري والأمني بوتيرة تتجاوز قدرة المركز الاقتصادية على مواكبتها وتأمين كلفتها، ومن هنا تكتسب الملاحظات التي يوردها بول كينيدي حول" تناقضات" الاتحاد السوفييتي أهمية خاصّة، إذ يبدو تشخيصه لتلك التناقضات شديد التقاطع مع أنماط الاختلال التي يمكن رصدها في الحالة الإيرانية.

يشير كينيدي إلى اتساع الفجوة بين الغايات الكُبرى التي سعت إليها الدولة السوفييتية والوسائل الفعلية المتاحة لتحقيقها.

فالاتحاد السوفييتي، الذي قدّم نفسه بوصفه قوة ضامنة للاستقرار والسلام العالمي، وجد نفسه أيضاً غارقاً في سباقات التسلّح، ومشدوداً إلى شبكات وتحالفات ثوريّة ساهمت في تصعيد التوترات الدولية بدل احتوائها، كما أنّ سعيه إلى بناء نطاق أمني واسع حول حدوده تحوّل تدريجياً إلى عبء سياسي وعسكري أضعف علاقاته مع محيطه، في وقت كانت فيه البنية الاقتصادية والتكنولوجية السوفييتية تفقد قدرتها على مواكبة التحوّلات العالمية المتسارعة.

ويؤكّد المؤرّخ أنّ أحد أخطر تناقضات القوة السوفييتية تمثّل في عجزها عن تحقيق التوازن بين الإنفاق العسكري الضخم ومتطلّبات التطوّر الاقتصادي والتكنولوجي الداخلي، وهو ما أدّى، مع مرور الوقت، إلى استنزاف القدرة التنافسية للمركز نفسه.

تخلُص هذه الورقة إلى أنّ فرط التمدّد، حين يقترن بتآكل المجال الحيوي وتراجع القدرة على إدارة" الالتزامات" الخارجية سواء طوعاً أو قسراً، يتحوّل من أداة نفوذ إلى آلية استنزاف بنيوي.

وبينما يقدم النموذج السوفييتي مثالاً تاريخياً على انكشاف المركز تحت ضغط تآكل الأطراف، تتيح الحالة الإيرانية قراءة معاصرة لاحتمال المسار نفسه دون حتمية مسبقة.

ويبقى الزمن، بوصفه الفاعل الأكثر قسوة، هو الحكم بين المتشابهات والمآلات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك