في محاولة لتخفيف حدة التوتر غير المسبوق بين أوكرانيا وبولندا أخيراً، عقد وزيرا الخارجية، الأوكراني أندريه سيبيغا، والبولندي رادوسلاف سيكورسكي، اجتماعاً الجمعة الماضي، في وارسو.
وفي خطوة تفتح على إعادة بحث ملفات التاريخ التي تسببت في أخطر أزمة دبلوماسية بين البلدين، منذ بداية الحرب الروسية على أوكرانيا في 24 فبراير/ شباط 2022، في إطار أكاديمي لتثبيت حقائق، من دون التأثير بالعلاقات الحالية والمستقبلية، قال سيبيغا في منشور على منصة إكس، إنه اقترح" حزمة من الإجراءات للخروج من الأزمة"، تشمل عقد لقاء بين مؤرخي الحرب العالمية الثانية(1939 ـ 1945) وإشراك القيادات الدينية في الحوار.
وفي مؤتمر صحافي منفصل، امتنع سيكورسكي عن الخوض في تفاصيل الاجتماع، مكتفياً بالقول إن" الدبلوماسية تفضل الصمت".
وأضاف: " نحترم تاريخ الآخرين ونتوقع من شركائنا اعتماد النهج نفسه تجاه تاريخنا واستقلالنا".
ولم يشر الوزير إلى أن كييف تنوي التراجع عن قرار منح تسمية" أبطال جيش التمرد الأوكراني" لوحدة عسكرية، ما تسبب في إشعال الأزمة الحالية منذ مايو/ أيار الماضي.
كذلك أعلنت وزارة الخارجية البولندية أن الوزيرين عملا على بحث السبل لتهدئة التوترات المرتبطة بملفات التاريخ المتنازع عليها بين أوكرانيا وبولندا خلال الحرب العالمية الثانية، وأكدت أن" الحقيقة، واحترام الضحايا، وإحياء ذكراهم" تبقى عناصر أساسية في العلاقات الثنائية.
تجدد الخلافات بين أوكرانيا وبولنداوتجددت الخلافات بين أوكرانيا وبولندا حول قضايا تاريخية في مايو الماضي، بعدما منح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إحدى الوحدات العسكرية اللقب الفخري" أبطال جيش التمرد الأوكراني"، الذي تعتبره كييف رمزاً للمقاومة ضد الاتحاد السوفييتي وألمانيا النازية، وتجسيداً لسعي أوكرانيا المتواصل من أجل الاستقلال عن روسيا.
في المقابل، تربط وارسو" جيش التمرد الأوكراني" بمجازر فولينيا وغاليسيا الشرقية، وهي سلسلة من أعمال قتل وقعت في أثناء الحرب العالمية الثانية بين عامي 1943 و1945.
وتقول بولندا إن نحو 100 ألف بولندي قُتلوا على أيدي قوميين أوكرانيين خلال تلك الفترة.
وعلى خلفية تصاعد التوتر، سحب الرئيس البولندي كارول نافروتسكي، الشهر الماضي، وسام" النسر الأبيض"، وهو أرفع وسام بولندي كان قد مُنح لزيلينسكي.
وحينها، قال نافروتسكي إنه اتخذ هذه الخطوة بسبب تسمية وحدة عسكرية أوكرانية باسم متمردين ارتكبوا مذابح ضد البولنديين خلال الحرب العالمية الثانية.
وأكد أن قراره لا يستهدف الشعب الأوكراني، وأن بلاده ستواصل دعم كييف، لأن" العدوان الروسي يشكل تهديداً لأمن بولندا وأوروبا بأكملها"، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي يتطلب" الاستعداد لمواجهة الفصول الصعبة من تاريخها بصدق".
وردّ زيلينسكي بإعادة الوسام بطريقة استعراضية عبر البريد، وقرر عدد من السياسيين الأوكرانيين التخلي عن أوسمة منحت لهم من بولندا.
تربط وارسو" جيش التمرد الأوكراني" بمجازر فولينيا وغاليسيا الشرقية بين عامي 1943 و1945 قُتل فيها نحو 100 ألف بولندي على أيدي أوكرانيينوفي لغة جمعت بين الحزم ومحاولة احتواء الأزمة لعدم التأثير في ملفات حيوية لأوكرانيا، قال رئيس وزراء بولندا، دونالد توسك، الجمعة الماضي، إن أوكرانيا تبحث عن سبل لتخفيف حدة التوتر مع وارسو، مضيفاً أن كييف يجب أن تتصالح مع تاريخها حتى تتمكن من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وقال في مؤتمر صحافي: " لا أعرف نتائج الاجتماع (بين سيبيغا وسيكورسكي)، لكن لدي مؤشرات تفيد بأن الجانب الأوكراني يبحث عن سبل لخفض التوتر".
وأضاف أنه سيدعو وفد بولندا المشارك في القمة المقبلة لحلف شمال الأطلسي" ناتو" إلى التحلي" بالحذر" حيال أي تعهدات جديدة بتقديم مساعدات مالية إضافية لأوكرانيا.
ومع إشارته إلى أن العلاقات الجيدة بين البلدين تصبّ في مصلحة الطرفين، شدد توسك المعروف بمواقفه الداعمة لأوكرانيا، على أنه" لا يمكن أن تكون وارسو وحدها من تبدي حسن النية".
في ذروة التوتر بين أوكرانيا وبولندا الشهر الماضي، قال توسك إن" انخراط سياسيين من أوكرانيا وبولندا في صراع خطأ استراتيجي سيضر كلا الجانبين، من النواحي التجارية والجيوسياسية، ومن حيث السمعة.
وفي السياسة، كما نعلم، الخطأ أسوأ من الجريمة".
وأضاف في منشور على" إكس" في 21 يونيو الماضي أنه" في المناقشات مع شركائي الأوروبيين، أسعى جاهداً لتقليل الخسائر وتخفيف التوتر.
وهذه ليست مهمة سهلة".
وأظهرت الأسابيع الأخيرة أن ثقل التاريخ يمكن أن يعطل بناء علاقات شراكة حقيقية.
وعلى خلفية تصاعد التوتر، كشف استطلاع للرأي أن أكثر من نصف البولنديين ينظرون إلى أوكرانيا بصورة أكثر سلبية.
وحسب استطلاع نظمته وكالة SW Research ومقرها وارسو، ونشرته في 11 يونيو الماضي، اعتبر 51.
9% من البولنديين أن موقفهم تجاه أوكرانيا والأوكرانيين أصبح أكثر سلبية، بسبب قرار كييف تسمية وحدة عسكرية باسم جيش متمرد يعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية، فيما قال 31.
9% من المشاركين إن الجدل والأزمة الدبلوماسية لم يؤثرا في نظرتهم إلى أوكرانيا.
ووفقاً لنتائج الاستطلاع، كان تراجع المواقف الإيجابية تجاه أوكرانيا أكثر انتشاراً بين الرجال والمشاركين الأصغر سناً والأشخاص الحاصلين على تعليم مهني، وكذلك بين من تقل دخولهم الشهرية عن ثلاثة آلاف زلوتي بولندي (نحو 810 دولارات)، ما يكشف عن اختلاط قضايا السياسة مع الأبعاد الاقتصادية، وتأثير الدعاية اليمينية والروسية في مزاج الفئات الأقل تعليماً ودخلاً.
وعلّقت وارسو أخيراً نقل شحنات أسلحة جديدة، بما في ذلك طائرات ميغ-29، من مخزونها إلى كييف.
والآن قد تعرقل بشكل إضافي شحنات" ناتو" عبر مركز النقل الجوي في جيشوف، وقد تعطل عملية انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وتشدد شروط استقبال اللاجئين الأوكران في بولندا.
ويمكن أن يؤدي مزيد من التدهور في العلاقات بين أوكرانيا وبولندا إلى شلل التعاون الثنائي، ولا سيما في مجال الخدمات اللوجستية العسكرية.
فمنذ عام 2022، تُعد مدينة جيشوف، الواقعة قرب الحدود الأوكرانية، مركز النقل الرئيسي لحلف شمال الأطلسي.
ويمر عبرها ما يصل إلى 80% من المساعدات العسكرية الغربية.
ولا تستطيع بولندا حظر هذا المركز مباشرةً، بسبب خطر التصعيد مع قيادة الحلف.
ومع ذلك، يمكن لوارسو أن تلجأ إلى تعطيل غير مباشر عبر فرض تأخيرات بيروقراطية، وإجراء عمليات تفتيش تقنية لا تنتهي للقطارات والشاحنات، وخلق تأخيرات جمركية.
وقد تظهر أيضاً مشكلات تقنية بحتة بين أوكرانيا وبولندا، إذ نظراً لأن وارسو أكبر ممول لخدمة ستارلينك في كييف، يمكن لها وقف المدفوعات الخاصة بالاتصالات الفضائية، وهو ما سيشكل ضغطاً فعلياً على أوكرانيا.
وتغطي بولندا تكاليف أكثر من 29,500 محطة من أصل 47 إلى 50 ألف محطة تعمل في أوكرانيا.
ومنذ عام 2022، أنفقت بولندا أكثر من 86 مليون دولار من ميزانيتها على شراء المعدات ورسوم الاشتراك لأوكرانيا.
كذلك يمكن أن يمتد الصراع إلى مسار انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، إذ تملك بولندا حق النقض في كل مرحلة من مراحل الاندماج الأوروبي.
وتُعَدّ بولندا من أهم داعمي أوكرانيا عسكرياً، وإضافة إلى كونها مركزاً لوجستياً أساسياً لنقل المساعدات العسكرية الغربية إلى أوكرانيا.
وذكر مكتب رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، في بيان بمناسبة الذكرى الرابعة للحرب في فبراير الماضي، أن بولندا زودت أوكرانيا بأكثر من 300 دبابة وحوالى 600 مركبة مدرعة منذ اندلاع النزاع، إضافة إلى مدافع ذاتية الحركة.
وذكر البيان أن بولندا سلمت أوكرانيا عشر مقاتلات من طراز ميغ-29 وعشر مروحيات هجومية من طراز مي-24.
وبلغت القيمة الإجمالية للمعدات العسكرية والأسلحة التي نقلتها بولندا إلى أوكرانيا حتى مارس/ آذار 2025 نحو 18 مليار زلوتي (قرابة 5 مليارات دولار).
وفي عام 2022، فاجأت بولندا الأوكرانيين والعالم حين فتحت حدودها، وبدأت في مساعدة أوكرانيا.
وفي يونيو 2022، جرى التوصل إلى اتفاق بين الرئيسين، زيلينسكي والبولندي في حينه أندري دودا، يقضي بعدم إثارة القضايا التاريخية التي تسبب بوضوح حالات من الصدام إلى حين انتهاء الحرب.
وجرى تثبيت هذه التفاهمات في مذكرة وقّعها وزيرا الثقافة آنذاك، الأوكراني أوليكسندر تكاتشينكو والبولندي بيوتر غلينسكي.
وبدا حينها أن هناك إدراكاً مشتركاً بضرورة تجاوز الخلافات بمنظمة القوميين الأوكرانيين وجيش التمرد، ولكن الموضوع عاد في 2023.
واختلط الملف التاريخي في بولندا بالمطالب الاقتصادية، وتطور إلى حملة معادية لأوكرانيا شملت إغلاق الحدود وإلقاء الحبوب الأوكرانية على الحدود بعد منع الشاحنات من العبور.
ولطالما كان موقع أوكرانيا الجغرافي ساحة للصراع بين الإمبراطوريات الروسية والليتوانية والنمساوية المجرية والعثمانية والكومنولث الليتواني البولندي، في الألفية الماضية.
وخضعت أجزاء واسعة من أوكرانيا لسيطرة" الكومنولث الليتواني البولندي" منذ النصف الثاني للقرن السادس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر.
وبعد فترة من إعلان الاستقلال عن بولندا والاتحاد السوفييتي في 1918، انضمت أوكرانيا إلى الاتحاد السوفييتي، وتشكلت حدودها النهائية نتيجة التوافقات بعد الحرب العالمية الثانية، وحصلت بمقتضاها على مساحات في المناطق الغربية للبلاد حالياً، مقابل اقتطاع أراضٍ ألمانية لمصلحة بولندا.
أدت فترة ما بين الحربين العالميتين (الأولى حصلت بين عامي 1914 و1918) إلى توتر العلاقات بين أوكرانيا وبولندا قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية.
وبعد استعادة بولندا استقلالها عام 1918، وجد عدد كبير من السكان الأوكرانيين، وعددهم حوالى 5 إلى 6 ملايين نسمة، أكبر أقلية قومية في بولندا وأوروبا خلال فترة ما بين الحربين، أنفسهم داخل الحدود الشرقية لبولندا.
وخاض سكان غاليسيا الشرقية حرباً من أجل الاستقلال في الفترة 1918-1919، لكنهم خسروها.
لاحقاً، أخفقت الحكومة البولندية في الوفاء بالتزاماتها الدولية التي قبلتها شرطاً لاعتراف دول الحلفاء المنتصرة بها دولةً مستقلةً، بما في ذلك منح غاليسيا الشرقية حكماً ذاتياً.
وانتهجت السياسات البولندية المتعلقة بالأراضي تفضيلاً ممنهجاً للمستوطنين البولنديين في الأراضي الأوكرانية التقليدية.
ورعت الحكومة برامج استيطان جلبت البولنديين إلى المناطق الشرقية، ما أدى إلى تشريد المزارعين الأوكرانيين وتوطيد السيطرة البولندية.
وفرضت قيود على اللغة الأوكرانية في المدارس والإدارة العامة.
وواجهت المؤسسات الثقافية عقبات ممنهجة.
وقيد التمثيل السياسي من خلال التلاعب بالانتخابات والحواجز الإدارية.
أكد توسك أنه سيدعو وفد بولندا المشارك في القمة المقبلة لحلف شمال الأطلسي" ناتو" إلى التحلي" بالحذر" حيال أي تعهدات جديدة بتقديم مساعدات مالية إضافية لأوكرانياأدت هذه السياسات إلى تطرف جيل الشباب الأوكراني، ولجأ بعضهم، مثل ستيبان بانديرا ورومان شوخيفيتش (بطلان في أوكرانيا ومجرما حرب في بولندا) إلى الإرهاب ضد المسؤولين البولنديين، بعد توقيع بولندا على معاهدة عدم اعتداء مع الاتحاد السوفييتي في العام الذي تلا المجاعة في أوكرانيا السوفييتية عام 1933، ومشاركتها، إلى جانب ألمانيا، في تفكيك تشيكوسلوفاكيا عام 1938.
ثم، في الأشهر اللاحقة، تعاونت بولندا مع المجر لمنع الأوكرانيين من إقامة دولة مستقلة صغيرة على غرار بيدمونت في منطقة ترانسكارباتيا الشرقية في تشيكوسلوفاكيا.
بحلول عام 1939، فقدت حتى القوى الأوكرانية المعتدلة أي أمل في" تطبيع" العلاقات مع الدولة البولندية، وانتهز القوميون الأوكرانيون فرصة غزو ألمانيا لبولندا في 1939، ولاحقاً انضمام الاتحاد السوفييتي إلى الحرب للحصول على مكاسب أكبر وتحقيق استقلال عن الطرفين.
وظهر جيش التمرد الأوكراني عام 1942، وكان هدفه في البداية معارضة ترحيل الألمان للشباب الأوكراني إلى ألمانيا للعمل القسري، ثم مواجهة التهديد المزدوج المتمثل بالاتحاد السوفييتي وبولندا.
وبرر جيش التمرد الأوكراني أفعاله عام 1943 بأنها دفاع استباقي عن النفس نيابة عن الشعب الأوكراني، إلا أنه يتهم بارتكاب أعمال عنف جماعي ممنهجة ضد المدنيين البولنديين في فولينيا وغاليسيا الشرقية، وهي جرائم قتل تقدّر مصادر بولندية عدد ضحاياها بنحو 100 ألف قتيل.
ويزعم أن وحدات الدفاع الذاتي البولندية والمقاومة البولندية، بما في ذلك وحدات من جيش الوطن، وهو منظمة المقاومة الرئيسية في بولندا، ارتكبت فظائع ضد المدنيين الأوكرانيين، وفقاً لمصادر أوكرانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك